قال في (( الفتح ) ): أشار المصنف إلى أن حكمه الطهارة؛ لأن المغتسل قد يقع في ماء غسله من شعره، فلو كان نجسًا لتنجس الماء بملاقاته، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تجنب ذلك في اغتساله، بل كان يخلل أصول شعره كما سيأتي ذلك، وذلك يفضي غالبًا إلى تناثر بعضه، فدل على طهارته، وهو قول جمهور العلماء، وكذا قاله الشافعي في القديم، ونص عليه في الجديد أيضًا، وصححه جماعة من أصحابه، وهي طريقة الخراسانيين.
وصحح جماعة القول بتنجيسه، وهي طريقة العراقيين، واستدل المصنف على طهارته بما ذكره من الحديث المرفوع، وتعقب: بأن شعر النبي صلى الله عليه وسلم مكرم لا يقاس عليه غيره.
ونقضه ابن المنذر والخطابي وغيرهما: بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدمه، قالوا: ويلزم القائل بذلك أن لا يحتج على طهارة المني بأن عائشة كانت تفركه من ثوبه صلى الله عليه وسلم؛ لإمكان أن يقال له: منيه طاهر؛ فلا يقاس عليه غيره.
والحق: أن حكمه حكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية، إلا فيما خص بدليل، وقد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته، وعد الأئمة ذلك في خصائصه، فلا يلتفت إلى ما وقع في كتب كثير من الشافعية مما يخالف ذلك، فقد استقر الأمر بين أئمتهم على القول بالطهارة هذا في شعر الآدمي، أما في شعر الحيوان غير المأكول المزكى، ففيه اختلاف مبني على أن الشعر هل تحله الحياة فينجس بالموت أو لا؟.
فالأصح عند الشافعية: أنه ينجس بالموت، وذهب الجمهور إلى خلافه، واستدل ابن المنذر: على أنه لا تحله الحياة، فلا ينجس بالموت، ولا بالانفصال بأنهم أجمعوا على طهارة ما يُجَزُّ من الشاة وهي حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية، فدل ذلك على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها، وعلى التسوية بين حالتي الموت والانفصال.
وقال البغوي في (( شرح السنة ) ): في قوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة: (( إنما حرم أكلها ) )، يستدل به لمن ذهب إلى أن ما عدا ما يؤكل من أجزاء الميتة لا يحرم الانتفاع به. انتهى.
(وَكَانَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح فيما وصله محمد بن إسحاق الفاكهي في (( أخبار مكة ) )بسند صحيح إلى عطاء (لاَ يَرَى بِهِ) أي: بشعر الإنسان إذا انفصل عنه (بَأْسًا) وفي رواية ابن عساكر إسقاط (( به ) ).
فقوله: (أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا) على رواية غير ابن عساكر بدل من الضمير في به، وعلى روايته مفعول أول ليرى؛ لأنها علمية، لكن بتذكير الضمير المجرور بمن الراجع للشعر باعتبار لفظه، والمفعول الثاني بأسًا؛ أي: لا يرى الاتخاذ بأسًا، ويجوز أن يكون بدلًا من بأسًا على أن يكون يرى من الرأي بمعنى الاعتقاد، وعلى رواية الأكثرين، فالضمير في منها عائد إلى الشعور المفهومة من الشعر لأن المراد به الجنس (الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ) الفرق بينهما بالرقة في الخيوط، والغلظ في الحبال، وهذا قاله عطاء لما سئل عن شعور الناس التي تحلق بمنى.
وغرض البخاري بإيراد كلام عطاء الرد على من نجس شعر الإنسان بانفصاله؛ لاقتضائه تنجس الماء المنفصل منه، إذ لو كان نجسًا لما اتخذ منه الخيوط والحبال، كذا في (( المنحة ) ).
وأقول: فيه نظر؛ لأن هذا الدليل لا يطابق المدلول على هذا التقدير؛ لأن اتخاذ الخيوط والحبال لا يكون عادة من شعر الإنسان، وإنما يكون من شعور الأنعام، فلا تدل إلا على طهارتها، اللهم إلا أن يكون ذلك بطريق الاستنباط والقياس.
ويومئ إلى ذلك قول ابن الملقن لما ذكر البخاري رحمه الله شعر الإنسان استطرد غيره، فذكر ما ذكره عن عطاء؛ فهذا صريح في أن كلام عطاء في مطلق الشعور، لا في شعر الإنسان خاصة.
ثم قال: ونقل ابن بطال عن المهلب بن أبي صفرة أن البخاري أراد بهذه الترجمة رد قول الشافعي أن شعر الإنسان إذا فارق الجسد نجس، وإذا وقع في الماء نجسه، وذكر قول عطاء، وأن على قوله جمهور العلماء.
وأجاب: بأن القول بتنجيس شعر الآدمي المنفصل مرجوع عنه، كما حكاه إبراهيم البلدي عن المزني عن الشافعي،
ج 1 ص 631
وحكى الجيزي عن الشافعي: أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته، وينجس بنجاسته، وصرح القاضي أبو الطيب وآخرون بأن الشعر والصوف والوبر والعظم والقرن والظلف تحلها الحياة، وتنجس بالموت، وهو المذهب، وهو الذي رواه المزني والبويطي وغيرهما.
ومذهب أبي حنيفة: أن شعر الآدمي المنفصل طاهر، وكذا شعر الميتة، والأجزاء الصلبة التي لا دم فيها كالعظم والقرن والسن والحافر والظفر والخف والشعر والوبر والصوف والعصب والريش والأنفحة الصلبة، قاله في (( البدائع ) ).
وقد وافق أبا حنيفة على صوفها وشعرها ووبرها وريشها؛ مالك وأحمد والمزني، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وحماد وداود في العظم أيضًا، وحكى العبدري عن الحسن وعطاء والأوزاعي والليث: أنها تنجس بالموت، لكن تطهر بالغسل، وأما شعر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمذهب الصحيح القطع بطهارته، وإن خالفنا في شعر غيره؛ لعظم مرتبته.
ومن خالف فيه قال: إنما قسم عليه السلام شعره للتبرك، ولا يتوقف التبرك على كونه طاهرًا، كذا قاله الماوردي، وآخرون قالوا: ولأن القدر الذي أخذه كان يسيرًا معفوًا عنه. انتهى ملخصًا.
أقول: لا يخفى ما في هذا الكلام الشنيع من الغفلة عن منافاته للأدب لذلك الجناب الرفيع، كيف وقد دلت الأدلة على طهارة فضلاته كشرب ابن الزبير دم حجامته، وعدم إنكار ذلك عليه، وعدم أمره بتطهير فمه.
ففي (( الخصائص الكبرى ) )للحافظ جلال الدين السيوطي: أخرج البزار والطبراني والحاكم والبيهقي في (( السنن ) )بسند حسن عن عبد الله بن الزبير قال: (( احتجم النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاني الدم فقال: اذهب فغيبه، فذهبت فشربته، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما صنعت؟ قلت: غيبته، قال: لعلك شربته؟ قلت: شربته ) ).
وأخرج الدارقطني نحوه عن أسماء وفيه: (( فأتاه جبريل فأخبره، قال: ما صنعت؟ قال: كرهت أن أصب دمك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تمسك النار ومسح على رأسه، وقال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس ) ).
وأخرج أبو يعلى والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم عن أم أيمن قالت: (( قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل إلى فخارة، فبال، فقمت من الليل وأنا عطشانة، فشربت ما فيها، فلما أصبح أخبرته فضحك، وقال: أما إنك لا تنجعين بطنك أبدًا ) ).
ولفظ أبي يعلى: (( إنك لا تشتكين بطنك بعد يومك هذا أبدًا ) )إلى آخر ما ذكره، ثم قال: وقال أصحابنا: وشعره طاهر بالإجماع، ولا يجري فيه الخلاف في شعر سائر الناس. انتهى.
وأقول: نقله الإجماع على طهارة شعره صلى الله عليه وسلم يقتضي أن ما نقله ابن الملقن من الخلاف في طهارته واهٍ جدًا، حيث لم يعتد الأصحاب به، وحكوا الإجماع على الطهارة.
وقال النووي في (( شرح المهذب ) ): واستدل من قال بطهارة دمه وبوله بالحديثين المعروفين: أن أبا ظبية الحجام حجمه وشرب دمه، ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله، ولم ينكر عليها، وحديث أبي ظبية ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني، وقال: حديث صحيح، وذلك كافٍ في الاحتجاج لكل الفضلات قياسًا.
ثم قال: إن القاضي حسين قال: الأصح القطع بطهارة الجميع. انتهى.
وبه قال أبو حنيفة كما قال العيني.
وقال الحافظ بن حجر: وقد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته صلى الله عليه وسلم، وعد الأئمة ذلك من خصائصه. انتهى.
فإذا كان الأصح طهارة فضلاته، فكيف يجترأ على القول بنجاسة شعره الشريف الذي يتبرك به كما سيأتي من قول عبيدة: (( لأَنْ يكون عندي شعرة منه أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها ) ). انتهى.
ثم رأيت العيني رحمه الله تعالى تكلم بما يكفي ويشفي فقال: قول الماوردي: وأما شعر النبي صلى الله عليه وسلم فالمذهب الصحيح؛ القطع بطهارته، يدل على أن لهم قولًا بخلاف ذلك، فنعوذ بالله من ذلك القول، وقد اخترق بعض الشافعية وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام حيث قال: وفي شعر النبي وجهان، وحاشا شعر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وكيف قال هذا وقد قيل بطهارة فضلاته، فضلًا عن شعره الكريم، وقد قال الماوردي: إنما قسم النبي صلى الله عليه وسلم شعره للتبرك، ولا يتوقف التبرك على كونه طاهرًا.
قلت: هذا أشنع من ذلك، وقال كثير من الشافعية نحو ذلك، ثم قالوا: لأن المقرر الذي أخذ كان يسيرًا معفوًا عنه.
قلت: هذا أقبح من الكل إلى آخر ما أطال به. انتهى.
(وَسُؤْرِ الْكِلاَبِ) عطف على المضاف إليه؛ أي: وباب سؤر الكلاب بالهمز وقد تخفف، وهو ما يبقى في الإناء بعد شربها؛ أي: هل هو طاهر أم لا؟.
وبيان حكم (مَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ) وفي رواية زيادة: (( وأكلِها ) )بالجر وهو من إضافة المصدر إلى فاعله وحذف المفعول؛ أي: وباب بيان حكم ما تأكله الكلاب، هل ينجس ما يبقى بعد أكلها أم لا؟.
وهو مبني على سؤرها فمن قال بنجاسته قال: بنجاسة ما يصيبه لعابها من المأكول.
قال ابن الملقن: وقصد البخاري بذلك إثبات
ج 1 ص 632
طهارة الكلب، وطهارة سؤره.
قال الإسماعيلي: أراه نحا ذلك بما ذكره من الأخبار، لكن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظر.
قال ابن الملقن: ووجه النظر أن غسل الإناء من شرب الكلب يجوز أن يكون لنجاسته، وأن يكون تعبدًا، ويترجح الأول برواية مسلم: (( طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) )وهي على شرطه أيضًا، وروايته أيضًا: (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات ) ).
وأما غرف الماء؛ فليس فيه: أن الكلب شربه من الخف، إذ قد يجوز أنه غرفه به، ثم صبه في مكان غيره، وعلى تقدير أن يكون شرب منه، لا يلزمنا الأخذ به، إذ كان هذا في شريعة غيرنا على ما روي عن أبي هريرة، وشرعنا قتل الكلاب على خلاف فيه إلا ما رخص في إمساكه، ولا يلزم من إقبال الكلاب وإدبارها في المسجد طهارتها.
نعم: سيأتي فيه: أنها كانت تبول فيه، وابن وهب يرى طهارة بولها، وكأن الحديث إنما سيق لترددها، ولم تغلق، وعساها كانت تبول ولم يعلم موضعه، ولو علم لأمر بصب الماء عليه، وقد أمر به في بول الأعرابي وبوله وبول ما سواه في حكم النجاسة واحد.
وأما حديث عدي فهو مسوق؛ لأن قتله ذكاة لا لنجاسة، ولا طهارة، ألا تراه قال: فكله، ولم يقل: اغسل الدم.
ويجوز أن يكون تركه اكتفاء بغسل الإناء من ولوغه، وذكر الإسماعيلي احتمالًا ثالثًا وهو: أن يكون قتله الصيد لما جعل ذكاة له انتفت النجاسة عن المذكي بما جعل ذكاة له. انتهى.
أقول: كلامه صريح في أن هذه الأحاديث الأربعة داخلة تحت هذه الترجمة إلى قوله: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، وهي النسخة التي شرح عليها هو والعيني والكرماني.
وقال صاحب (( الفتح ) ): ووقع هنا في رواية ابن عساكر قبل إيراد حديث مالك: باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم. انتهى.
وعليها شرح القسطلاني، وصاحب (( المنحة ) ).
(وَقَالَ) محمد بن مسلم بن شهاب (الزُّهْرِيُّ) فيما رواه الوليد بن مسلم في (( مصنفه ) )عن الأوزاعي وغيره عنه، ورواه عنه ابن عبد البر في (( التمهيد ) )من طريقه بسند صحيح (إِذَا وَلَغَ الكلب) ولو معلمًا (فِي إِنَاءٍ) ولأبي ذر: وكان فيه ماء بأن أدخل لسانه فيه، فحركه تحريكًا كثيرًا أو قليلًا (لَيْسَ لَهُ) أي: لمريد الوضوء (وَضُوءٌ) بفتح الواو؛ أي: ما يتوضأ به (غَيْرُه) بالرفع، ويجوز فيه النصب أيضًا؛ أي: غير ما ولغ الكلب فيه.
(يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء الباقي وهو جواب إذا، ولأبي ذر: أي: بالبقية (وَقَالَ سُفْيَانُ) أي: الثوري لا ابن عيينة.
قال العيني: سفيان هذا هو الثوري؛ لأن الوليد بن مسلم لما روى هذا الأثر الذي رواه الزهري ذكر عقبه، فذكرت ذلك لسفيان الثوري فقال: والله هذا الفقه بعينه. انتهى.
(هَذَا) أي: الحكم بالتوضؤ به (الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ) لأنه مستفاد من القرآن (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) ولأبي الوقت: ( {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} ) [النساء:43] ورواه القابسي عن أبي زيد المروزي بلفظ: (( فإن لم تجدوا ماء ) )وهو سهو لمخالفته للتلاوة.
قال القسطلاني: وقد تتبعت كثيرًا من القراءات، فلم أر أحدًا قرأ بها. انتهى.
ولا يجوز أن يكون من قبيل الرواية بالمعنى؛ لأن الصحيح امتناعها في القرآن، ووجه الدلالة من الآية: أن قوله تعالى: {مَاء} نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، ولا تخص إلا بدليل، كما قال: (وَهَذَا) أي: الماء المذكور الذي ولغ فيه الكلب (مَاءٌ) وفي رواية الأصيلي: أي: فهو داخل تحت قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء} [النساء:43] ، وتنجيسه بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل العلم.
قال سفيان: (وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ) أي: دغدغة، وذلك لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارض له من القرآن أو غيره، ولذا قال: (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء المذكور، وفي رواية: (( منه ) ) (وَيَتَيَمَّمُ) أي: يجمع بين الوضوء والتيمم؛ لاحتمال عدم طهورية الماء.
قال العيني: لأن الماء الذي شكَّ فيه كالمعدوم. انتهى.
وأقول: فيه نظر؛ لأنه لو كان كالمعدوم لما جمع واجده بينه وبين التيمم، بل كان يعدل إلى التيمم، كما إذا كان معه ماء مستعمل أو متنجس، وهذا نظير ما قاله الحنفية: في سؤر البغل والحمار أنه مشكوك في طهوريته، فإذا لم يجد غيره يجمع بين التوضؤ به والتيمم؛ ليكون متطهرًا بيقين، وأيهما قدم صح.
وقال الكرماني: لا يخفى أن الواو بمعنى ثم، إذ التيمم بعد التوضؤ قطعًا.
وتعقبه العيني فقال: لا نسلم ذلك، فإن في هذا الموضع لا يشترط الترتيب، بل الشرط الجمع بينهما سواء قدم الوضوء أو أخَّر. انتهى.
وأقول: تعقب العيني بناء على
ج 1 ص 633
مذهبه، وقد يكون مذهب الكرماني عدم جواز تقديم التيمم مع وجود مثل هذا الماء؛ لأنه ليس في حكم المعدوم من كل وجه كما تقدم آنفًا.