قال في (( سبعة أبحر ) ): والنبيذ: كل شراب يعمل من الفواكه والحبوبات أسكر أم لم يسكر، يقال: نبذت التمر: إذا نقعته في ماء ليصير نبيذًا، وانتبذته: اتخذته نبيذًا والنبيذ: الخمر. انتهى.
ويطلق النبيذ أيضًا على ما نبذ في الماء من تمر ونحوه وليس بمراد هنا
(وَلاَ الْمُسْكِرِ) : قال في (( الفتح ) ): هو من عطف العام على الخاص، أو المراد بالنبيذ: ما لم يبلغ حد الإسكار. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: إنما يكون ذلك إذا كان المراد بالنبيذ: ما لم يصل إلى حد الإسكار، وأما إذا وصل فلا يكون من هذا الباب. انتهى.
أقول: وفيه نظر؛ إذ هو على هذا التقدير يكون من عطف المغاير لا من عطف العام على الخاص، بل الأمر بالعكس؛ لأنه إذا وصل إلى حد الإسكار يصير فردًا من أفراد المسكر، فإذا عطف المسكر عليه يكون من عطف العام على الخاص.
وما أجاب به في (( الانتقاض ) )من قوله: قلت: هو الذي اختلف في الوضوء به، فيتخصص بالحيثية لا يحصل له أيضًا؛ لأن الذي اختلف في جواز الوضوء به إنما هو الذي لم يبلغ حد الإسكار، فالعطف عليه على هذا التقدير من عطف المغاير قطعًا، فكيف يجيب به عن اعتراض العيني عليه في جعله من عطف العام على الخاص؟
على أن الاعتراض غير وارد فلا يحتاج إلى الجواب؛ لأن قول صاحب (( الفتح ) ): إنه من عطف العام على الخاص على تقدير أن يكون النبيذ مسكرًا بدليل قوله: أو المراد بالنبيذ: ما لم يبلغ حد الإسكار، فليتأمل.
وقال العيني: وتخصيص النبيذ بالذكر من بين المسكرات؛ لأنه محل الخلاف في جواز التوضؤ به. انتهى.
أقول: في قوله: من بين المسكرات نظر؛ لأن النبيذ الذي وصل إلى حد الإسكار ليس محلًا للخلاف؛ لأنه نجس كما سيأتي التصريح به في كلامه.
اللهم إلا أن يريد بالمسكرات أعم مما هو بالقوة أو بالفعل استعمالًا للشيء في حقيقته ومجازه عند من يراه، أو يكون من عموم المجاز عند غيره، ولا شبهة أن النبيذ الذي لم يصل إلى حد المسكر مسكر بالقوة أو باعتبار ما يؤول إليه
(وَكَرِهَهُ) : أي: التوضؤ بالنبيذ (الْحَسَنُ) : البصري، مما وصله عنه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريقين عنه بلفظ: لا يتوضأ بنبيذ، لكن روى أبو عبيد من طريق أخرى عنه: إنه لا بأس به، فعلى هذا فكراهته عنده على التنزيه، كذا في (( الفتح ) ).
قال العيني: فعلى هذا لا يناسب الترجمة. انتهى.
أقول: يمكن حمل نفي الجواز في الترجمة على الجواز المستوي الطرفين، فتحصل المناسبة وإن كان بعيدًا
(وَأَبُو الْعَالِيَةِ) : مؤنث العالي رُفَيْع _ بصيغة التصغير _ الرِّيَاحي _ بكسر الراء وبالياء التحتية المخففة _
ج 1 ص 733
مما وصله أبو داود بسند جيد، وأبو عبيد من طريق أبي خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء وعنده نبيذ يغتسل به؟ قال: لا، وفي رواية أبي عبيد: فكرهه، وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: إنه كره أن يغتسل بالنبيذ
(وَقَالَ عَطَاءٌ) : ابن أبي رباح (التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ) : أي: بأحدهما.
قال العيني: وهذا يدل على أن عطاء يجيز استعمال النبيذ في الوضوء، ولكن التيمم أحب إليه منه، فعلى هذا هو أيضًا لا يساعد الترجمة. وروى أبو داود من طريق ابن جريج عن عطاء: أنه كره الوضوء بالنبيذ واللبن، وقال: إن التيمم أعجب إلي منه.
قلت: أما التوضؤ باللبن فلا يخلو إما أن يكون بنفس اللبن أو بماء خالطه لبن، فالأول لا يجوز بالإجماع، وأما الثاني فيجوز عندنا خلافًا للشافعي. وأما الوضوء بالنبيذ فهو جائز عند أبي حنيفة، ولكن بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتد منه صار حرامًا لا يجوز التوضؤ به وإن غيرته النار، فما دام حلوًا فهو على الخلاف، ولا يجوز التوضؤ بما سواه من الأنبذة جريًا على قضية القياس.
وقال ابن بطال: اختلفوا في الوضوء بالنبيذ، فقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز الوضوء بنيئه ومطبوخه مع عدم الماء أو وجوده، تمرًا كان أو غيره، فإن كان مع ذلك مشتدًا فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء به.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء، فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصة. وقال الحسن: جاز الوضوء بالنبيذ. وقال الأوزاعي: جاز بسائر الأنبذة. انتهى.
وفي (( المغني ) )لابن قدامة: وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بنبيذ التمر، وبه قال الحسن والأوزاعي. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إليَّ من التيمم، وجمعهما أحب إلي. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، وقيل: عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وفي (( البدائع ) ): واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة، فقال بعضهم: لا يجوز؛ لأن الجواز عرف بالنص، وأنه ورد بالوضوء دون الاغتسال، فيقتصر على مورد النص. وقال بعضهم: يجوز لاستوائهما في المعنى.
نعم لابد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف، وهو أن يلقى في الماء شيء من التمر؛ ليخرج حلاوته إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود في تفسير النبيذ الذي توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تميرات ألقيتها في الماء؛ لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء ليحلو، فما دام رقيقًا حلوًا أو قارصًا يتوضأ به عند أبي حنيفة، وإن كان غليظًا كالرب لا يجوز التوضؤ به.
وكذا إذا كان رقيقًا لكنه غلا واشتد وقذف بالزبد؛ لأنه صار مسكرًا، والمسكر حرام، فلا يجوز التوضؤ به؛ لأن النبيذ الذي توضأ به صلى الله عليه وسلم كان رقيقًا حلوًا، فلا يلحق به الغليظ.
ثم الذين جوزوا التوضؤ به احتجوا بحديث ابن مسعود حيث قال له صلى الله عليه وسلم ليلة الجن: (( ماذا في إداوتك؟ ) )، قال: نبيذ، قال: (( تمرة طيبة وماء طهور ) )، رواه أبو داود والترمذي وزاد: فتوضأ به وصلى الفجر.
وقال بعضهم: هذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه.
قلت: إنما ضعفوه؛ لأن في رواته أبا زيد، وهو رجل مجهول لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، قاله الترمذي.
وقال ابن العربي في (( شرح الترمذي ) ): أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق، وهذا يخرجه عن الجهالة. وأما اسمه: فلم يعرف، فيجوز أن يكون الترمذي أراد به مجهول الاسم، على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلًا عن ابن مسعود، كما رواه أبو زيد، ثم عدهم رجلًا رجلًا.
ثم قال: وقال بعضهم: على تقدير صحته أي صحة حديث ابن مسعود إنه منسوخ؛ لأن ذلك كان بمكة، ونزول قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} [النساء:43] إنما كان بالمدينة بلا خلاف.
قلت: هذا القائل نقل هذا عن ابن القصار من المالكية وابن حزم من كبار الظاهرية، والعجب منه أنه مع علمه أن هذا مردود نقله وسكت عليه.
ووجه الرد: ما ذكره الطبراني في (( الكبير ) )والدارقطني: أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلمه الوضوء.
وقال السهيلي: الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة فإنما قالت عائشة رضي الله عنها: آية التيمم، ولم تقل: آية الوضوء؛ لأن الوضوء كان
ج 1 ص 734
مفروضًا قبل، غير أنه لم يكن قرآنًا يتلى حتى نزلت آية التيمم.
وحكى عياض عن ابن الجهم: أن الوضوء كان سنة حتى نزل فيه القرآن بالمدينة. انتهى ملخصًا.
قال في (( الفتح ) ): وإنما كانوا يصنعون ذلك _ أي: يلقون التمر في الماء _ لأن غالب مياههم لم تكن حلوة.
قال: وقيده أبو حنيفة في المشهور عنه بنبيذ التمر، واشترط أن لا يكون بحضرة الماء، وأن يكون خارج المصر أو القرية وخالفا صاحباه، فقال محمد: يجمع بينه وبين التيمم، قيل: إيجابًا، وقيل: استحبابًا، وهو قول إسحاق.
وقال أبو يوسف بقول الجمهور: لا يتوضأ به بحال، واختاره الطحاوي. وذكر قاضي خان: أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول. انتهى.