(22) (باب) بالتنوين وهو ساقط عند الأصيلي (الْمَعَاصِي) كبائرها وصغائرها (مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) مبتدأ وخبر، والمعاصي: جمع معصية، وهي ما خالف الشرع بترك واجب، أو فعل حرام، كبيرة كانت أو صغيرة، ويدخل في الكبيرة الكفر، والجاهلية زمان الفترة قبل الإسلام سمي بذلك؛ لكثرة الجهالات فيه.
(وَلاَ يُكَفَّرُ) بضم الياء وتشديد الفاء المفتوحة؛ أي: لا ينسب إلى الكفر (صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا) أي: باكتسابها والإتيان بها، فهو مجاز عنه كما في العيني، وفي رواية أبي الوقت: بفتح الياء وسكون الكاف وضم الفاء (إِلاَّ بِالشِّرْكِ) أي: إلا بارتكاب الشرك، فالاستثناء حينئذٍ متصل، والمراد بالشرك ههنا: الكفر؛ لأن من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان كافرًا، ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منفية عنه بلا خلاف، وقد يرد الشرك ويراد به ما هو أخص من الكفر كما في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة:1] ، كذا في (( الفتح ) ).
وقال النووي: قال: بارتكابها احترازًا عن اعتقادها؛ لأنه لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة من الدين ضرورة كالخمر كفر بلا خلاف.
وفي (( الفتح ) ): ومحصل الترجمة: أنه لما قدم أن المعاصي يطلق عليها الكفر مجازًا على إرادة كفر النعمة لا كفر الجحود أراد أن يبين أنه كفر لا يخرج عن المِلَّة خلافًا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ونص القرآن يرد عليهم، وهو قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:116] ، فيصير ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة. انتهى.
وقال ابن بطال: غرض البخاري: الرد على من يكفر بالذنوب كالخوارج، ويقول: أن من مات على ذلك مخلد في النار، والآية ترد عليهم؛ لأن المراد بقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} [النساء:116] من مات على كل ذنب سوى الشرك. انتهى.
وفي (( المصابيح ) ): قال ابن المنير: تلطف يعني المؤلف في القول؛ لأنه لما قرر بالتراجم المتقدمة أن الطاعات داخلة في مسمى الإيمان، وأبعاض له توقع أن يقال: لو كان كذلك؛ لكانت المعاصي أبعاضًا للكفر، ولكان العاصي كافرًا كفرًا ناقصًا، فقرر أن المعاصي تدخل في مسمى الجاهلية، والجاهلية كانت كفرًا، ولهذا يقال لمن خالف بعض المخالفة: فيك جاهلية، وكان إطلاق الكفر على الإيمان إنما منعه الله تعالى فضلًا منه؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فوسع باب الرحمة، وفسح في إطلاق الطاعات على الإيمان، ولم يفسح في باب الغضب، فلم يأذن في إطلاق الكفر على المعاصي وإن كانت شعبًا له، وعلامات له، ويخشى منها التذرع إليه.
قلت: فيه نظر؛ فقد سمى الشارع آثار الكفر كفرًا كما سمى آثار التصديق إيمانًا: (( من رغب عن الله فقد كفر ) ) (( اثنان في الناس هم بها كفر: الطعن في النسب، والنياحة ) ) (( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم ) ) (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ).
وإنما كانت هذه الأفعال من آثار الكفر؛ لأن الكافر لا يبالي ما فعل، إذ لا يرجو ثوابًا ولا يخاف عقابًا، فيكثر إقدامه على المعاصي والمخالفات. انتهى.
وأقول: يمكن الجواب عن ابن المنير بأن إطلاق الكفر فيما أورده من الأحاديث ليس على حقيقته؛ لأنها واردة مورد التهديد والزجر، بخلاف إطلاق الطاعات على الإيمان، فإنه إطلاق حقيقي؛ لأن الآتي بها مؤمن حقيقة، فليتأمل )) .
(لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) غرض البخاري من هذا الحديث كما قال ابن بطال: الرد على من يكفر بالذنوب كالخوارج، وعلى من يقول: أن مرتكبها مخلد في النار كالمعتزلة.
لكن قال الكرماني: في الاستدلال به نظر؛ لأن التعيير بأمه صغيرة وهم لا يكفرون بها بلا نزاع.
وأجاب صاحب (( الفتح ) ): بأن غرض البخاري بذكره الاستدلال على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يخرج بها من الإيمان سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وأما الآية؛ فهي ترد عليهم؛ لأن المراد بقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:116] من مات على كل ذنب سوى الشرك.
وقال العيني: يشير الكرماني بكلامه هذا إلى عدم مطابقة الحديث للترجمة،
ج 1 ص 272
وليس كذلك فإنه مطابق؛ لأن التعيير بالأم أمر عظيم عندهم؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب، وهذا ارتكاب معصية عظيمة، ولهذا أنكر النبي عليه السلام عليه بلفظ يدل على أشد الإنكار.
وقال ابن بطال: معناه: جهلت وعصيت الله تعالى في ذلك، ولئن سلمنا أن هذا صغيرة، ولكن كونه صغيرة بالنسبة إلى ذنب فوقه بالنسبة إلى ما دونه كبيرة؛ لأن هذا من الأمور النسبية، ولهذا يجوز أن يقال: سائر الذنوب بالنسبة إلى الكفر صغائر؛ لأنه لا ذنب أعظم من الكفر، وليس فوقه ذنب، وما دونه يختلف في نفسه، فإن نسب إلى ما فوقه فهو صغيرة، وإن نسب إلى ما دونه فهو كبيرة، فافهم. انتهى.
أقول: وفيه أنه يلزم عليه أن من اجتنب الشرك تكفر عنه سائر خطاياه كقتل النفس، وعقوق الوالدين، والسحر، وأكل الربا ونحوها؛ لقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31] ؛ لأن ما دون الشرك صغائر على هذا التفسير ويلزم أيضًا جواز تكفير نحو ما ذكر بصوم يوم عرفة وعاشوراء ونحوه من المكفرات، ولا قائل به لتصريحهم بأن نحو المذكورات لا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله تعالى، ولا يبقى امتياز بين الصغائر والكبائر؛ لأنه ما من كبيرة غير الشرك، ألا ويصح إطلاق الصغيرة عليها، وما من صغيرة غير أصغر الصغائر، ألا ويصح إطلاق الكبيرة عليها، فليتأمل.
بقي هنا شيء: وهو أن ظاهر كلام صاحب (( الفتح ) )كالعيني، وصريح كلام الكرماني: أن الخوارج لا يكفرون بارتكاب الصغيرة، والذي صرح به المولى سعد الدين التفتازاني والجلال الروياني: أن مرتكب الذنب عند الخوارج مطلقًا كبيرًا أو صغيرًا يكفر بارتكابه.
اللهم: إلا أن يكون ما نقله السعد مذهبًا لبعضهم، أو يكون التفكير عندهم بارتكاب الصغيرة إذا أصر عليها، وحينئذ تصير كبيرة فالمآل واحد.
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بالجر عطفًا على ما قبله، وللأصيلي: ، ولأبي ذر عن الكشميهني: ( {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} ) أي: يكفر به، ولو بإنكار شيء مما علم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به بالضرورة، فالمراد بالشرك هنا مطلق الكفر كما تقدم، وبين البيضاوي علة عدم الغفران بقوله: لأنه تعالى بتَّ الحكم على خلود عذابه، ولأن ذنبه لا ينمحي عنه آخره، فلا يستعد للعفو بخلاف غيره.
( {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} ) أي: ما دون الشرك سواء كان من الصغائر أم من الكبائر ( {لِمَنْ يَشَاءُ} ) مغفرة ذنوبه من غير توبة تفضلًا عليه، فما دون الشرك تحت إمكان المغفرة، فمن مات على الإيمان غير مخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما عساه أن يرتكب، فعند أهل السنة الجار والمجرور متعلق بالفعل الثاني فقط.
قال البيضاوي: والمعتزلة علقوه بالفعلين على معنى: إن الله تعالى لا يغفر الشرك لمن يشاء، وهو من لم يتب، ويغفر ما دونه لمن يشاء وهو من تاب، وفيه تقييد بلا دليل، إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى منه، ونقض لمذهبهم، فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصفح بعدها، فالآية كما هي حجة عليهم فهي حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك، وأن صاحبه خالد في النار. انتهى.
وفي العيني: قال الكرماني: فإن قلت: المفهوم من الآية أن مرتكب الشرك لا يغفر له لا أنه يكفر، والترجمة إنما هي في الكفر لا في الغفر.
قلت: الكفر وعدم الغفر عندنا متلازمان.
نعم: عند المعتزلة صاحب الكبيرة التي لم يتب عنها غير مغفور له، بل مخلد في النار، ففي الكلام لف ونشر، ومذهب أهل الحق على أن من مات موحدًا لا يخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (( وإن زنى وإن سرق ) ). انتهى.
تنبيه: سبب نزول هذه الآية كما ذكره العيني قصة وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنه على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أتيتك مستجيرًا، فأجرني حتى أسمع كلام الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قد كنت أحبُّ أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مستجيرًا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله ) )قال: فإني قد أشركت بالله، وقتلت النفس التي حرم الله، وزنيت، فهل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان:68] إلى آخر الآيات، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطًا، فلعلي لا أعمل صالحًا أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48] ، فدعى به، فتلاها عليه، فقال: لعلي ممن لا يشاء الله، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت:
ج 1 ص 273
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ} [الزمر:53] الآية، فقال: نعم، الآن لا أرى شرطًا، فأسلم )) . انتهى.