وبالسند إلى المؤلف قال:
169 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاري (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ: رَأَيْتُ) أي: أبصرت (رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي ذر: (وَحَانَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ) الجملة حال بتقدير قد؛ أي: دخل وقتها (فَالْتَمَسَ) أي: طلب الناس (الْوَضُوءَ) بفتح الواو؛ أي: الماء الذي يتوضأ به.
(فَلَمْ يَجِدُوهُ) وسقطت الهاء لغير الكشميهني (فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ) بفتح الواو؛ أي: بإناء فيه ماء ليتوضأ به.
وفي رواية ابن المبارك: (( فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير ) ).
وروى المهلب: أنه كان مقدار وضوء رجل واحد، ولا ينافي هذا ما مر من أنهم لم يجدوا ماء؛ لأن المنفي وجوده لهم، أو لأنهم طلبوه بعد ذلك طلبًا حثيثًا حتى وجدوه.
قال في (( الفتح ) ): وبين المصنف في رواية قتادة أن ذلك كان بالزوراء، وهو سوق بالمدينة. انتهى.
وقال في (( القاموس ) ): موضع بالمدينة قرب المسجد، وانظر كيف أعوزهم الماء بالمدينة؛ حتى لم يجدوا إلا قدحًا من ماء مقدار وضوء رجل واحد، وأين كانت عينها الزرقاء، فليحرر ذلك.
(فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ) الشريفة اليمين بعد أن ضم أصابعها لصغر الإناء.
قال في (( الفتح ) ): ووقع في رواية ابن المبارك: (( فجاء رجل بقدحٍ فيه ماء يسير فصغر أن يبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كفه فضم أصابعه ) )ونحوه في رواية حميد الآتية في باب الوضوء من المخضب. انتهى.
(وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤوا) أي: بأن يتوضؤوا (مِنْهُ) أي: من ذلك الإناء (قَالَ أنس) رضي الله عنه (فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ) بتثليث الموحدة؛ أي: يخرج (مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ) وفي رواية: (( يفور من بين أصابعه ) ).
(حَتَّى تَوَضَّؤوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) حتى حرف ابتداء دال على التدريج.
وفي (( الفتح ) ): قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان؛ أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في؛ لأن عند وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم.
وقال التيمي: توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر.
وقال النووي: من هنا بمعنى إلى وهي لغة.
وتعقبه الكرماني: بأنها شاذة، قال: ثم إن إلى لا يجوز أن تدخل على عند، ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمي: أن لا يدخل الأخير، لكن ما قاله الكرماني من أن إلى لا تدخل على عند لا يلزم مثله في من إذا وقعت بمعنى إلى، وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال: عند زائدة. انتهى.
وفي الكرماني: فإن قلت: هل دخل النبي في هذا الإخبار، فيكون من المتوضئين به أم لا؟.
قلت: لا شك أن لفظ الناس عام، ولكن الأصوليين اختلفوا في أن المخاطب بكسر الطاء داخل في عموم متعلق بخطابه أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا أم لا.
وفي كيفية هذا النبع احتمالان:
أحدهما وعليه أكثر العلماء: أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه، وينبع من ذاتها.
وثانيهما: أن الله تعالى أكثر الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها، وكلاهما معجزة ظاهرة،
ج 1 ص 630
وآية باهرة. انتهى.
وقال المزني: نبع الماء من بين أصابعه أعظم مما أوتيه موسى عليه السلام حين ضرب بعصاه الحجر؛ لأن الماء معهود أن يتفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع. انتهى.
وفي الحديث: دليل على أن المواساة في الماء لازمة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه، وفيه: دليل على أن الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت، وعند وجوبها يجب التماس الماء للوضوء لمن كان على غير طهارة، ويستحب تقديم الوضوء على الوقت، وهو من السنن التي يفوق ثوابها ثواب الفرض والتيمم ليس كذلك، بل لا يصح تقديمه على الوقت عند الشافعية.