(1) (باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصلاة) وللكشميهني والمستملي: بالجمع والروايتان متفقتان إذ رواية الإفراد مراد بها الجنس فتصدق بالواحد والكثير ويجري في إعراب باب وما بعده ما تقدم في قوله: (( باب كيف كان بدء الوحي ) ).
وقوله: (فِي الإِسْرَاءِ) أي: في الليلة التي وقع فيها الإسراء متعلق بفرضت.
قال في (( الفتح ) ): وهذا مصير من المصنف إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء وقد وقع في ذلك اختلاف فقيل: كانا في ليلة واحدة في يقظته صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المشهور عند الجمهور، وقيل: كانا جميعًا في ليلة واحدة في منامه، وقيل: وقعا جميعًا مرتين في ليلتين مختلفتين إحداهما يقظة والأخرى منامًا، وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس خاصة في اليقظة وكان المعراج منامًا إما في تلك الليلة أو في غيرها، والذي ينبغي أن لا يجري فيه الخلاف أن الإسراء إلى بيت المقدس كان في اليقظة لظاهر القرآن، ولكون قريش كذبته في ذلك، ولو كان منامًا لم تكذبه فيه ولا في أبعد منه.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث جماعة من الصحابة لكن طرقه في الصحيحين تدور على أنس مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزهري عنه عن أبي ذر كما في هذا الباب، ورواه قتادة عنه عن مالك بن صعصعة، ورواه شريك عن أبي نمر وثابت البناني عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، وفي سياق كل منهم عنه ما ليس عند الآخر، والغرض من إيراده هنا ذكر فرض الصلاة فليقع الاقتصار هاهنا على شرحه، ونذكر الكلام على اختلاف طرقه، وتغاير ألفاظها، وكيفية الجمع بينها في الموضع اللائق به، والحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج أنه لما قدس ظاهرًا وباطنًا بالإيمان والحكمة حين غسل بماء زمزم.
ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة، وليظهر شرفه في الملأ الأعلى، ويصلي بمن سكنه من الملائكة والأنبياء، وليناجي ربه ومن ثم كان المصلي يناجي ربه جل وعلا انتهى.
وقال العيني: وكان الإسراء في السنة الثانية عشر من النبوة وفي رواية البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري: (( أنه أسري به قبل خروجه إلى المدينة بسنة ) ).
وعن السدي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري: (( أنه أسري به قبل خروجه إلى المدينة بسنة ) )، وعنه: (( قبل خروجه إلى المدينة بستة عشر شهرًا ) ).
فعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وقيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في (( سيرته ) )، ومنهم من يزعم أنه كان في أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لها، ثم قيل: كان قبل موت أبي طالب، وذكر ابن الجوزي أنه كان بعد موته في سنة اثنتي عشرة للنبوة، ثم قيل: كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثالثة عشر للنبوة، وقيل: كان في ربيع الأول، وقيل: كان في رجب انتهى.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما فيما وصله المؤلف في بدء الوحي مطولًا (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب (فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ) تقدم في بدء الوحي أن المشهور فيه أنه بوزن دمشق ويجوز أن يقرأ بوزن زبرح.
(فَقَالَ) أبو سفيان لهرقل (يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلاَةِ) أي: المعهودة وهي الخمس التي فرضت ليلة الإسراء، ويحتمل أن يراد بها الجنس (وَالصِّدْقِ) يوصف به الخبر فيفسر بمطابقة الخبر للواقع ويوصف به المخبر فيفسر بالإخبار عن الشيء مطابقًا للواقع (وَالْعَفَافِ) بفتح العين المهملة، الكف عن المحارم وعما يخرم المروءة.
وقد أخرجه المؤلف في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه.
قال في (( الفتح ) ): ومناسبته لهذه الترجمة أن فيه إشارة إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأن أبا سفيان لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون أمرًا له بطريق الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة بلا خلاف وبيان الوقت، وإن لم يكن
ج 2 ص 103
من الكيفية حقيقة لكنه من جملة مقدماتها كما وقع نظير ذلك في أول الكتاب في قوله: (( كيف كان بدء الوحي ) )، وساق فيه ما يتعلق بالمتعلق بذلك فظهرت المناسبة انتهى.
وتعقبه العيني فقال: الترجمة في كيفية الفرضية يعني كيف فرضت لا في بيان وقت الفرض فكيف تظهر المناسبة حتى يقول هذا القائل فظهرت المناسبة، وليس في هذا الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس مطولًا ما يشعر بكيفية فرضية الصلاة بل يذكر ذلك في حديث الإسراء الآتي، ولكن يمكن أن يوجه لذكر هذا هاهنا وجه وهو أن معرفة كيفية الشيء بالشيء يستدعي معرفة ذاته قبلها فأشار بهذا أولًا إلى ذات الصلاة من حيث الفرضية، ثم أشار إلى كيفية فرضيتها بذكره حديث الإسراء فصار ذكر قول ابن عباس المذكور توطئة وتمهيدًا لبيان كيفيتها فدخل فيها، فبهذا الوجه دخل تحت الترجمة، وهذا مما سنح بخاطري من الأنوار الإلهية، ولم يسبقني بهذا أحد من الشراح انتهى.
ولم يتعرض لجوابه في (( الانتقاض ) ).