(19) (باب) : بالتنوين (لاَ يُمْسِكُ) بضم الياء، وبالرفع في اليونينية على أن لا نافية، ومعناها: النهي، وفي غيرها: بالجزم، وفي نسخة من الفرع كأصله: (ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ) : قال في (( الفتح ) ): أشار بهذه الترجمة: إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين، كما في الباب قبله؛ محمول على المقيد بحالة البول، فيكون ما عداه مباحًا.
وقال بعض العلماء: يكون ممنوعًا أيضًا من باب أولى؛ لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة في تلك الحالة.
وتعقبه أبو محمد بن أبي جمرة؛ بأن مظنَّة الحاجة لا تختص بحالة الاستنجاء، وإنما خص النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطَى حكمه، فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسمًا للمادة، ثم استدل على الإباحة بقوله صلى الله عليه وسلم لطلق بن علي حين سأله عن مس ذكره: (( إنما هو بضعة منك ) )فدل على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة. انتهى.
والحديث الذي أشرنا إليه صحيح، أو حسن، وقد يقال: حمل المطلق على المقيد غير متفق عليه بين العلماء، ومن قال به؛ اشترط فيه شروطًا.
لكن نبَّه ابن دقيق العيد: على أن محل الاختلاف إنما هو حيث تتغاير مخارج الحديث بحيث يعد حديثين مختلفين، فأما إذا اتحد المخرج، وكان الاختلاف فيه من بعض الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد بلا خلاف؛ لأن التقييد حينئذٍ يكون زيادة من عدل فتقبل. انتهى ما في (( الفتح ) ).
وتعقبه العيني فقال: هذا كلام فيه خِباط؛ لأن الحاصل من معنى الحديثين واحد، وكلاهما مقيد.
أما الأول؛ فلأن إتيان الخلاء في قوله: (( وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ) )، كناية عن التبول، والمعنى: إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، والجزاء قيد في الشرط.
وأما الثاني؛ فهو صريح في القيد، وكلاهما واحد في الحقيقة، فكيف يقول هذا القائل: أن ذاك المطلق محمول على المقيد؟!
ثم نقل عبارته إلى قوله، وبقي ما عداها على الإباحة.
أقول: خلاصة ما اعترض به العيني: أن ليس هنا مطلق ومقيد، بل الحديثان مقيدان بوقت قضاء الحاجة، فبقي ما وراءها على إطلاقه من أصل الجواز على أن قول صاحب (( الفتح ) ): لكن نبه ابن دقيق العيد ... إلخ يجنح إلى ذلك، وهو قريب من مذهب الحنفية في المطلق والمقيد أنه لا يحمل المطلق على المقيد، إلا إذا اتحدت
ج 1 ص 606
الحادثة والحكم، ومحل تفصيل ذلك في كتب الأصول.