قال في (( الفتح ) ): اتفق العلماء على أن إقبال الحيض يعرف بالدفقة من الدم في وقت إمكان الحيض، واختلفوا في إدباره فقيل: يعرف بالجفوف وهو أن يخرج ما تحتشى به جافًا وقيل: بالقصة البيضاء وإليه ميل المصنف كما سنوضحه.
وقال العيني: قال ابن بطال: إقبال الحيض هو الدفعة من الدم، وإدباره إقبال الطهر، وعند أصحابنا الحنفية علامة إدبار الحيض وانقطاعه الزمان والعادة فإذا أقبلت عادتها تحرت وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل انتهى.
وأقول: في قول ابن بطال وإدباره إقبال الطهر دور إذ لا يعرف إقبال الطهر إلا بإدبار الحيض، ومعنى قول العيني: إدباره الزمان والعادة أن تصرم الدم وانقطاعه بالكلية ليس بشرط في إدبار الحيض فقد يكون الدم جاريًا.
ويحكم بإدبار الحيض كما إذا كانت عادتها ستة أيام فاستمر بها الدم إلى أحد عشر يومًا مثلًا، فإنه يحكم بإدبار الحيض من آخر يوم من الستة والخمسة الباقية استحاضة ولو انقطع على رأس العشرة كانت كلها حيضًا كما هو مفصل في كتب الفقه.
وقال ابن الملقن: واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر ولا تغتسل حتى يطلع، فقال مالك والثوري والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبو ثور: هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ويجزئها صوم ذلك اليوم.
وقال الأوزاعي: تصومه وتقضيه.
وقال أبو حنيفة: إن كانت أيامها أقل من عشرة صامته وقضته، وإن كانت أكثر منها صامته ولا قضاء.
وعن عبد الملك بن الماجشون: يومها ذلك يوم فطر ولا أدري أكان مالك يرى صومه أم لا فإن كان لا يراه فهو شذوذ ولا يعرج عليه، ولا معنى لمن اعتل به من أن الحيض ينقض الصوم والاحتلام لا ينقضه؛ لأن من طهرت من حيضها ليست بحائض، والغسل إنما يجب عليها إذا طهرت ولا يجب الغسل على حائض انتهى.
(وَكُنَّ نِسَاءٌ) بالرفع بدل من ضمير جماعة الإناث، وهو مرجع الضمير وهو من المواضع التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وقد جمعها بعضهم في قوله: لعود مضمر على ما بعده لفظًا ورتبة فحصل عده في مضمر الشأن، ورب والبدل، نعم وبئس وتنازع العمل.
فقول العيني: ليس من الإضمار قبل الذكر فيه نظر، وهذا التخريج إنما يحتاج إليه على اللغة الفصحى، وأما على اللغة المشهورة: بأكلوني البراغيث فالنون عندهم ليست بضمير وإنما هي علامة الجمع.
وقال في (( الفتح ) ): والتنكير في (( نساء ) )للتنويع؛ أي: كان ذلك من نوع من النساء لا من كلهن، وهذا الأثر قد رواه مالك في (( الموطأ ) )عن علقمة بن أبي علقمة المدني عن أمه، واسمها مرجانة مولاة عائشة قالت: (( كان النساء ) )انتهى.
(يَبْعَثْنَ) خبر كن (إِلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها (بِالدُّرْجَةِ) بكسر الدال وفتح الراء والجيم، جمع: دُرْج بضم فسكون كخرج وخرجة وترس وترسة.
وفي (( الفتح ) )قال ابن بطال: كذا يرويه أصحاب الحديث، وضبطه ابن عبد البر في (( الموطأ ) )بالضم ثم السكون، وقال: إنه تأنيث درج والمراد به ما تحتشي به المرأة من قطنة وغيرها لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا انتهى.
(فِيهَا الْكُرْسُفُ) جملة في محل الحال من الدرجة أو صفة للدرجة؛ لأن لامها جنسية فهي في قوة النكرة وهو بضم الكاف وإسكان الراء وضم السين المهملة وبالفاء القطن ويجمع على كراسف، وإنما اختير القطن لبياضه؛ ولأنه ينشف الرطوبة فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر في غيره.
قال العيني: وزعم بعض الرواة: أنه يقال له الكرفس على القلب انتهى.
(فِيهِ) أي: الكرسف (الصُّفْرَةُ) الحاصلة من أثر دم الحيض (فَتَقُولُ) أي: عائشة للنساء (لاَ تَعْجَلْنَ) بسكون اللام، نهي لجمع المؤنثة المخاطبة ويأتي كذلك لجمع المؤنثة الغائبة، إلا أنه بالياء التحتية؛ خلافًا لما يوهمه ظاهر عبارة العيني: من أن الصيغة متحدة فيهما ويجري الاحتمالان في قولها: (حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ) فإن كان (( تعجلن ) )بالتاء فترين كذلك، وإن كانت بالياء فيرين كذلك، و (( القَصَّة ) ): بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة.
قال العيني: في تفسيرها أقوال: فعن ابن سيدة القصة والقص الجص، وقيل: الحجارة من الجصّ.
ج 2 ص 43
وقال الجوهري: هي لغة حجازية يقال: قصص داره؛ أي: جصصها، ويقال: القصة القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها المرأة عند الحيض.
وفي (( الغريبين ) )و (( المغرب ) )و (( الجامع ) ): القصة: شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله انتهى.
أقول فعلى المعنى الأول يكون المراد حتى ترى القطنة التي تحتشى بها بيضاء كالقصة.
وقال مالك: سألت النساء عن القصة البيضاء فإذا ذلك أمر معلوم عند النساء يرينه عند الطهر.
(تُرِيدُ بِذَلِكَ) المذكور من القصة البيضاء (الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ) بفتح الحاء وقيل: المراد بالقصة ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض يتبين به نقاء الرحم تشبيهًا بالجص.
وقال الهروي: معناه أن يخرج ما تحتشى به الحائض نقيًا كالقصة كأنه ذهب إلى الجفوف.
قال القاضي عياض: وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرق بيّن انتهى.
قال في (( المصابيح ) ): وسببه أن الجفوف عدم والقصة وجود، والوجود أبلغ دلالة، وكيف لا والرحم قد يجف في أثناء الحيض وقد تنظف الحائض فيجف رحمها ساعة والقصة لا تكون إلا طهرًا انتهى.
وفيه: دلالة على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض.
وفي القسطلاني: وهذا الأثر رواه مالك في (( الموطأ ) )من حديث علقمة بن أبي علقمة المدني عن أمه مرجانة مولاة عائشة، وقد علم أن إقبال المحيض يكون بالدفقة من الدم، وإدباره يكون بالقصة أو بالجفاف انتهى.
وقال العيني: رؤية البياض الخالص مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، فإن رأت صفرة في زمن الحيض ابتداء فهو حيض عندهم، وقال أبو يوسف: لا حتى يتقدمها دم.
(وَبَلَغَ ابْنَةَ) ولابن عساكر: (زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاري أحد كتاب الوحي وممن جمع القرآن، وبنته هذه هي أم كلثوم زوجة سالم بن عبد الله بن عمر.
قال في (( الفتح ) ): كذا وقعت مبهمة هنا، وكذا في (( الموطأ ) )وقد ذكروا لزيد بن ثابت من البنات حسنة، وعمرة، وأم كلثوم وغيرهن، ولم أر لواحدة منهن رواية إلا لأم كلثوم، وكانت زوجة سالم بن عبد الله بن عمر، فكأنها هي المبهمة هنا، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد قال: لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة انتهى.
وليس في ذكره لها دليل على المدعى؛ لأنه لم يقل أنها صاحبة هذه القصة بل لم يأت لها ذكر عنده ولا عند غيره إلا من طريق عنبسة بن عبد الرحمن، وقد كذبوه وكان مع ذلك يضطرب فيها فتارة يقول: بنت زيد بن ثابت، وتارة يقول: امرأة زيد. ولم يذكر أحد من أهل المعرفة بالنسب في أولاد زيد من يقال لها: أم سعد انتهى.
وتعقبه العيني بقوله قلت: ذكره الذهبي فقال: أم سعد بنت زيد بن ثابت، وقيل: امرأته وأيضًا عدم رؤية هذا القائل رواية لواحدة من بنات زيد إلا لأم كلثوم، لا ينافي رواية غيرها من بناته؛ لأنه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الروايات.
وقوله: وزعم بعض الشراح: أراد به صاحب (( التوضيح ) )فليت شعره ما الفرق بين زعم هذا وزعمه هو حيث قال: فكأنها هي المبهمة؛ أي: أم كلثوم في هذا الأثر على أن صاحب (( التوضيح ) )ما جزم بما قاله، بل قال: ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأن وجه الترجيح: أن أم كلثوم كانت زوج سالم، وبأن الذهبي تبع ابن عبد البر والذي نفيناه إنما هو عن أهل العلم بالنسب فكيف يستقيم هذا الرد انتهى.
وأقول: لا يخفى ما في هذين الجوابين من النظر:
أما الأول: فأي طريق من طرق الدلالات الثلاث يدل على أنها إذا كانت زوجًا لسالم تكون هي الرواية إذ الرواية ليست عن سالم.
وأما الثاني: فلأن كون الذهبي وابن عبد البر ليسا من أهل العلم بالنسب غير مسلم، وعلى فرض التسليم فهما ثقتان في النقل، ولم يجب عن قوله، وأيضًا عدم رؤية هذا القائل ... إلخ.
(أَنَّ نِسَاءً) من الصحابيات (يَدْعُونَ) النون فيه ضمير جمع المؤنث والواو لام الفعل؛ بخلاف ما إذا كان مسند الجمع المذكر، فإن النون فيه علامة الرفع والواو ضمير، ولام الفعل محذوفة لالتقاء الساكنين.
(بِالْمَصَابِيحِ) جمع مصباح، وهو السراج وشعلة القنديل؛ أي: يأتين بها (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي: في جوفه، أو هي على أصلها بناء على أنها تجيء لابتداء الغاية في الزمان (يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ) أي: ما يدل على الطهر من قطنة ونحوها كالقصة.
(فَقَالَتْ) أي: ابنة زيد بحسب ما شاهدت، أو بحسب ما بلغها (مَا كَانَ النِّسَاءُ) اللام فيه للعهد؛ أي: نساء الصحابة
ج 2 ص 44
(يَصْنَعْنَ هَذَا) الفعل المشتمل على التشديد والحرج (وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ) أي: عابت زينب ذلك الفعل عليهن.
قال في (( الفتح ) ): وإنما عابت عليهن؛ لأن ذلك يقتضي الحرج والتنطع وهو مذموم، قاله ابن بطال وغيره.
وقيل: لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة وهو جوف الليل، وفيه نظر؛ لأنه وقت للعشاء، ويحتمل أن يكون العيب لكون الليل لا يتبين به البياض الخالص من غيره، فيحسبن أنهن طهرن وليس كذلك فيصلين قبل الطهر انتهى.
وتعقبه العيني بما لا يخلو عن تعسف.