وفي (( الجمهرة ) )الحصير عربي سمي حصيرًا لانضمام بعضها إلى بعض.
وقال الجوهري: الحصير البارئة، والغرض من هذه الترجمة الإشارة إلى ضعف حديث ابن أبي شيبة وغيره، عن يزيد بن المقدام، عن أبيه، عن شريح بن هانئ أنه سأل عائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير والله تعالى يقول: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء:8] ؟ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير، لضعف يزيد بن المقدام أو لكون حديثه عارضه ما هو أقوى منه.
(وَصَلَّى جَابِرٌ) ولأبوي ذر والوقت: (وَأَبُو سَعِيدٍ) الخدري مما وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح (فِي السَّفِينَةِ) حال كون كل منهما (قَائِمًا) كذا في الفرع، وفي غيره: إما مصدر بمعنى الفاعل، أو جمع قائم مرادًا به المثنى؛ أي: قائمين أو الجمع، باعتبار من انضم إليهما من أتباعهما وأصحابهما كأبي الدرداء.
ج 2 ص 156
قال عبيد الله بن أبي عتبة مولى أنس: سافرت مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله وأناس قد سماهم قال: فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائمًا، ونصلي خلفه قيامًا ولو شئنا لأرفئنا؛ أي: لأرسينا، يقال: أرسى السفينة بالسين المهملة وأرفئ بالفاء إذا وقف بها على الشط.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي: البصري مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أيضًا خطابًا لمن سأله عن الصلاة في السفينة: هل يصلي قاعدًا أو قائمًا؟ فأجابه بقوله: تصلي (قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ) بالقيام؛ أي: ومن لازمه عادة المشقة على نفسه أيضًا فاكتفى عنها بالمشقة على أصحابه، ويجوز أن يكون المراد ما هو ظاهر العبارة من أنه إذا شق على أصحابه القيام، ولم يشق عليه، يجوز أن يصلي بهم قاعدًا مع قدرته على القيام رفقًا بهم، ويكون ذلك مذهب الحسن، وهذا هو المفهوم من كلام صاحب (( الفتح ) ).
(تَدُورُ مَعَهَا) أي: مع السفينة حيثما دارت (وَإِلاَّ فَقَاعِدًا) أي: وإن شق على أصحابك فصل قاعدًا لأن الحرج مرفوع.
قال في (( الفتح ) )وقد روينا أثر الحسن في نسخة قتيبة من رواية النسائي عنه عن أبي عوانة، عن عاصم الأحول قال: سألت الحسن وابن سيرين وعامرًا يعني الشعبي عن الصلاة في السفينة فكلهم يقول: إن قدر على الخروج فليخرج، غير الحسن فإنه قال: إن لم يؤذ أصحابه؛ أي: فليصل.
وروى ابن أبي شيبة، عن حفص، عن عاصم، عن الثلاثة المذكورين أنهم قالوا: صل في السفينة قائمًا، وقال الحسن: لا تشق على أصحابك، وفي (( تاريخ البخاري ) )من طريق هشام قال: سمعت الحسن يقول: در في السفينة كما تدور إذا صليت.
وقال العيني: وفي رواية الربيع بن صبيح: أن الحسن ومحمدًا قالا: يصلون فيها قيامًا جماعة ويدورون مع القبلة حيث دارت، والبخاري اقتصر على الذكر عن الحسن انتهى.
أقول: ومقتضى هذه الرواية أن استقبال القبلة في السفينة حتم، وكلما دارت به السفينة يتحرى القبلة ويدور إليها، ومقتضى ما سبق أنه يدور مع السفينة حيثما دارت، وإن انحرف عن القبلة فليحرر.
قال في (( الفتح ) )قال ابن المنير: وجه إدخال الصلاة في السفينة في باب الصلاة على الحصير أنهما اشتركا في الصلاة على غير الأرض لئلا يتخيل متخيل أن مباشرة الأرض شرط لقوله في الحديث المشهور يعني الذي رواه أبو داود وغيره: (( ترب وجهك ) )انتهى.
ولقوله لمعاذ: (( عفر وجهك في التراب ) ).
قال في (( الفتح ) )وأشار البخاري إلى خلاف أبي حنيفة في تجويز الصلاة في السفينة قاعدًا مع القدرة على القيام انتهى.
وفي العيني قال أبو حنيفة: يجوز قائمًا وقاعدًا بعذر وبغير عذر، وبه قال الحسن بن مالك وأبو قلابة، وطاووس روى عنهم ابن أبي شيبة، وروى أيضًا عن مجاهد أن جنادة بن أبي أمية قال: كنا نغزو معه لكنا نصلي في السفينة قعودًا، ولأن الغالب دوران الرأس فصار كالمحقق، والأولى أن يخرج إن استطاع الخروج منها.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز قاعدًا إلا من عذر لأن القيام ركن فلا يترك إلا من عذر، والخلاف في غير المربوطة، ولو كانت مربوطة لم يجز قاعدًا إجماعًا، وقيل: تجويز عقده في حالتي الإجراء والإرساء ويلزمه التوجه عند الافتتاح، وكلما دارت السفينة لأنها في حقه كالبيت حتى لا يتطوع فيها مومئًا مع القدرة على الركوع والسجود بخلاف راكب الدابة انتهى.