قال الفقهاء: وحكمة المد من الركن إلى الركن أن لا يخلو جزء من الصلاة عن ذكر، والمد يقع على الألف التي بين اللام، وأنها من لفظ الجلالة، لكن بحيث لا يجاوز سبع ألفات لانتهاء غاية هذا المد من ابتداء رفع رأسه إلى تمام قيامه.
وقال العيني: يقال: هَوَى يَهوي هَويًا بالفتح
ج 2 ص 632
إذا هبط، وهُوى يُهوي هويًا بالضم إذا صعد، وقيل: بالعكس، وفي صفته صلى الله عليه وسلم: (( كأنما يهوي من صبب ) )أي: ينحط، وفي حديث البراق: ثم انطلق يهوي؛ أي: يسرع وهَوِي يهوي هَوَى إذا أحب.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر مما وصله ابن خزيمة والطحاوي وغيرهما إلى نافع (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما (يَضَعُ يَدَيْهِ) أي: كفيه عند الهوي للسجود (قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) وزاد في آخره: ويقول: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ) ).
قال البيهقي: كذا رواه عبد العزيز، ولا أراه إلا وهمًا يعني رفعه.
قال: والمحفوظ من طريق نافع عن ابن عمر قال: (( إذا سجد أحدكم فليضع يديه وإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه ) ).
وروى البيهقي بإسناده إلى ابن عمر رفعه: (( إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما ) ).
وهذا الحديث الأخير خرجه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )، وقال الحاكم: على شرط الشيخين. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): ولقائل أن يقول: هذا الموقوف غير المرفوع فإن الأول في تقديم وضع اليدين على الركبتين، والثاني في إثبات وضع اليدين في الجملة. انتهى.
وقال العيني: مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث اشتمالها عليه؛ لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود، فالهوي فعل، والتكبير قول فكما أن حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب يدل على القول يدل أثر ابن عمر على الفعل؛ لأن للهوي إلى السجود صفتين صفة قولية وصفة فعلية، وأثر ابن عمر أشار إلى الصفة الفعلية، وأثر أبي هريرة إلى الفعلية والقولية جميعًا فهذا هو السر في هذا الموضع.
وقول بعضهم: أن أثر ابن عمر من جملة الترجمة فهو مترجم به لا مترجم له غير موجه، بل ولا يصح، وذلك لأنه إذا كان من جملة الترجمة يحتاج إلى شيء يذكره يكون مطابقًا لها، وليس ذلك بموجود، ثم إن هذا الأثر المعلق؛ أخرجه ابن خزيمة، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، والطحاوي من طريق عبد العزيز الدراوردي، ثم أورد سند الطحاوي وسند البيهقي.
ثم قال: وقال الحازمي: اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى أن وضع اليدين قبل الركبتين أولى وبه قال مالك والأوزاعي والحسن.
وفي (( المغني ) )وهي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم وخالفهم في ذلك آخرون ورأوا وضع الركبتين قبل اليدين أولى منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنخعي ومسلم بن يسار وسفيان بن سعيد والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأهل الكوفة.
وفي (( المصنف ) ): زاد أبا قلابة ومحمد بن سيرين، وقال أبو إسحاق: كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم.
وحكاه البيهقي أيضًا عن ابن مسعود، وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء، وحكاه ابن بطال عن ابن وهب، قال: وهي رواية ابن شعبان عن مالك.
وقال قتادة: يضع أهون ذلك عليه.
وفي الاسبيجابي: عن أبي حنيفة: من آداب الصلاة وضع الركبتين قبل اليدين واليدين قبل الجبهة والجبهة قبل الأنف ففي الوضع يقدم الأقرب إلى الأرض، وفي الرفع يقدم الأقرب إلى السماء الوجه ثم اليدان ثم الركبتان، وإن كان لابس خف يضع يديه أولًا. انتهى.
ويدل أيضًا لما قاله أبو حنيفة والشافعي والأكثرون: ما رواه أصحاب (( السنن ) )عن وائل ابن حجر بلفظ: (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ) ).
وما رواه ابن خزيمة من حديث سعد، وادعى أنه ناسخ لحديث أبي هريرة، ولفظ حديث سعد قال: (( كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين ) ).
قال في (( الفتح ) ): وهذا لو صح؛ لكان قاطعًا للنزاع، لكنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل عن أبيه وهما ضعيفان.
ولذا قال ابن الملقن: وأعله البيهقي وغيره، والحاصل: أن الأحاديث في ذلك يعارض بعضها بعضًا، ولذا قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السنة، وقال: ومالك وأحمد في رواية عنهما بالتخيير.
بل قال صاحب (( الفتح ) )في (( بلوغ المرام من أحاديث الأحكام ) ): حديث أبي هريرة أقوى من حديث وائل بن حجر، وتقدما قريبًا؛ لأن لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن عمر صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا. انتهى.
ومراده بما ذكره البخاري قوله هنا: قال نافع إلى آخره.