فهرس الكتاب

الصفحة 1037 من 1465

(أَبْوَابُ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ) قال في (( الفتح ) ): ولم يفرده البخاري بكتاب فيما رأينا من نسخ كتابه، بل أتبع به كتاب الأذان؛ لتعلقه به، لكن ترجم عليه أبو نعيم في (( المستخرج ) )كتاب صلاة الجماعة، ولعلها رواية شيخه أبي أحمد الجرجاني.

(29) (باب وُجُوبِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ) قال في (( الفتح ) ): هكذا بت الحكم في هذه المسألة، وكان ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين؛ لما عرف من عادته بأنه يستعمل الآثار في التراجم؛ لتوضيحها وتكميلها، وتعيين أحد المحتملات في حديث الباب، وبهذا يجاب من اعترض عليه بأن قول الحسن يستدل له لا به. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: لا يقال: هذه القسمة إلا في الغرض فيقال: فرض عين وفرض كفاية.

اللهم إلا أن يكون عند من لم يفرق بين الواجب والفرض، ومن أين علم أن البخاري أراد وجوب العين، ومن أين يدل عليه أثر الحسن، وكيف يجوز الاستدلال على وجوب العين بالأثر المروي عن التابعي، وهذا محل النظر. انتهى.

وأقول:

أما الاعتراض الأول: فقد اعترف هو بعدم وروده بقوله: اللهم إلا أن يكون عند من لم يفرق بين الواجب والفرض، وعند الشافعية لا فرق بينهما إلا في الحج.

وأما الثاني: فلما قام عنده من القرائن الدالة على تلك الإرادة.

وأما الثالث: ففي كلام صاحب (( الفتح ) )ما يدفعه، وذلك قوله: لما عرف من عادته بأنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها ... الخ.

وكيف يرد الاعتراض بعد قوله: وبهذا يجاب من اعترض عليه بأن قول الحسن يستدل له لا به، فليتأمل.

بل الحديث دال على كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، فكيف يأمر بتحريق بيوت قوم لا يشهدونها.

(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي: البصري (إِنْ مَنَعَتْهُ) أي: الشخص (أُمُّهُ عَنِ الْعِشَاءِ) أي: عن صلاتها (فِي الْجَمَاعَةِ) وفي بعض النسخ: بالتنكير (شَفَقَةً عليه لَمْ يُطِعْهَا) قال في (( الفتح ) ): ولم ينبه أحد من الشراح على من وصل أثر الحسن، وقد وجدته بمعناه وأتم منه، وأصرح في كتاب الصيام للحسين بن الحسن المروزي بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم يعني تطوعًا، فتأمره أمه أن يفطر، قال: ليفطر ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة، قال: ليس ذلك لها هذه فريضة.

وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية؛ لكانت قائمة بالرسول ومن معه.

ويحتمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة، ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك. انتهى.

وقال العيني: استدل بالحديث على أن الجماعة فرض عين.

وقال صاحب (( التلويح ) ): اختلف في صلاة الجماعة هل هي شرط في صحة الصلاة

ج 2 ص 429

كما قال داود بن علي وأحمد بن حنبل، أو فرض على الأعيان كما قاله جماعة من العلماء ابن خزيمة وابن المنذز وهو قول عطاء والأوزاعي وأبي ثور وهو الصحيح عند أحمد.

وقال في (( شرح المهذب ) ): وقيل: إنه قول للشافعي، وعن أحمد: واجبة ليست بشرط، وقيل: سنة مؤكدة كما قاله القدوري.

وفي (( شرح الهداية ) ): عامة مشايخنا أنها واجبة، وقد سماها بعض أصحابنا سنة مؤكدة، وفي (( المفيد ) ): الجماعة واجبة وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة.

وفي (( البدائع ) ): إذا فاتته الجماعة لا يجب عليه الطلب في مسجد آخر بلا خلاف بين أصحابنا يكن إذا أتى مسجدًا يرجو إدراك الجماعة فيه فحسن، وإن صلى في مسجد حيه فحسن.

وعن القدوري: يجمع بأهله.

وفي (( التحفة ) ): إنما تجب على من قدر عليها من غير حرج، وتسقط بالعذر، ولا يجب على المريض، ولا على الأعمى والزمن ونحوهم هذا إذا لم يجد الأعمى والزمن من يحمله، وكذا إن وجد عند أبي حنيفة، وعندهما يجب، وعن شرف الأئمة وغيره تركها بغير عذر يوجب التعزير ويأثم الجيران بالسكوت عن تاركها.

وعن بعضهم: لا تقبل شهادته فإن اشتغل بتكرار اللغة لا يعذر في ترك الجماعة، وبتكرار الفقه أو مطالعته لا يعذر، فإن تركها أهل ناحية قوتلوا بالسلاح.

وفي (( القنية ) ): من يشتغل بتكرار الفقه ليلًا ونهارًا، ولا يحضر الجماعة لا يعذر ولا تقبل شهادته.

وقال أبو حنيفة: سهى أو نام أو شغله عن الجماعة شغل، جمع بأهله في منزله وإن صلى وحده يجوز.

واختلف العلماء في إقامتها في البيت، والأصح أنها كإقامتها في المسجد.

وفي (( شرح خواهر زاده ) ): أنها سنة مؤكدة غاية التأكيد، وهي فرض كفاية وهو اختيار الطحاوي والكرخي وغيرهما، وهو قول الشافعي المختار، وقيل: سنة.

وفي (( الجواهر ) )عن مالك: هي سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية. انتهى.

وقد أبدى الشيخ قطب الدين القسطلاني كما نقله عنه البرماوي في (( شرح عمدة الأحكام ) )حكمًا لطيفة لمشروعية الجماعة للصلوات منها قيام نظام الألفة بين المصلين، ولذا شرعت المساجد في المحال؛ ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران، ومنها: قد يتعلم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها، ومنها: أن مراتب الناس متفاوتة في العبادة، فتعم بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاة الجميع.

وقال الأسنوي: الأصل في طلب الجماعة من الكتاب قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} [النساء:102] ، فأمر بالجماعة حال الخوف، ففي غيرها من باب أولى ومن السنة ما سيأتي، وانعقد الإجماع على طلبها، والحكمة فيه أن الاجتماع على الصلاة مشتمل على مطلوبات كثيرة كإفشاء السلام بين الحاضرين والتودد لهم، ومعرفة أحوالهم، فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين.

ومنها: نظافة القلوب، والتحريك للإنابة والخضوع، وزيادة العمل عند مشاهدة أرباب الجد، فطلب الشارع اجتماع أهل الخطط والمحال في مساجدهم في كل يوم خمس مرات، واجتماع أهل البلد في الجمعة مرة واحدة في المسجد الجامع، وأهل الرساتيق، والسواد مع أهل البلد في السنة مرتين، وذلك في العيدين، واجتماع أهل الأمصار والأقاليم في السنة مرة واحدة في موقف عرفة، وفيها على جهة الإيجاب في العمر مرة، وقد تقدم في باب الصلاة في مسجد السوق أن صلاة الجماعة تتفاوت فضيلتها بحسب كثرة الجماعة وقلتها، خلافًا لما هو الأصح عند المالكية أنها لا تتفاوت، وأوردنا هناك الحديث الدال على التفاوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت