ج 1 ص 276
كاجتَوَرَ القوم بمعنى تجاوروا وجمع في اقتتلوا نظرًا لجانب المعنى فإن كل طائفة جمع.
وثنى في قوله: ( {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ) نظرًا لجانب اللفظ والإصلاح بينهما بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى، وللأصيلي وأبي الوقت: < {اقْتَتَلُواْ} الآية> والطائفة لغةً: القطعة من الشيء تطلق على الواحد فما فوقه عند الجمهور.
وقد حمل الشافعي وغيره الطائفة في مواضع من القرآن على معاني مختلفة كل موضع بما يليق به بحسب القرائن الخارجية، فحملنا في قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} [النساء:102] على ثلاثة، وفي: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] على أربعة، وفي: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} [التوبة:122] على الواحد، فأكثر واحتج به في قبول خبر الواحد فسماهم المؤمنين.
ولابن عساكر: مع تقاتلهم، وهذا الترتيب الذي وقع عليه هذا الشرح وغيره كالقسطلاني والعيني من فصل هذه الآية، والحديث التالي لها بباب كما ترى هو رواية الأصيلي وغيره، وأما رواية أبي ذر عن مشايخه؛ ففيها إسقاط هذا الباب، وإدخال ما فيه من الآية والحديث في الباب السابق بعد قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48] لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي.
قال في (( الفتح ) ): وكل من الروايتين جمعًا وتفريقًا حسن. انتهى.
وقد ذكر الواحدي وغيره: أن سبب نزول هذه الآية ما جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قيل: (( يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم فركب حمارًا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إليك، فوالله لقد آذاني نتن حمارك ) )فقال رجل من الأنصار: والله لَحِمَار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحًا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما حرب بالجريد والأيدي والنعال )) .
وقال البيضاوي: والآية تدل على أن الباغي مؤمن، وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الحديث؛ لأنه فاء إلى أمر الله، وأنه تجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة. انتهى.