فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

138 - (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية الكشميهني: بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد.

(كُرَيْبٌ) بضم الكاف مصغر كرب ابن أبي مسلم القرشي مولى عبد الله بن عباس المكنى بأبي رِشدين بكسر الراء وسكون المعجمة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره نون المتوفى بالمدينة سنة ثمان وتسعين.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَامَ) مضطجعًا (حَتَّى) أي: إلى أن (نَفَخَ، ثُمَّ صَلَّى) ولابن عساكر بدون: (وَرُبَّمَا قَالَ) أي: سفيان (اضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى) أي: قالها بدل قوله: (( نام ) )وبزيادة قام قال: علي بن المديني.

ج 1 ص 579

(ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ) ابن عيينة تحديثًا (مَرَّةً بَعْدَ أخرى عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينار (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عباس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ بِتُّ) بكسر الباء ماضي يبيت (عِنْدَ خَالَتِي) أم المؤمنين.

(مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلالية، أخت لبابة أم عبد الله والفضل ابني العباس (لَيْلَةً) ظرف لبت (فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّيْلِ) أي: بعض الليل، أو مبتدئًا من الليل، وفي رواية ابن السكن: بالنون بدل القاف من النوم، وصوبها القاضي عياض وحكم بخطأ الأولى لقوله:

(فَلَمَّا كَانَ فِي) وفي رواية الحموي والمستملي: (بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النَّبِيُّ) وللأربعة: (صلى الله عليه وسلم) واسم كان ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون ذكر النبي ثانيًا من وضع الظاهر مكان المضمر، وهذا على رواية (( في ) )ظاهر، وأما على رواية (( من ) )ففيه خفاء إلا أن تجعل (من) بمعنى (في) كقوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة:9] .

قال الكرماني: فلما كان؛ أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون تامة ومن زائدة؛ أي: فلما وجد بعض الليل انتهى.

وتبعه صاحب (( الفتح ) )وتعقبه العيني فقال: إن التركيب يسمح بهذا التفسير لا يخفى ذلك على من له ذوق، والأحسن أن يقال: فلما كان بعض الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قلت: فعلى هذا تكون كلمة في زائدة، وهل جاز زيادتها في الكلام؟.

قلت: نعم أجاز ذلك بعضهم حتى قال: التقدير في قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا} [هود:41] وقال اركبوها، ويؤيد ما ذكرناه ما رواه الكشميهني: بكلمة من عوض كلمة في، ولا شك أن كلمة من على هذه الرواية زائدة، وكل منهما يأتي بمعنى الآخر كما ثبت في موضعه انتهى.

وأقول في قوله: أي: لا شك أن كلمة من ... إلخ، نظر إذ من شرط زيادتها عند الجمهور كونها واقعة بعد نفي أو شبهه، وكون مجرورها نكرة وهما مفقودان هاهنا، فكيف يجزم بالزيادة وينفي الشك عنها.

(فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون وهو القربة الخلقة (مُعَلَّقٍ) بالجر صفة لشن على تأويله بالجلد أو الوعاء، وفي رواية: (( مُعلقة ) )أنث فيها الشن باعتبار معناه؛ لأن المراد به القربة.

قال في (( الفتح ) ): وقد أخرجه بعد أبواب بلفظ معلقة.

(وُضُوءًا خَفِيفًا، يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو) أي: ابن دينار، بالغسل الخفيف مع الإسباغ (وَيُقَلِّلُهُ) بالاقتصار على المرة الواحدة، وهذا إدراج بين ألفاظ ابن عباس من سفيان بن عيينة.

قال الكرماني: فإن قلت: ما الفرق بين التخفيف والتقليل؟.

قلت: التخفيف يقابله التثقيل وهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير وهو من باب الكم انتهى.

وقال ابن المنير: (( يخففه ) )أي: لا يكثر الدلك، ويقلله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة، قال: وفيه دليل على إيجاب الدلك؛ لأنه لو كان يمكن اختصاره لاختصره لكنه لم يختصره انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وهي دعوى مردودة، فإنه ليس في الخبر ما يقتضي الدلك بل الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخف من قليل الدلك انتهى.

وقال العيني: لأن قوله: (( يخففه ) )ينافي وجود الدلك فكيف يكون فيه دليل على وجوبه انتهى.

وقال البدر الدماميني في (( المصابيح ) )بعد نقله لكلام ابن المنير: قلت: لا ينهض مجرد هذا حجة له فتأمله انتهى.

ولقد أنصف رحمه الله حيث لم تحمله عصبية الاشتراك في المذهب إلى موافقته.

(وَقَامَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي) وفي رواية: (( فصلى ) ) (فَتَوَضَّأْتُ) وضوءًا خفيفًا (نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ) أي: مثل وضوئه في التخفيف.

قال الكرماني: لم يقل مثلًا لأن حقيقة مماثلته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها غيره انتهى.

وتعقبه في (( الفتح ) )فقال: قد ثبت في هذا الحديث كما سيأتي بعد أبواب: (( فقمت فصنعت مثلما صنع ) )ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل جهة انتهى.

فعلم من ذلك أن المراد من قوله نحوًا مثلًا؛ لأن الحديث واحد والقضية واحدة وبعض ألفاظه يفسر بعضًا.

(ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) ابن عيينة (عَنْ شِمَالِهِ) بكسر الشين خلاف اليمين، وأما بفتحها فهي الريح التي تهب من ناحية القطب، وهي في مقابلة الجنوب وهذا إدراج من ابن المديني (فَحَوَّلَنِي) عليه الصلاة والسلام (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى) عليه الصلاة والسلام.

(مَا شَاءَ اللَّهُ) أن يصليه، وقوله: (( ما شاء الله ) )ليس مقصودًا به حقيقته؛ لأنها معلومة بل المقصود به الإعلام بكثرة صلاته بطريق الكناية (ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: على شقه الأيمن (فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي) أي: المؤذن بلال أو غيره (فَآذَنَهُ) بالمد؛ أي: أعلمه، وفي رواية: (( يؤذنه ) )بلفظ المضارع من غير فاء، وللمستملي: (( فناداه ) )وفيها المناسبة للفظ

ج 1 ص 580

المنادي.

(بِالصَّلاَةِ) أي: صلاة الفجر (فَقَامَ) أي: المنادي (مَعَهُ) أي: مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل العكس بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قام مع المنادي (إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) من النوم الذي نفخ فيه، قال سفيان بن عيينة:

(قُلْنَا لِعَمْرٍو) أي: ابن دينار (إِنَّ نَاسًا) بدون همز في أوله (يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ) أي: ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام.

قال في (( الفتح ) ): وفيه دليل على أن النوم ليس حدثًا بل مظنة الحدث؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان تنام عينه ولا ينام قلبه، فلو أحدث لعلم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم وربما لم يتوضأ انتهى.

(قَالَ عَمْرٌو) المذكور (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بالتصغير فيهما؛ أي: ابن قتادة الليثي المكي التابعي الكبير، وقيل: رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوه صحابي، روى لعبيد الجماعة، وكان قاضيًا بمكة مات قبل ابن عمر رضي الله عنهما.

(يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ) قال الكرماني: هو مصدر كالرجعى، وتختص برؤيا المنام كما اختص الرأي بالقلب والرؤية بالعين انتهى.

وتبعه العيني لكن الصحيح أن الرؤيا لا تختص بالحلمية بل تقع مصدرًا للبصرية أيضًا كما نبه عليه شراح الخلاصة وهو من إضافة المصدر إلى فاعله.

(وَحْيٌ) وحينئذ فيترتب عليها ما يترتب على الوحي يقظة، وهذا الحديث المرسل رواه مسلم مرفوعًا، وسيأتي في التوحيد من رواية شريك عن أنس مرفوعًا، قاله في (( الفتح ) ).

(ثُمَّ قَرَأَ) أي: عبيد بن عمير ( {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ) [الصافات:102] وجه الاستدلال بالآية من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده لأنه محرم، ولولا أنه أبيح له بالوحي في الرؤيا لما ارتكبه.

قال في (( الفتح ) ): وأغرب الداودي في (( شرحه ) )فقال: قول عبيد بن عمير لا تعلق له بهذا الباب، وهذا إلزام منه للبخاري بأنه لا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط، ولم يشترط ذلك أحد، وإن أراد أنه لا يتعلق بحديث الباب أصلًا فممنوع انتهى.

وقد اختلف في الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ والمعتمد الأول، قيل إنه رأى ما تعبيره الذبح، وقيل إنه رأى ليلة التروية أن قائلًا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك فلما أصبح روى أنه من الله أو من الشيطان، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بذبحه وقال له ذلك، ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية، وعرفة والنحر، فلما علم الله تعالى صدقه وعدم تردده في ذلك أنزل له فداء ولده من الجنة كما قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} إلى قوله {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات:104 - 107] .

وعند أبي حنيفة ومحمد لو نذر ذبح ولده لزمته شاة استدلالًا بهذه القصة، وألغاه أبو يوسف كالشافعي ولغا لو بذبح نفسه أو عبده، وأوجب محمد الشاة، ولو بذبح أبيه أو أمه لغا إجماعًا لأنهما ليسا من كسبه.

وفي الحديث أن نوم النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعًا لا ينقض وضوءه وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيقظة قلوبهم يؤمن معها طرو الحدث.

وأما ما روي من أنه توضأ بعد النوم فلعارض آخر كعلمه بخروج ناقض، أو لأن ذلك النوم الذي لا ينقض وضوءه النوم الخفيف، والذي كان يتوضأ بعد الانتباه منه النوم المستغرق الطويل، وإما أنه كان يفعله للاحتياط، كما ذكره في (( منحة الباري ) ).

وأقول: أو لتجديد الوضوء؛ لأنه نور على نور.

وفيه: جواز مبيت من لم يحتلم عند محرمه ولو كان زوجها عندها.

وفيه: ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق والتواضع.

وفيه: صلة الرحم.

وفيه: فضل ابن عباس رضي الله عنهما وفهمه وذكاؤه.

وفيه: الاقتداء بأفعاله صلى الله عليه وسلم.

وفيه: جواز الاقتداء في النافلة وصحة الجماعة فيها، واقتداء واحد بواحد وائتمام الصبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في (( سننه ) ).

وفيه: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وعن سعيد أن موقفه عن يساره، وعن أحمد إن وقف عن يساره بطلت صلاته.

وفيه: أن أقل الوضوء وهو مرة مرة يجزئ إذا أسبغ.

وفيه: تعليم الإمام المأموم.

وفيه: جواز التعليم في الصلاة إذا كان من مصلحتها.

وفيه: إيذان الإمام بالصلاة وقيام الإمام مع المؤذن إذا آذنه.

وفيه: الاضطجاع على الجنب بعد التهجد.

وفيه: فضيلة قيام الليل وكان واجبًا في حقه صلى الله عليه وسلم ثم نسخ على الأصح.

وفيه: المبيت عند العالم ليراقب أفعاله فيقتدي بها.

وفيه: طلب العلو في السند فإنه كان يكتفي بأخبار خالته أم المؤمنين.

وفيه: أن حكم النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتكلم فيها.

وفيه: أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير والمفضول عن يمين الفاضل ذكره الخطابي.

وفيه: أن النوم بعينه ليس بحدث وإنما هو مظنة له ومنزل منزلته فلذا لا ينتقض نوم التمكن.

وفيه: جواز فتل أذن الصغير للتنبيه على التعليم والإرشاد ولم يذكر في هذا الحديث كيفية التحويل.

وقد اختلفت فيه روايات الصحيح، ففي بعضها: (( أخذ برأسه فجعله عن يمينه ) )، وفي بعضها: (( فوضع يده اليمنى على رأسي فأخذ بأذني اليمين ففتلها ) )، وفي بعضها: (( فأخذ برأسي من ورائي ) )، وفي بعضها: (( بيدي أو عضدي ) )والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات من العيني ملخصًا.

ج 1 ص 581

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت