فهرس الكتاب

الصفحة 1038 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

644 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن

ج 2 ص 430

بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ) زاد مسلم: (( فقدنا ناسًا في بعض الصلوات ) ).

فقال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) هذا القسم كثيرًا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم به؛ أي: والذي نفسي بتقديره وتدبيره، وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه تنبيهًا على عظم شأنه، وفيه الرد على من كره الحلف بالله مطلقًا (لَقَدْ هَمَمْتُ) بفتح الميم الأولى واللام في جواب القسم، والهم العزم، وقيل: دونه؛ أي: قصدت.

(أَنْ آمُرَ) بهمزة مفتوحة ممدودة وميم مضمومة (بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ) بفتح الفاء وضم المثناة التحتية فحاء مهملة ساكنة فطاء فموحدة بالنصب عطفًا على أن آمر، وللحموي والمستملي: بلام التعليل، ولابن عساكر وأبي ذر: مبنيًا للمفعول من باب التفعَّل، ولابن عساكر أيضًا: بالبناء للمفعول من باب التفعيل.

قال في (( الفتح ) ): ومعنى يحطب يكسر ليسهل إشعال النار به، ويحتمل أن يكون أطلق عليه ذلك قبل أن يتصف به تجوزًا بمعنى أنه سيتصف به.

وتعقبه العيني فقال: ليس المعنى كذلك، والمعنى: أن آمر بحطب فيحطب؛ أي: فيجمع، وكذلك معنى يحتطب كما ذكرناه، ولم يقل أحد من أهل اللغة أن معنى يحطب يكسر. انتهى.

أقول: ويمكن أن يكون مراد صاحب (( الفتح ) ): بيكسر: يقطع الحطب من أصله، فيجمعه فهو من إطلاق السبب الذي هو القطع المعبر عنه بالكسر، وإرادة المسبب الذي هو الجمع، فليتأمل.

ولابن عساكر: بفتح الحاء وتشديد الطاء، ولأبي الوقت: بسكون الحاء وزيادة فوقية بعدها وهو منصوب في هذه الروايات بالعطف على آمر المنصوب بأن.

(ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ) أي: العشاء أو الفجر أو الجمعة أو مطلقًا روايات، قيل: اختلافها لجواز تعدد الواقعة (فَيُؤَذَّنَ) بفتح الذال مشددة (لَهَا) أي: يعلم الناس لأجلها، وروي: (( بها ) )بالباء، قاله ابن الملقن.

وقال أيضًا: إن جعلت الألف واللام في الصلاة للجنس فهو عام، وإن جعلت للعهد ففي رواية: أنها العشاء إلى آخر ما تقدم من الاحتمالات.

نعم: إذا كانت هي الجمعة، فالجماعة شرط فيها، ومحل الخلاف في غيرها.

قال البيهقي: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة، ونوزع في ذلك. انتهى.

(ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا) نكرة؛ لأن الغرض لم يتوجه إلى معين (فَيَؤُمَّ النَّاسَ) أي: يصلي بهم إمامًا (ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أي: آتيهم من خلفهم.

قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان؛ أي: يأتيه إذا غاب عنه.

وقال الزمخشري: يقال: خالفني إلى كذا إذا قصده، وأنت مؤول عنه، والمعنى: أخالف المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة فأحرقها عليهم.

وقيل: المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة فأتركه وأسير إليهم، أو المعنى أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، وقيل: معنى أخالف: أتخلف عن الصلاة إلى قصد تحريق المذكورين، وقيد بالرجال ليخرج النساء والصبيان، ولا بد هنا من تقدير صفة للرجال؛ أي: رجال لم يشهدوا الصلاة.

(فَأُحَرِّقَ) بالنصب وتشديد الراء كسوابقه.

قال ابن الملقن: يقال: أحرقت الثوب وحرقته، والتشديد للتكثير وهي أكثر في رواية هذا الحديث من التخفيف.

(عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) فيه إشعار بأن التحريق ليس قاصرًا على المآل، بل المراد تحريق المقصودين والبيوت تبع لهم، وفي رواية مسلم من طريق صالح: (( فأحرق بيوتًا على من فيها ) ).

قال ابن الملقن: وحديث النهي عن التعذيب بالنار يحتاج إلى الجمع بينه وبين ما نحن فيه، فإن ادعى أنه ناسخ فيحتاج إلى إثبات، فإن النسخ خلاف الأصل.

وقال شيخ الإسلام: لكن قام الإجماع على المنع منه.

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ) أي: المتخلفين عن شهود الجماعة، وأعاد القسم مبالغة في التهديد (أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا) بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالقاف.

قال الكرماني: هو العظم الذي أخذ عنه اللحم؛ أي: ويبقى عليه شيء يسير.

وقد قال الأزهري: العرق: واحد العراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق.

وفي (( المحكم ) )عن الأصمعي: العرق بسكون الراء هو قطعة لحم.

قال في (( الفتح ) ): وقول الأصمعي هو اللائق هنا لقوله: (سَمِينًا) بفتح السين المهملة ضد الهزيل (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) بكسر الميم الأولى وقد تفتح تثنية مرماة، ظلف الشاة، أو ما بين ظلفها من اللحم على ما نقله المستملي عن البخاري، وقيل: إنه سهم يتعلم عليه الرمي وهو أصغر السهام وأرذلها.

ج 2 ص 431

(حَسَنَتَيْنِ) تثنية حَسنة بفتح الحاء والسين المهملتين نعت لمرماتين، وصفهما بالحسن كما وصف العرق بالسمن؛ ليكون ثم باعث نفساني على تحصيلهما.

وقال الطيبي: الحسنتين بدل من المرماتين إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتين صفة لمرماتين.

قال العيني: وحكى الحربي عن الأصمعي: أن المرماة: سهم الهدف.

قال: ويؤيده ما حدثني، ثم ساق من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: (( إن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل ) )أي: لبادر إلى حضور الصلاة معي.

وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه ويدفعه ذكر العرق معه.

(لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) بالمد جواب لو، وهو على تقدير مضاف؛ أي: صلاتها، والمعنى: لو علم أنه إذا حضر الصلاة يجد نفعًا دنيويًا ولو خسيسًا قليلًا من مطعوم أو ملعوب ومتلهى به؛ لحضرها لقصور همته على الدنيا الدنية، ولا يحضرها لما لها من المثوبات الأخروية فهو توبيخ ولوم لهم.

وفي الحديث من الفوائد ما دلت عليه الترجمة من وجوب صلاة الجماعة، وتقدم الكلام على ما فيها من الأقوال.

قال في (( الفتح ) )بعد قوله والمشهور عن الباقين: أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة: أحدها: ما تقدم.

ثانيها: ما قاله ابن بزيزة: أن بعضهم استنبط من الحديث عدم الوجوب؛ لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجيه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرضًا لما هم بتركها.

ثالثها: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراق من تخلف عن الجماعة لم تجزه صلاته.

رابعها: ما قاله الباجي وغيره: أن الحضور ورد مورد الزجر، فالمراد المبالغة كما يرشد إليه وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وانعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.

خامسها: كونه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم فلو كان واجبًا لما عفا عنهم.

سادسها: المراد قوم بأعيانهم تركوا الصلاة رأسًا.

سابعها: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة أهل النفاق، والتشبه بهم لا بخصوص ترك الجماعة.

ثامنها: أن الحديث ورد في حق المنافقين وأطال فيه.

تاسعها: أن فريضة الجماعة كان في صدر الإسلام ثم نسخ.

عاشرها: أن المراد بالصلاة الجمعة لا باقي الصلوات.

ونصره القرطبي، وأطال فيه جدًا ثم قال: واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح، ومثله في العيني بل زاد وأطال في هذا الباب سابقًا ولاحقًا، وذكر من الأحاديث الدالة على الوجوب ما رواه أبو داود بسند لا بأس به عن أبي الدرداء مرفوعًا: (( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة إنما يأكل الذئب القاصية ) ). انتهى.

وفيه أيضًا: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة؛ لأن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، وفيه: جواز العقوبة بالمال بحسب الظاهر، واستدل به قوم من القائلين بذلك من المالكية وعزى ذلك إلى مالك.

وأجاب الجمهور عنه: بأنه كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ.

وفيه جواز إخراج من طلب بحق من بيته إذا اختفى فيه، وامتنع بكل طريق يتوصل إليه كما أراد صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.

وفيه: جواز أخذ أهل الجرائم على غرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحقق من أنه لا يطرقهم فيه، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل.

وفيه: جواز الحلف من غير استحلاف كما في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: جواز التخلف عن الجماعة؛ لعذر كالمرض والخوف من ظالم أو حيوان، ومنه: خوف فوات الغريم، وفيه: جواز إقامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان فيه مصلحة.

قال العيني: واستدل ابن العربي منه في شيئين:

أحدهما: جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك.

قلت: وبذلك روي عن بعض أصحابنا، وادعى الجمهور النسخ فيه كما في العقوبة بالمال.

والثاني: استدل به على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها، وفيه نظر لا يخفى. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت