فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 1465

وبالسند قال:

371 - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بالدورقي (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) مصغرًا، وهو اسم أمه، وأبوه إبراهيم، وللأصيلي: بالإفراد وحذف إسماعيل (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضم الصاد المهملة، البناني البصري الأعمى (عَنْ أَنَسٍ) وللأصيلي: .

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَزَا خَيْبَرَ) غير منصرف للعلمية والتأنيث اسم بلدة كانت لبني قريظة والنضير، ولها نخيل كثير، وهي في جهة الشمال والمشرق من المدينة النبوية.

قال العيني: على ست مراحل من المدينة.

وقال القسطلاني: على ثمانية برد من المدينة.

أقول: وبينهما تفاوت كثير فإن الثمانية برد مرحلة، وفي غاية البعد أن يقع اختلاف في مسافة هل هي مرحلة أو ست مراحل، فليحرر.

وكانت في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في الغزوات.

(فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا) خارجًا عنها (صَلاَةَ الْغَدَاةِ) أي: الصبح.

قال في (( الفتح ) ): فيه جواز إطلاق ذلك على صلاة الصبح خلافًا لمن كرهه.

(بِغَلَسٍ) بفتح الغين المهملة واللام وبالسين المهملة، وهو ظلمة آخر الليل، والمراد: ما يقرب منها، والباء بمعنى في: {لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ} [الصافات:137] وبالليل (فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: ركب مركوبه.

قال العيني: وعن أنس بن مالك قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف، وتحته إكاف من ليف ) ). رواه البيهقي والترمذي، قال: وهو ضعيف.

وقال ابن كثير: والذي ثبت في (( الصحيح ) )عند البخاري عن أنس: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه ) ).

فالظاهر: أنه كان يومئذ على فرس لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحًا فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها.

(وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاري النجاري، من كبار الصحابة، اشتهر بكنيته، شهد العقبة والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، روي له اثنان وتسعون حديثًا، أخرج البخاري منها ثلاثة، مات سنة اثنين أو أربع وثلاثين بالمدينة، أو بالشام، أو في البحر، وكان أنس رضي الله عنه ربيبه.

(وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) حال من أبي طلحة مرتبطة بالواو، وكأن مقتضى الظاهر وأنا رديفه؛ لكنه أظهر في مقام الإضمار؛ لئلا يتوهم عود الضمير إلى نبي الله، ولم أر أحدًا من الشراح نبه على هذه النكتة.

(فَأَجْرَى) بهمزة قطع (نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) مركوبه (فِي زُقَاقِ) بزاي وقافين بينهما ألفًا كغراب، وهو السكة يذكر ويؤنث، والجمع أزقة وزُقَّان _ بضم الزاي وتشديد القاف وبالنون _ كذا في العيني.

وفي (( الصحاح ) ): قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق، وبنو تميم يذكرون هذا كله، والجمع الزقان والأزقة مثل حوار وحوران وأحورة. انتهى.

(وَإِنَّ رُكْبَتِي) بالإفراد (لَتُمُسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ حَسَرَ) بفتحتين مبنيًا للفاعل؛ أي: كشف (الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ) الشريفة (حَتّى إنِّي) حتى هنا ابتدائية، ولهذا كسرت إن بعدها (أنْظرُ) وللكشميهني: بلام التأكيد.

(إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيّ اللهِ صلى الله عليه وسلم) قال في (( الفتح ) ): كذا وقع في رواية البخاري: (( ثم إنه حسر ) )، والصواب أنه عنده بفتح المهملتين.

ويدل على ذلك تعليقه الماضي في أوائل الباب حيث قال: وقال أنس: (( حسر النبي صلى الله عليه وسلم ) ). وضبطه بعضهم: بضم أوله وكسر ثانيه على البناء للمفعول بدليل رواية مسلم: (( فانحسر ) )وليس ذلك بمستقيم، إذ لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه، ويكفي في كونه عند البخاري بفتحتين ما تقدم من التعليق.

ج 2 ص 138

انتهى.

وتعقبه العيني فقال: قال بعضهم: الصواب أنه عند البخاري بفتحتين إلى آخر ما تقدم.

قلت: اللائق بحاله الكريمة أن لا ينسب إليه كشف فخذه قصدًا مع ثبوت قوله صلى الله عليه وسلم: (( الفخذ عورة ) )على ما تقدم، وقال هذا القائل أيضًا: لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه.

قلت: منع الملازمة ممنوعة، ولئن سلمنا يحتمل أن أنسًا لما رأى فخذ النبي صلى الله عليه وسلم مكشوفًا ظن أنه صلى الله عليه وسلم كشفه، فأسند الفعل إليه، وفي نفس ذلك لم يكن إلا من أجل الزحام أو من قوة الجري على ما ذكرنا. انتهى.

وأقول: الإنصاف أن رواية أنس: (( حسر ) )بالبناء للفاعل ظاهرة فيما قاله صاحب (( الفتح ) ).

وقول العيني: منع الملازمة ممنوعة غير مسموع، إذ المنع لا يقابل بالمنع إلا أنه يتوقف على ثبوت الرواية بنصب الإزار، وإلا فقد جاء حسر لازمًا.

قال في (( المصابيح ) ): وأظن أن حسر يرد مع بنائه للمعلوم بمعنى انحسر، ويدل عليه شاهد النحاة المشهور:

~وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتارات يجم فيفرق

فحرره. انتهى.

وأقول: هذا الشاهد صريح في مجيء حسر لازمًا، وإذا كان كذلك كان بمعنى انحسر فلا وجه للتردد فيه والتعبير بالظن، وحينئذ تجتمع الروايتان على معنى واحد.

ويصح قول الزركشي أنه مبني للمفعول من حيث المعنى بدليل رواية مسلم: (( فانحسر ) )غير أنه لو ثبت عنده لزومه لاستغنى عن ادعاء كونه مبنيًا للمفعول، ويكون كما قاله العيني فيه حمله صلى الله عليه وسلم على ما هو اللائق بحاله أن لا ينسب إليه كشف فخذه قصدًا مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( الفخذ عورة ) )على ما تقدم. انتهى.

وأقول: على فرض كونه ليس بعورة كما يؤخذ من ظاهر هذا تأباه مروءته صلى الله عليه وسلم وحياؤه.

وقال الكرماني: وفي بعض الروايات: (( على فخذه ) )إيماء لإزار الكائن على فخذه، فلا يتعلق بحسر إلا أن يقال: حروف الجر يقوم بعضها مقام الآخر. انتهى.

أي: فتكون على قائمة مقام عن، وجوز العيني أن تكون بمعنى من كقوله تعالى: {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} [المطففين:2] .

(فلمّا دَخَلَ) صلى الله عليه وسلم (القريةَ) يعني خيبر، وهذا مشعر بأن الزقاق كان خارج خيبر ولا ينافيه إضافته إليها؛ لأنه يكفي فيها كونه في فنائها ومتصلًا بها (قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) أي: قاربت أن تخرب.

قال العيني: وهل ذلك على سبيل الخبرية، فيكون من باب الإخبار بالغيب أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم أو على جهة التفاؤل لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وتلك من آلات الخراب، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل: إن الله أعلمه بذلك.

(إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ) أي: بجانبهم، وجمعها ساحات وسوح وسياح، وأصلها الفضاء بين المنازل.

(فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) بفتح الذال المعجمة (قَالَهَا) أي: قال هذه الجمل أو الكلمات من قوله: الله أكبر إلى هذه الجملة المقتبسة (ثَلاَثًا) تأكيدًا لما قصد بها (قَالَ) أنس (وَخَرَجَ الْقَوْمُ من أهل خيبر إِلَى أَعْمَالِهِمْ) أي: لأعمالهم فإلى بمعنى اللام كما قال العيني، وقدر الكرماني مضافًا؛ أي: إلى مواضع أعمالهم.

(فَقَالُوا) أي: القوم (مُحَمَّدٌ) أي: هذا محمد أو جاء محمد (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صهيب المار آنفًا أي: بسنده إليه فهو موصول.

(وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أي: محمد بن سيرين كما عند المؤلف من طريقه، أو ثابت البناني كما أخرجه مسلم من طريقه، أو غيرهما (وَالْخَمِيسُ) بالرفع عطفًا على محمد، أو بالنصب على أنه مفعول معه.

قال عبد العزيز أو من دونه: (يَعْنِي الْجَيْشَ) وأشار بهذا إلى أنه لم يسمع والخميس من أنس بل من بعض أصحابه عنه.

والحاصل: أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس فقالوا محمد فقط، وقال بعض أصحابه: فقالوا محمد والخميس والتفسير وهو قوله: يعني الجيش مدرج، وسمي بالخميس؛ لأنه خمسة أقسام: مقدمة، وساقه، وقلب، وجناحان.

قال ابن سيده: أنه من تخميس الغنيمة، وتعقبه الأزهري: بأن تخميس الغنيمة إسلامي، وهذه التسمية جاهلية.

(قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا) أي: فتحنا خيبر (عَنْوَةً) بفتح العين، وهو القهر، يقال: أخذته عنوة أي قسرًا.

وفي العيني: قال ثعلب: أخذت الشيء عنوة؛ أي: قهرًا في عنف، وأخذته عنوة؛ أي: صلحًا في وفق.

قلت: فحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد.

قال أبو عمر: الصحيح في أرض خيبر أنها كلها عنوة.

وقال

ج 2 ص 139

المنذري: اختلفوا في فتح خيبر هل كانت عنوة أو صلحًا أو جَلا أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وبعضها جلا عنه أهله؟.

قال: وهذا هو الصحيح، وبهذا أيضًا يندفع التضاد بين الآثار. انتهى.

(فَجُمِعَ السَّبْيُ) بالبناء للمفعول (فَجَاءَ دِحْيَةُ) بفتح الدال وكسرها، ولابن عساكر زيادة: نسبة إلى قبيلة بني كلب، وهو ابن خليفة كان من أجمل أهل عصره، ولذا كان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم على صورته غالبًا (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، قَالَ) ولأبوي ذر والوقت: أي: النبي صلى الله عليه وسلم (اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً) منه وفي تنكيرها إشارة إلى أنه لم يعين له صفية.

قال في (( الفتح ) ): يحتمل أن يكون أذن له في أخذ جارية على سبيل التفضيل له إما من أصل الغنيمة، أو من خمس الخمس بعد أن ميز، أو قبل على أن تحسب منه إذا ميزا، أو أذن له في أخذها لتقوم عليه بعد ذلك، وتحسب من سهمه. انتهى.

وقال الكرماني: جاز له إعطاؤها قبل القسمة؛ لأن صفي المغنم له عليه الصلاة والسلام فله أن يعطيه من شاء.

ورده العيني فقال: هذا غير مقنع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال له ذلك قبل تعين الصفي. انتهى.

وأقول: للكرماني أن يقول: تعيين الصفي لا يقسم إلا من قبله صلى الله عليه وسلم فيجوز أن يكون عينه في نفسه وجعلها منه.

(فَأَخَذَ صَفِيَّةَ) رضي الله عنها فيه إيجاز تقديره: فذهب فأخذ صَفية وهي بفتح الصاد، وهي من بنات هارون عليه السلام كانت تحت كنانة بن أبي الحُقَيق _ بضم المهملة وفتح القاف الأولى وخفة التحتية _ قتل يوم خيبر سنة سبع، روي لها عشرة أحاديث، للبخاري منها واحد، ماتت سنة خمسين، ودفنت بالبقيع، قيل: كان اسمها زينب، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم صفية.

(بِنْتَ حُيَيٍّ) بضم المهملة وكسرها وفتح التحتية الأولى وتشديد الثانية، ابن أخطب _ بالخاء المعجمة _ من نسل هارون أخي موسى عليهما السلام.

(فَجَاءَ رَجُلٌ) قال في (( الفتح ) ): لم أقف على اسمه (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ) بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المشالة (وَالنَّضِيرِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، وهما قبيلتان كبيرتان من يهود خيبر.

قال الكرماني: وقد دخلوا في العرب على نسبتهم إلى هارون عليه السلام.

(لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لَكَ) لأنها من بيت النبوة والرئاسة مع ما فطرها الله عليه من الجمال (قَالَ) عليه الصلاة والسلام لمن حضر (ادْعُوهُ) أي: أحضروه (بِهَا) أي: معها (فَجَاءَ بِهَا) أي: فدعوه فأتى بها امتثالًا لأمره صلى الله عليه وسلم (فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ له: خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا) وارتجعها النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها عند أم سليم حتى زفتها له كما سيأتي.

قال في (( الفتح ) ): ذكر الشافعي في (( الأم ) )عن (( سير الواقدي ) ): أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق. انتهى.

وكان كنانة زوج صفية فكأنه صلى الله عليه وسلم طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها، واسترجاع النبي صلى الله عليه وسلم صفية منه محمول على أنه إنما أذن له في أخذ جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، فجاز استرجاعها منه؛ لئلا يتميز بها على باقي الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه.

ووقع في رواية لمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية منه بسبعة أروس، وإطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز، وليس في قوله: لسبعة أروس ما ينافي قوله هنا: (( خذ جارية ) )إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة. انتهى.

(قَالَ) أي: أنس (فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَتَزَوَّجَهَا) أي: عقد نكاحه عليها، وجعل عتقها مهرها، فصارت إحدى أمهات المؤمنين (فَقَالَ لَهُ) أي: لأنس (ثَابِتٌ) بمثلثة أوله ومثناة آخره، البناني (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، كنية أنس اسم بغلة كان يحبها فكناه النبي صلى الله عليه وسلم بها (مَا أَصْدَقَهَا؟) أي: أي شيء جعله مهرًا لها.

(قَالَ) أنس (نَفْسَهَا) أي: أعتقها بلا عوض، وجعل ذلك العتق صداقًا لها في مقابلة مهرها.

وقوله: (أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) بيان لقوله: أصدقها نفسها، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم عند الجمهور، وذهب الحسن وابن المسيب، والإمام أحمد وغيرهم إلى جوازه لغيره؛ لأن الأصل عدم الخصوصية فللمالك عندهم أن

ج 2 ص 140

يعتق أمته على أن يكون عتقها في مقابلة مهرها فيعقد نكاحه عليها ويجعل عتقها صداقها، والجمهور على أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ) أي: بأثنائه في مكان يقال له سد الروحاء على نحو أربعين ميلًا من المدينة.

(جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ) بصيغة التصغير، وهي أم أنس؛ أي: أصلحت من شأنها (فَأَهْدَتْهَا) أي: زفتها (لَهُ) عليه الصلاة والسلام (مِنَ اللَّيْلِ) قال الكرماني: وفي بعض النسخ: قيل: وهذا هو الصواب؛ لقول الجوهري: الهداء مصدر قولك: هديت أنا المرأة إلى زوجها هدى. انتهى.

(فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَرُوسًا) بزيه فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال: رجل عروس، وامرأة عروس ما داما في أعراسهما.

قال العيني: وقول العامة للمرأة: عروس، وللرجل: عريس ليس له أصل.

قال الكرماني: فإن قلت: كيف قال: فأعتقها وتزوجها، ولا تعقيب فيه، إذ لا بد من الاستبراء؟.

قلت: الذي دخلت عليه الفاء هو الإعتاق فقط، وهو لا يحتاج إلى الاستبراء، أو المراد منه التعقيب الذي جوزه الشرع. انتهى.

وأقول: قد صرح الحلبي وغيره من أرباب (( السير ) )أن الدخول بها كان بعد أن طهرت، فبنى بها في قبة، وبات أبو أيوب تلك الليلة خلف القبة يحرسه خوفًا عليه من صفية؛ لكونه قتل زوجها، فقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني ) ).

وقد أطال العيني هنا في ذكر اختلاف الأئمة في صحة هذا النكاح لغيره صلى الله عليه وسلم، وما يتفرع على ذلك مما إذا أبت نكاحه إذا أعتقها بشرطه مما محله كتب الفروع، فليراجع لمزيد الاطلاع.

(فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ) أي: من أنواع الطعام (وَبَسَطَ) بزنة نصر (نِطَعًا) بكسر النون وفتح الطاء وعليها اقتصر ثعلب في (( الفصيح ) ).

قال العيني: وفي (( المخصص ) )فيه أربع لغات: نَطْع _ بفتح النون وسكون الطاء _، ونَطَع _ بفتحتين _، ونِطَع _ بكسر النون وفتح الطاء _، ونِطْع _ بكسر النون وسكون الطاء _ وجمعه أنطاع ونطوع.

وزاد في (( المحكم ) ): أنطع، وقال الزركشي: فيه سبع لغات.

(فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ) جعل هنا من أفعال الشروع (قَالَ) أي: عبد العزيز بن صهيب.

وزاد الكرماني وجهًا آخر فقال: ويحتمل أن يكون فاعل قال: هو البخاري، ويكون مقولًا للفربري ومفعوله أحسبه الثاني يعقوب شيخ البخاري، والأول هو الظاهر.

(وَأَحْسِبُهُ) أي: أنسًا (قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ) وفي رواية عبد الوارث الجزم بذكر السويق (قَالَ: فَحَاسُوا) بمهملتين؛ أي: خلطوا أو اتخذوا (حَيْسًا) بفتح الحاء والسين المهملتين بينهما مثناة تحتية ساكنة وهو الطعام المتخذ من التمر، والأقط والسمن، وربما عوض بالدقيق عن الأقط (فَكَانَتْ) بالفاء؛ أي: الثلاثة المذكورة.

قال القسطلاني: وفي رواية: فكانوا حيسًا، بضمير الذكور العقلاء، وهو شاذ؛ لأن هذه الواو لا تأتي لغيرهم إلا إذا نزل منزلتهم كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل:18] فإنه بتوجيه الخطاب إليهم نزلوا منزلة العاقل قاله في (( المغني ) ).

(وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) خبر كان؛ أي: طعام عرسه مأخوذة من الولم، وهو الجمع سميت به لاجتماع الزوجين.

قال العيني: فتكون الوليمة خاصة بطعام العرس؛ لأنه طعام الزفاف.

قال: والوكيرة طعام البناء، والخرس طعام الولادة، وما تطعمه النفساء نفسها خرسة، والإعذار طعام الختان، والنقيعة طعام القادم من سفر، وكل طعام صنع لدعوة مأدبة، والدعوة الخاصة النقرى، والعامة الجفلى والأجفلى. انتهى.

قال الشاعر:

~نحن في المشتاق ندعو الجفلى لا ترى الأدب فينا ينتقر

وفي الحديث من الفوائد:

مشروعية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول، ويجوز تعجيلها قبله بعد العقد، وأنها تحصل بغير اللحم وبمساعدة الإخوان، وجواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، واستحباب التكبير والذكر عند الحرب وتثليثه، والدلالة على أن الفخذ ليست بعورة، ومر الجواب عنه، وجواز إجراء الخيل للكبار وأنه غير مخلٍّ بمراتبهم ولاسيما عند الحاجة، واستحباب عتق السيد أمته وتزوجها.

والحديث أخرجه المصنف في النكاح والمغازي، وأبو داود في

ج 2 ص 141

الخراج، والنسائي في النكاح والوليمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت