وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:
31 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن عبد الله العَيْشِي _ بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبالشين المعجمة _ أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصري، ثقة صدوق، توفي سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائتين (قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم أبو إسماعيل الأزرق الأزدي البصري مولى آل جرير بن حازم ولد سنة ثمان وتسعين، وتوفي سنة تسع وسبعين بتقديم السين ومائة، وهو ابن إحدى وثمانين سنة (قال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السختياني (وَيُونُسُ) بن عبيد بن دينار البصري التابعي، المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة كلاهما.
(عَنِ الْحَسَنِ) أبي سعيد بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم البصري مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى أبي اليسر الأنصاري، ويقال: مولى جابر بن عبد الله الأنصاري، وأمه اسمها خيرة بالخاء المعجمة والياء المثناة التحتية مولاة؛ لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، ويقال: أن أمه ربما غابت في حاجة فيبكي، فتعطيه أم سلمة ثديها، فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكمة من بركتها، ونشأ الحسن بوادي القرى، وقال الحسن: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن الفضيل بن عياض قال: سألت هشام بن حسان: كم أدرك الحسن من الصحابة؟ قال: مائة وثلاثين، قال: فابن سيرين؟ قال: ثلاثين.
وسئل أبو زرعة: هل لقي أحدًا من البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليًا، قيل: سمع منهم؟ قال: لا، ولم يسمع من أبي هريرة، ولا رآه، ومن قال في الحديث: عن الحسن: حدثنا أبو هريرة؛ فقد أخطأ، ولم يسمع من ابن عباس، وسمع من ابن عمر حديثًا واحدًا.
وقال ابن سعد: كان الحسن جامعًا عالمًا فقيهًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا، توفي سنة ست عشرة ومائة، وتوفي بعده ابن سيرين بمائة يوم.
(عَنِ الأَحْنَفِ) أبي الحسن الضحاك، وقيل: صخر (بْنِ قَيْسٍ) هو ابن معاوية المخضرم، والأحنف مشتق من الحنف، وهو اعوجاج في الرجل، وهو أن يقبل أحد الإبهامين من إحدى الرجلين على الأخرى، وقيل: هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها الذي يلي خنصرها، والأحنف هذا هو الذي يضرب به المثل في الحلم، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم على عهده ولم يره، ووفد على عمر بن الخطاب، وشهد مع علي وقعة صفين، واعتزل وقعة الجمل، فلم يشهدها مع أحد الفريقين، وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الإمامان الحسن وابن سيرين في جيشه، وولد ملتزق الإليتين حتى شق ما بينهما، ومن كلامه: (( ما خان شريف، ولا كذب عاقل، ولا اغتاب مؤمن ) ).
وقال أيضًا: (( ما ادخرت الآباء للأبناء، ولا أبقت الموتى للأحياء أفضل من اصطناع المعروف لذوي الأحساب والأنساب ) ).
سمع عمر وعليًا والعباس وغيرهم، وعنه الحسن وغيره، مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير رضي الله عنه.
(قَالَ: ذَهَبْتُ؛ لأنصُرَ هَذَا الرَّجُلَ) يعني: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كما في مسلم، وأشار إليه المؤلف في الفتن بلفظ: (( أريد نصرة ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك يوم الجمل ) ).
ج 1 ص 277
وجوز الكرماني: أن يراد به عثمان، وتبعه البرماوي وشيخ الإسلام.
قال العيني: وهو بعيد، ويرده ما في (( الصحيح ) )انتهى يعني قوله فيه كما تقدم: لأنصر ابن عم رسول الله.
(فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيع بضم النون وفتح الفاء ابن الحارث بن كَلَدة باللام والكاف المفتوحتين، وقيل: نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: اسمه مسروح، وأمه سمية أمة للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف في بكرة، فكني أبا بكرة، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معدود في مواليه، وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، ولم يزل مجتهدًا في العبادة حتى توفي بالبصرة سنة اثنين وخمسين، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث.
(فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ) وللأصيلي: (أَنْصُرُ) أي: أريد مكانًا أنصر فيه (هَذَا الرَّجُلَ) فلا يرد حينئذٍ أن السؤال عن المكان، والجواب عن الفعل (قَالَ) أبو بكرة: (ارْجِعْ) عن هذه الإرادة والذهاب لنصر هذا الرجل (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ) للقتال (بِسَيْفَيْهِمَا) أي: يريد كل واحد منهما قتل الآخر بسيفه وذكر السيف جرى على الغالب، وإلا فكل آلة تصلح للحرب كذلك، فإذا قتل أحدهما الآخر (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) أي: في إثم يكون سببًا لدخول النار، فأطلق المسبب، وأريد به السبب، كما في قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ} [الزمر:19] ويجوز أن يحمل على حقيقته ويكون الإخبار عن كونه في النار في الآخرة أي فهو في الآخرة في النار.
وفي العيني: قال عياض وغيره: معناه: إن جازاهما الله تعالى وعاقبهما كما هو مذهب أهل السنة، وهو أيضًا محمول على غير المتأول كمن قاتل لمعصية أو ما يشبهها، أو يقال: معنى القاتل والمقتول في النار: أنهما مستحقانها، وأمرهما إلى الله عز وجل كما هو مصرح به في حديث عبادة، فإن شاء عفا عنهما، وإن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار وأدخلهما الجنة كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار، فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء:93] ، معناه: هذا جزاؤه وليس بلازم أن يجازى. انتهى.
وإنما حمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما حسمًا للمادة، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع علي باقي حروبه، والحق الذي عليه أهل السنة: الإمساك عما شجر بين الصحابة، وحسن الظن بهم، والتأويل لهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا غرضًا نفسانيًا ولا حبًا في الرياسة ولا حظًا دنيويًا، فمنهم المخطئ باجتهاده، ومنهم المصيب، وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع، وجعل له أجرًا واحدًا، وضاعف أجر المصيب.
قال العيني: وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح به الجمهور وقالوا: إن عليًا رضي الله عنه وأشياعه كان مصيبين، إذ كان أحق الناس بها، وأفضل من على وجه الأرض حينئذٍ. انتهى.
(فَقُلْتُ) وللأربعة: بحذف الفاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ) قال الكرماني وتبعه البرماوي: مبتدأ وخبر؛ أي: هذا يستحق النار؛ لأنه قاتل، فالمقتول كيف يستحقها وهو مظلوم؟.
قال العيني بعد نقل كلامه: قلت: الأولى أن يقال: هذا مبتدأ، والقاتل مبتدأ ثان، وخبره محذوف، والجملة خبر المبتدأ الأول، والتقدير: هذا القاتل يستحق النار؛ لكونه ظالمًا، فما بال المقتول وهو مظلوم، ونظيره هذا زيد عالم، وقد علم أن المبتدأ إذا اتحد بالخبر لا يحتاج إلى ضمير، ومنه قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف:26] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ) ). انتهى.
أقول: الأولى أن يجعل القاتل نعتًا، أو عطف بيان على هذا، ويكون الخبر المقدر له لا للقاتل، وتنظيره لهذا التركيب بهذا زيد عالم فيه نظر؛ لأن المتبادر أن زيدًا خبرًا لهذا، وعالم خبر بعد خبر.
وقوله: ومنه قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف:26] فيه نظر أيضًا؛ لأن الربط حصل فيه باسم الإشارة، فلا حاجة إلى اعتبار كون الخبر عين المبتدأ في المعنى، فليتأمل.
(فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ) يعني ما شأنه؛
ج 1 ص 278
أي: ما ذنبه وهو مظلوم (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) وفي رواية: .
قال ابن الملقن: فيه حجة للقول الصحيح الذي عليه الجمهور أن العزم على الذنب والعقد على عمله معصية يأثم به وإن لم يعمل به ولا تكلم به، بخلاف الهم المعفو عنه، وللمخالف أن يقول: هذا فعل أكثر من العزم وهو المواجهة والقتال.
وفي العيني: قال القاضي: فيه حجة للقاضي أبي بكر بن الطيب، ومن قال بقوله: إن العزم على الذنب والعقد على عمله معصية، بخلاف الهم المعفو عنه.
قال: وللمخالف له أن يقول: هذا قد فعل أكثر من العزم وهو المواجهة والقتال.
وقال النووي: والأول هو الصحيح الذي عليه الجمهور أن من نوى المعصية وأصر عليها يكون آثمًا وإن لم يعملها ولا تكلم.
قلت: التحقيق فيه: أن من عزم على المعصية بقلبه ووطَّن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ولهذا جاء بلفظ الحرص فيه، ويحمل ما وقع من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: (( إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به ) )وما في الحديث الآخر: (( إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ) ).
على أن ذلك فيما لم يوطِّن نفسه عليه، وإنما مرَّ ذلك بفكره من غير استقرار، ويسمى ذلك همًا، ويفرق بين الهم والعزم، وإن عزم تكتب سيئة، فإذا عملها كتبت معصية ثانية. انتهى.
أقول: هذا التحقيق تفصيل لما قاله النووي، لا أنه مخالف له كما يوهمه صنيع العيني.
وفي الكرماني: فإن قيل: كيف أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة؟.
قيل: إنما أدخله في سلك الدخول في النار وهو أعم. انتهى.
ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة: في قوله: (( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فسماهما: مسلمين ) )وكذا في الآية، فإنه تعالى سماهم: مؤمنين.
قال النووي: فإن قيل: إنما سماهما الله تعالى مؤمنين، وسماهما النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين في الحديث حال الالتقاء لا حال القتال وبعده؟.
فالجواب: دلالة الآية ظاهرة، فإن قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10] ، سماهما الله تعالى أخوين وأمر بالإصلاح بينهما، ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهي من حين سعيا إليه وقصداه، وأما الحديث فمحمول على معنى الآية. انتهى.