فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 1465

وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:

30 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالموحدة الأزدي البصري المكنى بأبي أيوب (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ وَاصِلٍ) بن حَيَّان بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية المشددة، وثبت للأصيلي زيادة: وسقط لغيره، وللأصيلي أيضًا: بإسقاط واصل، وهو ثقة، مات سنة عشرين ومائة.

(عَنِ الْمَعْرُورِ) بعين مهملة ورائين مهملتين بينهما واو، وفي رواية ابن عساكر زيادة: بالسين المهملة مصغرًا، وهو تابعي جليل، سمع عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبا ذر، روى عنه واصل الأحدب والأعمش، وقال: رأيته وهو ابن مائة وعشرين سنة، أسود الرأس واللحية، قال يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة روى له الجماعة.

(قَالَ) ولأبي ذر عن الكشميهني: (لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء جُندُب بضم الجيم وتثليث الدال، بن جنادة بضم الجيم وحكي فتحها الغفاري السيد الجليل.

وغِفار بكسر الغين المعجمة: قبيلة من كنانة، أسلم قديمًا، روي عنه أنه قال: أنا رابع أربعة في الإسلام، ويقال: كان خامس خمسة، أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم رجع إلى المدينة، فصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات، ومناقبه جمَّة، وزهده مشهور، ومن مذهبه تحريم ما زاد على حاجة الإنسان من المال، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر، روى عنه خلق من الصحابة، منهم: ابن عباس، وأنس، وخَلْقٌ من التابعين، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود رضي الله عنه بالرَّبَذَة بفتحات وإعجام الذال، وهي منزل للحاج العراقي على ثلاث مراحل من المدينة، قريبة من ذات عرق ميقات أهل العراق.

(وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) جملة حالية، والحلة بضم الحاء المهملة وتشديد اللام كما في (( القاموس ) ): إزار ورداء برد أو غيره، ولا تكون حلة إلا من ثوبين، أو ثوب له بطانة. انتهى.

وفي العيني: ويقال: الحلة ثوبان غير لفيقين رداء وإزار سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحل على الآخر. انتهى.

وفي (( الفتح ) ): أن الحلة ثوبان من جنس واحد، فعليه إذا كان أحد الثوبين قطنًا والآخر كتانًا مثلًا لا يسمى حلة، والإطلاق في كلام غيره يقتضي خلاف ذلك.

وقال ابن الملقن: الحلة ثوبان لا يكونان ثوبًا واحدًا، ويكونان غير لفيقين إزار ورداء. انتهى.

وصريح كلامه وكلام العيني: أن اللفيقين لا يسميان حلة، وهو منافٍ لقول صاحب (( القاموس ) )أو ثوب له بطانة؛ لأن البطانة لا تكون غير لفيقة، فليحرر.

(وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ) جملة حالية أيضًا.

قال في (( الفتح ) ): ولم يسم غلام أبي ذر، ويحتمل أن يكون أبا مراوح، وذكر مسلم في (( الكنى ) ): أن اسمه سعد.

وما ذكر هنا من قوله: (( وعليه حلة وعلى غلامه حلة ) )قال في (( الفتح ) ): كذا رواه أكثر أصحاب شعبة، لكن في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة: (( أتيت أبا ذر، فإذا حلة عليه منها ثوب وعلى عبده منها ثوب ) )وهذا يوافق ما في اللغة أن الحلة ثوبان من جنس واحد.

ويؤيده: ما في رواية الأعمش عن المعرور عند المؤلف في الأدب بلفظ: (( رأيت عليه بردًا، وعلى غلامه بردًا، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة ) ).

وفي رواية مسلم: (( فقلنا: يا أبا ذر! لو جمعت بينهما كانت حلة ) ).

ولأبي داود: (( فقال القوم: يا أبا ذر! لو أخذت الذي على غلامك، فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة ) ).

فهذا موافق لقول أهل اللغة؛ لأنه ذكر أن الثوبين يصيران بالجمع بينهما حلة، ولو كان كما في الأصل على كل واحد منهما حلة؛ لكان إذا جمعهما يصير عليه حلتان، ويمكن الجمع بين الروايتين: بأن كان عليه برد جيد تحته ثوب خلق من جنسه، وعلى غلامه كذلك، فكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك، وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله؛ لكانت حلة جيدة، فتلتئم بذلك الروايتان، ويحمل قوله في حديث الأعمش (( لكانت حلة ) )أي: كاملة الجودة، فالتنكير فيه للتعظيم، والله أعلم.

وقد نقل بعض أهل اللغة: أن الحلة لا تكون إلا ثوبين جديدين يحلهما من طيبهما، فأفاد أصل تسمية الحلة. انتهى.

ومقتضى هذا: أن اشتقاق الحلة من حله حلًا إذا فكه، ومقتضى ما تقدم عن العيني: أنه من حل في المكان حلولًا، وكلاهما إبداء وجه مناسبة في التسمية،

ج 1 ص 274

غير أن الوجه الأول لا يشعر بكونها من ثوبين.

(فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن تساويهما في لبس الحلة مع أن العادة جارية بأن ثياب الغلام تكون دون ثياب سيده، فأجاب بحكاية القصة التي كانت السبب في ذلك (فَقَالَ) أي: أبو ذر (إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا) أكد بإن لما يبدو على ظاهر حال المعرور من أمارات إنكار مسابة أبي ذر؛ لتقواه وورعه وزهده، فتستبعد عليه المسابة، وهي مفاعلة من سبه إذا شتمه، وفي رواية الإسماعيلي: .

قال في (( الفتح ) ): وفي الأدب للمؤلف: (( كان بيني وبين رجل كلام ) )، وزاد مسلم: (( من إخواني ) ).

وقيل: إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ويروي ذلك الوليد بن مسلم منقطعًا، ومعنى ساببت: وقع بيني وبينه سباب بالتخفيف، وهو من السبِّ بالتشديد، وأصله: القطع.

وقيل: أصله مأخوذ من السبة وهي حلقة الدبر، سمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني: المراد كشف عورته؛ لأن من شأن السباب إبداء عورة المسبوب. انتهى.

وفي (( المصابيح ) ): الجزم بأن الرجل بلال المؤذن.

(فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) بالعين المهملة أي: نسبته إلى العار بها.

وفي (( العباب ) ): العار: السبة والعيب، ومنه المثل: النار ولا العار، وعاره يعيره: إذا عابه، يقال: عيرته بكذا، وعيرته كذا.

قال في (( المصابيح ) ): وأنكر ابن قتيبة تعديته بالباء، والحديث يرد عليه. انتهى.

ومعنى (( عيرته بأمه ) )قلت له: يا ابن السوداء، كما جاء تفسيره بذلك، وفي كتاب الأدب: (( كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها ) ).

وفي (( المصابيح ) ): هي حمامة من مولدي مكة لبني جمح، وقيل: من مولدي السراة.

وفي (( الفتح ) ): والأعجمي: من لا يفصح باللسان العربي سواء كان عربيًا أو أعجميًا، والفاء في فعيرته فاء العطف على ساببته.

قال العيني: فإن قلت: هذا عطف الشيء على نفسه؛ لأن التعيير نفس السبّ، فكيف يصح الفاء بينهما، وشرط المعطوفين مغايرتهما؟

قلت: هما متغايران بحسب المفهوم من اللفظ، ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية، كما في قوله تعالى: {تُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} [البقرة:54] ، فإن القتل هو نفس التوبة. انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): والظاهر أنه وقع بينهما سباب، وزاد عليه التعيير، فتكون عاطفة، ويدل عليه رواية مسلم قال: (( أعيرته بأمه؟ ) )فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه، فقال: (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ). انتهى.

قوله: فتكون عاطفة؛ أي: فقط، وإلا فالتفسيرية عاطفة أيضًا مع إفادة التفسير كما تقدم عن العيني.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَا بَا ذَرٍّ) قال العيني تبعًا للكرماني: أصله: يا أبا ذر بالهمزة فحذفت للعلم بها تخفيفًا، ومقتضاه: أنه الرواية لا غير، وقال البرماوي: وفي رواية: بحذف حرف النداء. انتهى.

فالهمزة على هذه الرواية ثابتة.

(أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟) هذا الاستفهام للإنكار التوبيخي، وقيل: للتقرير، وقيل: على حقيقته.

وقال العيني: وقول من قال للتقرير بعيد. انتهى.

(إِنَّكَ امْرُؤٌ) بالرفع خبر إن، وهو من نوادر الكلمات، إذ حركة عينه تابعة لحركة لامه في الأحوال الثلاث، وعند الكوفيين معرب من مكانين، والمرؤ الرجل كما في (( العباب ) ) (فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) جملة مؤلفة من خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر هي خبر بعد خبر لأَنْ، وقوله: امرؤ خبر موطئ لهذا الخبر كالحال الموطئة في قوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17] ، ولولا الخبر الثاني؛ لما صح الإخبار بالأول لعدم الفائدة، فليحرر فإني لم أرَ من نبَّه عليه.

والجاهلية: تعييره إياه بأمه؛ أي: فيك خصلة من خصال الجاهلية.

قال ابن بطال: معناه: جهلت وعصيت الله تعالى في ذلك.

قال في (( الفتح ) ): ويظهر لي: أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، فلهذا قال كما عند المؤلف في الأدب: قلت: على ساعتي هذه من كبر السن، قال: نعم، كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعًا، فكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره آخذًا بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة. انتهى.

وجاء في سبب إلباس أبي ذر غلامه مثله أثر مرفوع أصرح وأخص من هذا أخرجه الطبراني عن أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا ذر عبدًا، فقال: (( أطعمه مما تأكل، وألبسه مما تلبس ) )وكان لأبي ذر ثوب فشقه نصفين، فأعطى الغلام نصفه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: قلت يا رسول الله: أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، قال: (( نعم ) ).

وفي أبي داود قال أي: المعرور: (( رأيت أبا ذر بالربذة وعليه برد غليظ، وعلى غلامه مثله، فقال القوم: يا أبا ذر لو كنت أخذت الذي على غلامك، فجعلته مع هذا، فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبًا غيره، فقال أبو ذر: إني ساببت رجلًا ) ). وذكر الحديث، وفي آخره: (( إنهم إخوانكم، فضلكم الله عليهم، فمن لم يلائمكم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله ) ). انتهى.

وقال في (( التوضيح ) ): وفي

ج 1 ص 275

غير البخاري: أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي ذر: (( أعيرته بأمه؟ ارفع رأسك، فما أنت بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل في دين الله ) ).

وقد روي عن الوليد بن مسلم: أن بلالًا كان هو الذي عيره أبو ذر بأمه، قال: كان بين بلال وبين أبي ذر محاورة، فعيره أبو ذر بسواد أمه، فانطلق بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى تعييره بذلك، فأمره أن يدعوه، فلما جاء أبو ذر قال له: (( أشتمت بلالًا وعيرته بسواد أمه؟ ) )قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من أمر الجاهلية شيء ) )فألقى أبو ذر نفسه بالأرض، ثم وضع خده على التراب، وقال: (( والله لا أرفع خدي عن التراب حتى يطال بلال خدي بقدمه فوطئ خده ) ). انتهى.

(إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ) المراد بالأخوة الأخوة في الدين أو في الطين، أو هو تشبيه بليغ؛ أي: خولكم كإخوانكم في الإحسان إليهم، ومراعاة حقوقهم على حد: زيد أسد.

وقال العيني: والأخوة مجاز عن مطلق القرابة؛ لأن الكل أولاد آدم عليه السلام، أو عن أخوة الإسلام، والمماليك الكفرة، إما أن نجعلهم في هذا الحكم تابعين للمماليك المؤمنة، أو يخصص هذا الحكم بالمؤمنة. انتهى.

أقول: في الوجه الأول بُعْدٌ لا يخفى، إذ مقتضاه أن القرابة تثبت بين جميع أولاد آدم وهو في حيز المنع على أن الكفر قاطع للقرابة المحققة بدليل عدم التوارث بين المسلم والكافر، فليتأمل.

قال في (( المصابيح ) ): بالنصب؛ أي: احفظوا، ويجوز الرفع على معنى: هم إخوانكم.

قال أبو البقاء: والنصب أجود.

وتعقبه الزركشي: بأن البخاري رواه في كتاب (( حسن الخلق ) ): (( هم إخوانكم ) )فيترجح به الرفع. انتهى.

ولم يبين إعراب خولكم هل هو نصب أو رفع؟.

وكلا الأمرين جائز عربية، أما النصب؛ فعلى أنه نعت إخوانكم أو بدل منه، وأما الرفع؛ فعلى تقديره خبرًا لمبتدأ محذوف وتكون الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا كأنه قيل: لم نحفظهم، فقال: هم خولكم؛ أي: لأنهم خولكم.

وقال العيني: في هذا التركيب حصر، وذلك لأن أصل الكلام أن يقال: خولكم إخوانكم؛ لأن المقصود هو الحكم على الخول بالأخوة، ولكن لما قصد قصر الخول على الإخوان قدم الإخوان؛ أي: ليسوا إلا إخوانًا، وإما قدم الإخوان؛ لأجل الاهتمام ببيان الأخوة، ويجوز أن يكون من باب القلب المورث لملاحة الكلام كقوله:

~نم وإن لم أنم كراي كراكا شاهدي الدمع إن ذاك كذاكا

وقد ذكر بعض المعاتبين: أن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين أيَّ تعريفٍ كان يفيد التركيب الحصر.

وقال التيمي: كأنه قال: هم إخوانكم، ثم أراد إظهار هؤلاء الإخوان فقال: خولكم. انتهى.

قال البرماوي: قلت: لا يخفى ما في كل من النظر. انتهى.

(جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) مجاز عن القدرة والقهر؛ أي: أنتم قادرون عليهم، وهم مقهورون تحت أيديكم، أو عن الملك؛ أي: أنتم مالكون لهم (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ) بالمعنيين السابقين (تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ) الفاء عاطفة على مقدر مدلول عليه بقوله: تحت أيديكم؛ أي: أنتم مالكون لهم، فمن كان أخوه ... إلخ، ويجوز أن تكون سببية كما في: {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج:63] ، ومن للتبعيض، وما يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة، وهو على حذف مضاف؛ أي: من جنس ما يأكل، ومن جنس ما يلبس، والياء في ليطعمه وليلبسه مضمومة، وفي يلبس مفتوحة، وإنما لم يقل مما يطعم؛ ليكون على نسق مما يلبس من رعاية المطابقة؛ لأن الطعم يجيء بمعنى الذوق، قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة:249] ؛ أي: يذقه.

فلو قال: مما يطعم؛ لتوهم أنه يجب عليه الإذاقة مما يذوق، وليس كذلك، وهذا الأمر قيل: للوجوب، والأكثر: على أنه للاستحباب، وإنما الواجب كفايته من غالب قوت البلد، وكذلك في الملبس لا يجب عليه أن يلبسه مما يلبس، بل يجب عليه أن يلبسه ما يدفع عنه أذى الحر والبرد.

وقال القسطلاني: ولا يجب عليه أن يطعمه من كل مأكوله على العموم من الأدم وطيبات العيش، لكن يستحب له ذلك. انتهى.

وقال القاضي عياض: الأمر محمول على الاستحباب لا على الإيجاب بالإجماع، بل إن أطعمه من الخبز وما يقتاته كان قد أطعمه مما يأكل؛ لأن من للتبعيض، ولا يلزمه أن يطعمه مما يأكل على العموم من الأدم وطيبات العيش، ومع ذلك يستحب أن لا يستأثر على عياله، ولا يفضل نفسه في العيش عليهم، كذا في العيني.

والنهي في قوله: (وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ) من العمل (مَا يَغْلِبُهُمْ) أي: ما لا يطيقونه أصلًا، أو لا يطيقون الدوام عليه للتحريم بلا خلاف (فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ) أي: ما يغلبهم (فَأَعِينُوهُمْ) بمساعدتهم؛ أي: إن كلفتموهم ما منعتم منه شرعًا، فبادروا إلى إعانتهم؛ لتدفعوا عنهم الضرر والتكليف إلزام ما فيه كلفة.

وقال الكرماني: تحميل الشخص شيئًا معه كلفة، وقيل: هو الأمر بما يشق. انتهى.

ويلحق بالعبيد الأجراء والخدام والدواب، وفي الحديث النهي عن سب العبيد، ومن في معناهم، وتعييرهم بآبائهم وأمهاتهم، والحض على الإحسان إليهم، والرفق بهم، وعدم الترفع عليهم إذا كانوا مسلمين وإن كانوا عبيدًا لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] .

وعدم تكليفهم من العمل ما لا يطيقون، وفيه: جواز إطلاق الأخ على الرقيق، وفيه: المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاء في رواية لمسلم: (( فليبعه ) )موضع (( فليعنه ) ).

قال القاضي: وهذا وهم، والصواب: فليعنه كما رواه الجمهور، وقد اشتمل إسناده على واسطي وبصري وكوفيين، والتحديث والعنعنة.

وأخرجه المؤلف في العتق والأدب، ومسلم في الأيمان والنذور، وأبو داود، والترمذي باختلاف ألفاظ بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت