فهرس الكتاب

الصفحة 1328 من 1465

(152)(باب: التَّسْلِيمِ)أي: حكم التسليم من الصلاة بعد الفراغ من التشهد.

قال في (( الفتح ) ): قيل: لم يذكر المصنف حكمه لتعارض الأدلة عنده في الوجوب وعدمه، ويمكن أن يؤخذ الوجوب من حديث الباب حيث جاء فيه: كان إذا سلم؛ لأنه يشعر بتحقيق مواظبته على ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) )، وحديث تحليلها التسليم أخرجه السنن بسند حسن، وأما حديث: (( إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته ) )فقد ضعفه الحفاظ انتهى.

وتعقبه العيني فقال: قلت: قام الدليل على أن التسليم في آخر الصلاة غير واجب، وأن تركه غير مفسد للصلاة وهو: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسًا فلما سلم أخبر بصنيعه فثنى رجليه فسجد سجدتين ) )رواه عبد الله بن مسعود، وأخرجه الجماعة بطرق متعددة وألفاظ مختلفة.

قال الطحاوي: ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل التسليم، ولم ير ذلك مفسدًا للصلاة فدل على أن السلام ليس من صلبها إذ لو كان واجبًا كوجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك، ولكنه بخلافه فهو سنة.

قلت: اختلف العلماء في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ السلام فصلاته باطلة حتى قال النووي: ولو أخل بحرف من حروف السلام عليكم لم تصح صلاته، واحتجوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (( تحليلها التسليم ) )، رواه أبو داود مرفوعًا قال: (( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ) ).

وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأخرجه الحاكم في (( مستدركه ) )وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.

قلت: اختلفوا في صحته بسبب ابن عقيل وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد بن سعد: هو من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وكان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم.

وقال ابن المديني: عن بشر بن عمر الزهراني

ج 2 ص 671

كان مالك لا يروي عنه، وكان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وعن يحيى بن معين ليس حديثه بحجة، وعنه ضعيف الحديث وعنه ليس بذاك.

وقال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه وعلى تقدير صحته أجاب الطحاوي عنه بما محصله: أن عليًا رضي الله عنه روي عند من رأيه [1] : (( إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته ) )، فدل على أن معنى الحديث المذكور على أن الصلاة لا تتم إلا بالتسليم، إذ كانت تتم عنده بما هو قبل التسليم.

فكان معنى تحليلها التسليم، التحليل الذي ينبغي أن تحلل به لا بغيره، ثم ذكر دليلًا آخر وهو: أنه ثابت بخبر الآحاد وخبر الآحاد لا تثبت به الفرضية فيؤول هذا الكلام إلى قياس من الشكل الأول، هكذا هذا الحديث خبر آحاد وكل خبر آحاد لا تثبت به الفرضية فينتج هؤلاء لحديث لا تثبت به الفرضية لكن كبرى هذا الشكل غير مسلمة عند الخصم.

ثم قال: وذهب عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم وقتادة، وأبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد وابن جرير الطبري إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته. انتهى.

وقال ابن رجب: أكثر العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة بدون التسليم، واستدلوا بحديث: (( تحليلها التسليم ) )وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس وحكاه الإمام أحمد إجماعًا وذهبت طائفة إلى أنه يخرج من الصلاة بفعل كل مناف لها من أكل أو شرب أو كلام أو حدث، وهو قول الحكم وحماد والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق، ولم يفرقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلي أو بغيره.

إلا أبا حنيفة فإنه قال: إن وجد باختياره خرج من الصلاة بذلك وإلا بطلت صلاته، وخالفاه صاحباه فلم يشترطا ذلك.

وحكي عن طائفة من السلف أن من أحدث بعد تشهده تمت صلاته، منهم: الحسن وابن سيرين وعطاء، على خلاف عنه والنخعي، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وقد أنكر صحته أحمد وأبو حاتم الرازي وغيرهما. انتهى.

والأدلة متجاذبة الأطراف والواجب في التسليم الذي يحصل به الخروج من الصلاة تسليمة واحدة بلفظ: السلام عليكم وأفضله زيادة: ورحمة الله ويسن ثانية عند الجمهور خلافًا لمالك.

قال في (( الفتح ) ): وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود ومن حديث سعد بن أبي وقاص: (( التسليمتين ) ).

وذكر العقيلي وابن عبد البر: أن حديث التسليمة الواحدة معلول، وبسط ابن عبد البر الكلام على ذلك وحديثها: ما رواه أصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها: (( أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا بها ) ).

وأجيب: بأنه على تقدير خلوه عن العلة ليس صريحًا في الاقتصار على واحدة لإنها أخبرت بواحدة وسكتت عن الأخرى، وليس سكوتها مقدمًا على من صرح بالثانية مع أنهم أكثر عددًا وأحاديثهم أصح.

وأجيب أيضًا: بأن الثانية كانت أخفض فلم تسمعها عائشة لتأخرها عن صفوف الرجال، وليس القول بأنها واحدة مقصورًا على مالك فقد قال بذلك أنس وعائشة، وسلمة بن الأكوع، وهو مروي عن ابن عمر ومن التابعين سليمان بن يسار وأبي وائل وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن والليث، والأوزاعي.

وذكر الطبري بإسناده إلى أنس قال: (( صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يسلمون تسليمة واحدة ) )، وقال ابن أبي ليلى: (( صليت خلف علي بن أبي طالب فسلم واحدة ) ).

قال المحب الطبري: والقول في ذلك أن يقال: كلا الخبرين الواردين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه كان يسلم واحدة و ثنتين صحيح إعلامًا لأمته بأنهم مخيرون في العمل بأيهما شاؤوا كذا في ابن الملقن

[1] هكذا في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت