وبالسند قال:
206 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) ابن أبي زائدة الكوفي (عَنْ عَامِرٍ) بن شراحيل الشعبي التابعي قال: أدركت خمسمائة صحابي وأكثر.
قال في (( الفتح ) ): زكريا مدلس ولم أر من حديثه إلا بالعنعنة لكن أخرجه أحمد عن يحيى القطان عن زكريا والقطان لا يحمل من حديث شيوخه المدلسين إلا ما كان مسموعًا لهم صرح بذلك الإسماعيلي. انتهى.
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ) في رجب سنة تسع وكان ذلك في غزوة
ج 1 ص 679
تبوك (فَأَهْوَيْتُ) أي: مددت يدي ويقال: أهويت إليه؛ أي: أشرت إليه.
قال الجوهري: يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه.
وقال الأصمعي: أهويت بالشيء إذا أومأت به.
وقال التيمي: أهويت؛ أي: قصدت، وقيل: أهويت؛ أي: قصدت الهوي من القيام إلى القعود، وقيل: الإهواء الإمالة، وفيه: إيجاز، والتقدير: فتوضأ إلا رجليه فأهويت ... إلخ (لأَنْزِعَ) بكسر الزاي (خُفَّيْهِ) ليغسل رجليه (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (دَعْهُمَا) أي: الخفين؛ أي: اتركهما من غير نزع وقد أمات العرب ماضي يدع (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أي: الرجلين وجاز تفكيك الضمير هنا؛ لوضوح القرينة، ويجوز رجوع الضمير إلى الخفين مرادًا بهما الرجلان مجازًا مرسلًا (طَاهِرَتَيْنِ) أي: من الحدثين منصوب على الحال وهذه رواية الأكثرين، وللكشميهني: (( وهما طاهرتان ) )وهي جملة اسمية في محل نصب على الحال.
وفي رواية أبي داود: (( فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان ) )، وللحميدي في (( مسنده ) ): قلت: يا رسول الله! أيمسح أحدنا خفيه؟ قال: (( نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان ) ).
(فَمَسَحَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهِمَا) أي: على الخفين.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (( فإني أدخلتهما طاهرتين ) )وعلى رواية الكشميهني أظهر.
ولأبي داود: (( فإني أدخلت القدمين وهما طاهرتان ) )ولابن خزيمة من حديث صفوان بن عسال: (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا ويومًا وليلة إذا أقمنا ) ).
قال ابن خزيمة: ذكرته للمزني فقال: حدث به أصحابنا، فإنه أقوى حجة للشافعي. انتهى.
قال العيني: إن كان مراده من قوله: فإنه أقوى حجة كون مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يومًا وليلة فمسلم، ونحن نقول به، وإن كان مراده اشتراط الطهارة وقت اللبس؛ فلا نسلم ذلك؛ لأنه لا يفهم من لفظ الحديث على ما سنذكره. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وحديث صفوان وإن كان صحيحًا، لكنه ليس على شرط البخاري، لكن حديث الباب مرافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس، وأشار المزني بما قال إلى الخلاف في المسألة، ومحصله: أن الشافعي والجمهور حملوا الطهارة على الشرعية في الوضوء، وخالفهم داود فقال: إذا لم يكن على رجليه نجاسة عند اللبس جاز المسح، ولو تيمم ثم لبسهما لم يبح له عندهم؛ لأن التيمم مبيح لا رافع، وخالفهم أصبغ، ولو غسل رجليه بنية الوضوء ثم لبسهما ثم أكمل الوضوء لم يبح له المسح عند الشافعي ومن وافقه على إيجاب الترتيب، وكذا عند من لا يوجبه بناء على أن الطهارة لا تتبعض.
لكن قال صاحب (( الهداية ) )من الحنفية: شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة.
قال: والمراد بالكاملة وقت الحدث، لا وقت اللبس، ففي هذه الصورة إذا أكمل الوضوء ثم أحدث جاز له المسح؛ لأنه وقت الحدث كان على طهارة كاملة. انتهى.
والحديث حجة عليه؛ لأنه جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطًا لجواز المسح، والمعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط، وقد سلم أن المراد بالطهارة الكاملة.
وتعقبه العيني فقال: نذكر ما قاله صاحب (( الهداية ) )أولًا ثم نرد على هذا القائل ما قاله.
أما عبارة صاحب (( الهداية ) ): فهي قوله: إذا لبسهما على طهارة كاملة لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللبس، بل وقت الحدث وهو المذهب عندنا حتى لو غسل رجليه، ثم لبس خفيه، ثم أكمل الطهارة، ثم أحدث يجزئه المسح، وهذا لأن الخف مانع حلول الحدث بالقدم، فيراعى كمال الطهارة وقت المنع وهو وقت الحدث حتى لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعًا.
وأما بيان الرد على هذا القائل فنقول أولًا: إن اشتراط اللبس على طهارة كاملة لا خلاف فيه وإنما الخلاف في أنه هل يشترط الكمال عند اللبس أو عند الحدث فعندنا عند الحدث وعند الشافعي عند اللبس وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا غسل رجليه أولًا ولبس خفيه ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث جاز له المسح عندنا خلافًا له وكذا لو توضأ فرتب لكن غسل إحدى رجليه ولبس الخف ثم غسل الأخرى ولبس الآخر يجوز عندنا خلافًا له.
ثم قوله: العلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط سلمناه ولكن لا نسلم أنه صلى الله عليه وسلم شرط كمال الطهارة وقت اللبس؛ لأنه لا يفهم من نص الحديث غاية ما في الباب أنه أخبر أنه لبسهما وقدماه كانتا طاهرتين فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة لأجل جواز المسح سواء كانت حاصلة وقت اللبس أو وقت الحدث وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يفهم من العبارة.
فإذا تقرر هذا لم يكن الحديث حجة على صاحب (( الهداية ) )بل حجة له حيث اشترط الطهارة لأجل جواز المسح وحجة على ذلك القائل حيث يأخذ منه ما ليس يدل على مدعاه.
ج 1 ص 680
وقال الطحاوي: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أدخلتهما طاهرتين يجوز أن يقال بعد أن غسلهما وإن لم تكمل الطهارة كما يقال: صلى ركعتين قبل أن يتم صلاته ويحتمل أن يريد طاهرتين من جنابة أو خبث.
ولو قلت: دخلنا البلد ونحن ركبان يشترط أن يكون كل واحد راكبًا عند دخوله ولا يشترط اقترانهم في الدخول.
فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( فإني أدخلتهما طاهرتين ) )أدخلت كل واحدة منهما الخف طاهرة؛ لأن إدخالهما معًا غير متصور عادة وإنما أراد إدخال كل واحدة منهما الخف وهي طاهرة بعد الأخرى وقد وجد ومع هذا فإن هذه المسألة مبنية على أن الترتيب شرط عند الشافعي وليس بشرط عندنا. انتهى.