فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 1465

(12) (باب مَا يُذْكَرُ) بالبناء للمفعول (فِي الْفَخِذِ) وللكشميهني: أي: في حكمها هل هي عورة أم لا، وفيها أربع لغات الأصلية فخذ ككتف، ثم يجوز فيها تخفيف الخاء بالسكون مع فتح الفاء وكسرها وهذه الثلاثة جائزة في كتف ونحوه مما لم يكن عينه حرف حلق، والرابعة كسر الفاء اتباعًا لكسرة الخاء وهذه خاصة بما كانت عينه حرف حلق اسمًا كان أو فعلًا.

ج 2 ص 135

كشهد (وَيُرْوَى) بالبناء للمجهول، ولأبوي ذر والوقت: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما مما وصله أحمد والترمذي بسند فيه أبو يحيى القتات كعطار نسبة إلى بيع القت الذي تعلف به الدواب، ويطلق على النمام وهو ضعيف، ولذا أورده المصنف بصيغة التمريض.

قال العيني: واختلف في اسمه فقيل: مسلم، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: ذبان، وقيل: دينار.

قال في (( الفتح ) ): وهو أشهرها، وقيل: عمران ولفظه: (( الفخذ عورة ) ) (وَعَنْ جَرْهَدٍ) بفتح الجيم والهاء بينهما راء ساكنة.

قال في (( الفتح ) ): وحديثه موصول عند مالك في (( الموطأ ) )والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه، وضعفه المصنف في (( التاريخ ) )للاضطراب في إسناده، وقد ذكرت كثيرًا من طرقه في (( تعليق التعليق ) )انتهى.

وقال العيني: ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر قال: أنبأنا سفيان، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي، عن جده جرهد قال: (( مر النبي صلى الله عليه وسلم بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه وقال: إن الفخذ عورة ) ). انتهى.

(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ) قال في (( الفتح ) ): هو محمد بن عبد الله بن جحش نسب إلى جده وله ولأبيه صحبة، وزينب بنت جحش أم المؤمنين هي عمته، وكان محمدًا صغيرًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد حفظ عنه وذلك بين في حديثه هذا، فقد وصله أحمد والمصنف في (( التاريخ ) )، والحاكم في (( المستدرك ) )كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي الزبير مولى محمد بن جحش عنه قال: (( مر النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: يا معمر غط عليك فخذيك فإن الفخذين عورة ) ). رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير، فقد روى عنه جماعة لكن لم أجد فيه تصريحًا بتعديل، ومعمر المشار إليه هو معمر بن عبد الله بن نضلة القرشي العدوي.

وقد أخرج ابن قانع هذا الحديث من طريقه أيضًا، ووقع لي حديث محمد بن جحش مسلسلًا بالمحمديين من ابتدائه إلى انتهائه، وقد أمليته في الأربعين المتباينة انتهى.

(عَنِ النَّبِيّ ِ صلى الله عليه وسلم: الْفَخِذُ عَوْرَةٌ. وَقَالَ أَنَسٌ) مما وصله المؤلف في هذا الباب، وللأصيلي: (حَسَرَ) بمهملات مفتوحات؛ أي: كشف (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ فَخِذِهِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ) ولابن عساكر: (أَسْنَدُ) .

قال في (( الفتح ) ): أي: أصح إسنادًا كأنه يقول: حديث جرهد ولو قلنا بصحته فهو مرجوح بالنسبة إلى حديث أنس (وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ) وما معه (أَحْوَطُ) أي: أكثر احتياطًا للدين في أمر الستر (حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلاَفِهِمْ) أي: اختلاف الأئمة القائلين بوجوب الستر للفخذين.

قال في (( الفتح ) ): يحتمل أن يريد بالاحتياط الوجوب أو الورع وهو أظهر لقوله: (( حتى يخرج من اختلافهم ) )ويخرج في أكثر النسخ بالبناء للمفعول وبالمثناة التحتية، وفي رواية ونسبت للفرع بالبناء للفاعل.

قال في (( الفتح ) ): ونخرج في روايتنا مضبوطة بفتح النون وضم الراء.

وقال العيني: لما وقع الاختلاف هل هو عورة أم لا فذهب قوم إلى أنه ليس بعورة، واحتجوا بحديث أنس، وذهب آخرون إلى أنه عورة، واحتجوا بحديث جرهد وبما روى مثله في هذا الباب كأن قائلًا قال: إن الأصل إذا روي حديثان في حكم أحدهما أصح من الآخر، فالعمل بالأصح فهاهنا حديث أنس أصح من حديث جرهد ونحوه، فكيف وقع الاختلاف.

فأجاب البخاري عن هذا بقوله: (( وحديث أنس أسند ... إلخ ) )أي: أنه وإن كان أسند لكن حديث جرهد أكثر احتياطًا في أمر الدين، وأقرب إلى التقوى للخروج عن الاختلاف، ولهذا النكتة لم يقل البخاري باب الفخذ عورة، ولا قال أيضًا: باب الفخذ ليس بعورة بل قال: باب ما يذكر في الفخذ.

أما الذين ذهبوا إلى أن الفخذ ليس بعورة فهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وإسماعيل بن علية، ومحمد بن جرير الطبري، وداود الظاهري، وأحمد في رواية، ويروى عن الاصطخري من أصحاب الشافعي.

وأما الذين ذهبوا إلى أن الفخذ عورة فهم جمهور العلماء من التابعين، ومن بعدهم منهم أبو حنيفة ومالك في أصح أقواله، والشافعي وأحمد في أصح روايتيه، وأبو يوسف ومحمد وزفر وأبو الهذيل، وقال الأوزاعي: الفخذ عورة إلا في الحمام انتهى ملخصًا.

وقال ابن الملقن: حاصل ما في عورة الرجل عندنا خمسة أوجه:

أصحها: وهو المنقوص أنها ما بين السرة والركبة وهما ليستا بعورة وهو صحيح مذهب أحمد وقال به زفر ومالك.

وثانيها: أنهما عورة كالرواية عن أبي حنيفة.

وثالثها: السرة دون الركبة.

ورابعها: عكسه.

ج 2 ص 136

وخامسها: للإصطخري القبل والدبر انتهى.

والمعتمد من مذهب أبي حنيفة أن عورة الرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته، وعورة الحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين.

قال الكرماني: فإن قلت: حديث أنس حجة على الشافعية فما جوابك عنه؟.

قلت: ذاك محمول على غير اختيار الرسول فيه بسبب ازدحام الناس يدل عليه مس ركبة أنس فخذه كما سيجيء، أو أنهم أخذوا فيه بالأحوط انتهى.

وأجاب صاحب (( منحة الباري ) ): بأن كشفه صلى الله عليه وسلم كان قبل الحكم بأنه عورة انتهى.

أقول: وأولى من هذين الجوابين قول القرطبي يرجح حديث جرهد أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق لحديث جرهد فإنه أفاد حكمًا كليًا فكان أولى؛ لأن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه ذلك الوقت بشيء ثم بعده حكم عليه بأنه عورة انتهى.

ويدل لما قاله أولًا ما اشتهر عند الأصوليين أن وقائع الأحوال يطرقها الاحتمال فيكسرها ثوب الإجمال فيسقط بها الاستدلال.

(وَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعري مما هو طرف من حديث موصول عند المؤلف في مناقب عثمان رضي الله عنه (غَطَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية، وفي رواية: (حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه تعظيمًا له واستحياء، ولذا قال كما في مسلم، والبيهقي: (( ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ) ).

وقد كان صلى الله عليه وسلم يفعل مع كل واحد من أصحابه ما هو الغالب عليه، فلما كان الغالب على عثمان الحياء عامله بذلك جزاء وفاقًا.

قال في (( الفتح ) ): والمذكور هنا من حديث أبو موسى طرف من قصة أوردها المصنف في المناقب من رواية عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي عنه فذكر الحديث وفيه: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها ) ).

وعرف بهذا الرد على الداودي الشارح حيث زعم أن هذه الرواية المعلقة عن أبي موسى وهم، وأنه دخل حديث في حديث، وأشار إلى ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه ) )الحديث.

وفيه: (( فلما استأذن عثمان جلس ) )، وهو عند أحمد بلفظ: (( كاشفًا عن فخذه من غير تردد ) )، وله من حديث حفصة مثله.

وأخرجه الطحاوي والبيهقي من طريق ابن جريج: أخبرني أبو خالد، عن عبد الله بن سعيد المدني: حدثتني حفصة بنت عمر قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي يومًا وقد وضع ثوبه فدخل أبو بكر ) ). الحديث.

وقد بان بما قدمناه أنه لم يدخل على البخاري حديث، بل هما قصتان متغايرتان في إحداهما كشف الركبة، وفي الأخرى كشف الفخذ، والأولى من رواية أبي موسى وهي المعلقة هنا، والأخرى من رواية عائشة، ووافقتها حفصة ولم يذكرها البخاري انتهى.

(وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاري البخاري أحد كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنهما، وتعلم كتابة اليهود في نحو نصف شهر، والسريانية في سبعة عشر يومًا بأمره صلى الله عليه وسلم، وكان من علماء الصحابة قال فيه صلى الله عليه وسلم: (( أفرضكم زيد ) )رواه أحمد بإسناد صحيح، روي له اثنان وتسعون حديثًا، أخرج البخاري منها تسعة، مات بالمدينة سنة خمس أو ثمان وأربعين، وهذا التعليق طرف من حديث وصله المصنف في تفسير سورة النساء.

(أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم) أي: قوله: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:95] الآية (وَفَخِذُهُ) بواو الحال، وقول القسطلاني: بواو العطف سهو، ولأبي ذر عن الكشميهني: بدون واو، وعليهما فالجملة حالية إما مرتبطة بالواو والضمير أو بالضمير وحده.

(عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ) بضم القاف وفتح اللام؛ أي: فخذه عليه الصلاة والسلام (عَلَيَّ) بتشديد الياء (حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد المعجمة وفاعله ضمير مستتر عائد على فخذه، ومفعوله قوله: (( فَخِذِي ) )ويجوز أن يقرأ بالبناء للمفعول ففخذي نائب الفاعل.

قال في (( الفتح ) ): وقد اعترض الإسماعيلي استدلال المصنف بهذا على أن الفخذ ليست بعورة؛ لأنه ليس فيه التصريح بعدم الحائل قال: ولا يظن ظان أن الأصل عدم الحائل لأنا نقول العضو الذي يقع عليه الاعتماد يخبر عنه؛ لأنه معروف الموضع بخلاف الثوب انتهى.

ج 2 ص 137

والظاهر أن المصنف تمسك بالأصل، والله أعلم. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: لم يبين مراده من الأصل، وعلى كل حال لا يدل الحديث على مراده صريحًا. انتهى.

وأقول: إنما لم يبينه؛ لأنه بين، وهو عدم الساتر على الفخذ والساتر طار، فالتمسك بالأصل يدل على أن الفخذ ليست بعورة، إذ لو كانت عورة لما مكن صلى الله عليه وسلم زيدًا أن يمس فخذه.

نعم: يرد عليه قول الخطابي: ولا يظن ظان أن الأصل عدم الحائل ... إلخ، فكان عليه أن يبين بطلان دليله الدال على نفي التمسك بهذا الأصل، ثم يذكر تمسك المصنف به، فتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت