فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 1465

قال في (( الفتح ) ): هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم؛ لأن ما يغتبط به تحتمل المشقة فيه، ولأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب العلم وركوب البر والبحر لأجله.

فظهر بهذا مناسبة هذا لما قبله وظاهر التبويب أن موسى ركب البحر لما توجه في طلب الخضر وفيه نظر؛ لأن الذي ثبت عند المصنف وغيره أنه خرج في البر وسيأتي بلفظ: (( فخرجا يمشيان ) )وفي لفظ لأحمد: (( حتى أتيا الصخرة ) ).

وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا فيحمل قوله إلى الخضر على أن فيه حذفًا؛ أي: إلى مقصد الخضر؛ لأن موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه وإنما ركبه تبعًا للخضر ويحتمل أن يكون التقدير ذهاب موسى في ساحل البحر فيكون فيه حذف ويمكن أن يقال: مقصود الذهاب إنما حصل بتمام القصة ومن تمامها أنه ركب معه في البحر فأطلق على جميعها ذهابًا مجازًا إما من إطلاق الكل على البعض أو من تسمية السبب باسم ما تسبب عنه وحمله ابن المنذر على أن إلى بمعنى مع.

وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكون ثبت عند البخاري أن موسى توجه في البحر إلى طلب الخضر قلت لعله قوي عنده أحد الاحتمالين في قوله فكان يتبع أثر الحوت في البحر فالظرف يحتمل أن يكون لموسى عليه السلام ويحتمل أن يكون للحوت.

ويؤيد الأول ما جاء عن أبي العالية وغيره فروى عبد بن حميد عن أبي العالية: (( أن موسى التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر ) ). انتهى.

والتوصل إلى جزيرة في البحر لا يقع إلا بسلوك البحر غالبًا وعنده أيضًا من طريق الربيع بن أنس قال إنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار طاقة مفتوحة فدخلها موسى على أثر الحوت حتى انتهى إلى الخضر عليه السلام فهذا يوضح أنه ركب البحر إليه وهذان الأثران الموقوفان رجالهما ثقات. انتهى.

وفي (( المصابيح ) ): في هذا القيد أعني قوله: في البحر تنبيه على شرف العلم حتى جاز في طلبه المخاطرة في ركوب البحر وركبه الأنبياء في طلبه بخلاف طلب الدنيا في البحر فقد كرهه بعضهم. انتهى.

وموسى هذا عليه السلام هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام لا موسى بن ميشا كما قيل ولد وعمر عمران سبعون سنة وعمَّر عمران مائة وسبعًا وثلاثين سنة وعمر موسى عليه السلام مائة وعشرين سنة.

وقال العزيزي: مات موسى وعمره مائة وستون سنة وكانت وفاته في التيه؛ في سابع آذار لمضي ألف سنة وستمائة وعشرين سنة من الطوفان في أيام منوجهر الملك وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل من مصر ثمانين سنة وأقام في التيه أربعين سنة وموسى معرب موشى بالشين المعجمة سمته به آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لما وجدوه في التابوت وهو اسم اقتضاه

ج 1 ص 446

حاله؛ لأنه وجد بين الماء والشجر و (( مو ) )بلغة القبط: الماء، و (( شا ) ): الشجر فعرب فقيل: موسى.

وقال الصاغاني: هو عبراني عرب، كذا في العيني.

وفي كون آسية هي التي سمته بهذا الاسم نظر؛ لأن الله تعالى أطلق عليه هذا اللفظ قبل وضعه في التابوت وإلقائه في اليم في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7] الآية.

إلا أن يقال: أن ظهور هذا الاسم بينهم كان منها بإلهام من الله تعالى والخضر عليه السلام قد ذكر ابن قتيبة في (( المعارف ) )عن وهب بن منبه أن اسمه بَلْيا بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالـ (( يا ) )آخر الحروف ويقال: إبليا بزيادة الهمزة في أوله فيكون الخضر لقبًا له.

وقيل: اسمه خضر ذكره أبو حاتم السجستاني، وقيل: أرميا، وقيل: اسمه اليسع قاله مقاتل ووهاه ابن الجوزي، وقيل: اسمه أحمد حكاه القشيري ووهاه ابن دحية بأنه لم يسم أحد قبل نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك، وقيل: عامر حكاه ابن دحية في كتابه مرج البحرين والأول هو المشهور وكنيته أبو العباس واسم أبيه مَلْكان بفتح الميم وسكون اللام.

وقد جمع بين اسمه وكنيته ولقبه واسم أبيه على ما هو المشهور فيها من قال:

~أدرك أدركني بعون الله علَّى أنتصر يا أبا العباس بليا يا ابن ملكان الخضر.

واختلف في أي وقت كان.

فقال الطبري: كان في أيام أفريدون قال: وقيل: كان مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم الخليل عليه السلام وذو القرنين عند قوم هو أفريدون.

ويقال: كان وزير ذي القرنين؛ وأنه شرب من ماء الحياة وذكر الثعلبي اختلافًا أيضًا هل كان في زمن إبراهيم عليه السلام أم بعده بقليل أم بكثير.

وذكر بعضهم: أنه كان في زمن سليمان عليه السلام وأنه المراد بقوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} [النمل:40] ، حكاه الداوودي.

والصحيح: أنه كان متقدمًا على زمن أفريدون حتى أدركه موسى عليه السلام.

واختلف أيضًا هل كان وليًا أو نبيًا؟ وبالأول جزم القشيري واختلف أيضًا على القول بأنه نبي هل كان مرسلًا أو لا؟.

قال العيني: وأغرب ما قيل: أنه من الملائكة والصحيح أنه نبي وجزم به جماعة، وقال الثعلبي: هو نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار وصححه ابن الجوزي أيضًا في كتابه لقوله تعالى حكاية عنه: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف:82] .

فدل على أنه نبي أوحي إليه؛ ولأنه كان أعلم من موسى في علم مخصوص ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي وإن كان يحتمل أن يكون أوحي إلى نبي في ذلك العصر بأمر الخضر بذلك ولأنه أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه فيه؛ لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفس لمجرد ما يلقى في خلده؛ لأن خاطره ليس بواجب العصمة. انتهى.

والجمهور: على أنه حي إلى يوم القيامة قيل؛ لأنه نالته دعوة أبيه آدم له بطول الحياة بناء على أنه ابن آدم لصلبه، وقيل: لأنه شرب من عين الحياة.

وقال ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين ونقله النووي عن الأكثرين، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرتفع القرآن.

وفي صحيح مسلم في حديث الدجال:

ج 1 ص 447

(( أنه يقتل رجلًا ثم يحييه ) ).

قال إبراهيم بن سفيان راوي كتاب مسلم: يقال إنه الخضر، وكذلك قال معمر في مسنده وأنكر حياته جماعة منهم البخاري وإبراهيم الحربي وابن المناوي وابن الجوزي.

وقال النووي: الأكثرون من العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به، والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في الأماكن الشريفة أكثر من أن تحصر. انتهى.

وفي (( الإصابة ) )للحافظ ابن حجر: ومن أخبار الخضر مع غير موسى عليهما السلام ما أخرجه الطبراني في (( المعجم الكبير ) )من وجهين عن بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة الباهلي:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أحدثكم عن الخضر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب، فقال: تصدق علي بارك الله فيك، فقال الخضر: آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون ما عندي من شيء أعطيكه، فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي فإني نظرت السماحة في وجهك ورجوت البركة عندك، فقال الخضر: آمنت بالله ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني، فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟ فقال: نعم، الحق أقول لقد سألتني بأمر عظيم أما إني لا أخيبك بوجه ربي بعني: قال: فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم فمكث عند المشتري زمانا ًلا يستعمله في شيء.

فقال له: أجد أنك إنما اشتريتني التماس خير عندي فأوصني بعمل قال أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير ضعيف قال: ليس يشق علي قال: نعم فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فخرج الرجل لبعض حاجته.

ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة فقال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه قال: ثم عرض للرجل سفر فقال: إني أحسبك أمينًا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة قال: نعم فأوصني بعمل.

قال: إني أكره أن أشق عليك قال: ليس يشق علي قال فاضرب من اللبن لنبني حين أقدم عليك قال: ومر الرجل لسفره ثم رجع وقد شيد بناءه فقال: أسألك بوجه الله ما شأنك وما أمرك؟ قال: سألتني بوجه الله ووجه الله أوقعني في العبودية.

فقال الخضر: سأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي شيء أعطيه فسألني بوجه الله فأمكنته من رقبتي فباعني وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة جلدة ولا لحم له ولا عظم يتقعقع.

فقال الرجل: آمنت بالله شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم قال: لا بأس أحسنت وأبقيت فقال الرجل: بأبي وأمي يا نبي الله احكم في أهلي ومالي بما شئت أو اختر فأخلي سبيلك قال: أحب أن تخلي سبيلي فأعبد ربي قال: فخلى سبيله فقال الخضر: الحمد لله الذي أوثقني في العبودية ثم نجاني منها )) .

قلت: وسند هذا الحديث حسن لولا عنعنة بقية، ولو ثبت؛ لكان نصًا أن الخضر نبئ لحكاية النبي صلى الله عليه وسلم قول الرجل له يا نبي الله وتقريره على ذلك انتهى بحروفه.

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجر عطفًا على (( ما ) )فهو داخل في حيز الترجمة ( {هَلْ أَتَّبِعُكَ} ) حكاية خطاب موسى الخضر عليهما السلام سأله أن يعلمه من العلم الذي عنده مما لم يقف عليه موسى وكان ذلك ابتلاء له من الله تعالى حيث لم يكل العلم إليه ( {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي} ) أي: على شرط أن تعلمني (الآية) بالنصب على تقدير اقرأ وهو المشهور في مثل قولهم: الحديث أو البيت.

وقال في (( الفتح ) ): على تقدير فذكر وهو غير مناسب للمقصود لأن مقصود من يذكر ذلك أن يحيل تكميله إلى قارئ كلامه فيقول له: الآية مثلًا؛ أي: اقرأ الآية وذلك حيث

ج 1 ص 448

يكون المشار إلى تكميله مشهورًا معلومًا كالآية والحديث.

وزاد الأصيلي في رواية باقي الآية وهو قوله: ( {مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} ) أي: علمًا ذا رشد وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو عمرو والحسن واليزيدي: بضم الراء وسكون الشين، والباقون: بفتحها وهما لغتان كالبخل والبخل وهو مفعول ثان لـ (( تعلمني ) )ومفعول علمت الأول ضمير المخاطب النائب عن الفاعل والمفعول الثاني محذوف تقديره علمته وهو العائد إلى ما الموصولة.

وعلم هنا هي العرفانية التي تنصب مفعولًا واحدًا وتعدت إلى الثاني بالتضعيف ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا.

وقد راعى موسى عليه السلام في ذلك غاية الأدب والتواضع فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه كذا في تفسير البيضاوي.

وقال في (( الكشاف ) ): لا غضاضة بالنبي أن يأخذ العلم من نبي مثله وإنما يغض منه أن يأخذه عمن دونه. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت