فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

153 - (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: بالإفراد (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة مخففة البصري الزهراني، من قدماء شيوخ البخاري (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) : أي: ابن عبد الله (هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ) بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة الفوقية وبالهمز من غير نون.

وقال الكرماني: وقيل: بالقصر وبالنون، وذكره لغرض التعريف ورفع الإبهام، وإنما قال بهذه العبارة اقتصارًا على ما ذكره شيخه، واحترازًا عن الزيادة على لفظه. انتهى.

(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بمثلثة أبي نصر الطائي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أبي إبراهيم البلخي، المتوفى سنة خمس وتسعين على ما قاله العيني ومن تبعه، وسنة خمس ومائة على ما قاله الكرماني (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة واسمه الحارث، والنعمان، أو عمرو بن رِبعِي بكسر الراء وسكون الموحدة، السَّلَمي بفتح السين، ويجوز في لغةٍ: كسرها المدني، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أحدًا والخندق وما بعدهما، والمشهور أنه لم يشهد بدرًا، ومناقبه جمَّة، مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة، سنة أربع وخمسين على أحد الأقوال، عن سبعين سنة، ولا يعلم من الصحابة من يكنى بهذه الكنية سواه، وصلى عليه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكبر عليه سبعًا، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وسبعون حديثًا، أخرج البخاري له ثلاثة عشر حديثًا.

(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) : حذف مفعوله؛ لقصد العموم أي ماء أو غيره (فَلاَ يَتَنَفَّسْ) : بالجزم فيه وفي الفعلين بعده على النهي، وبالرفع فيها على النفي مجازًا عن النهي (فِي الإِنَاءِ) : أي: الوعاء، وجمعه: آنية، وجمع الآنية: الأواني.

قال العيني: التنفس له معنيان:

أحدهما: أن يشرب ويتنفس في الإناء من غير أن يبينه عن فيه، وهو مكروه.

والآخر: أن يشرب الماء وغيره من الإناء بثلاثة أنفاس، فيبين فاه في كل نفس عن الإناء، وأصل التركيب يدل على خروج النسيم كيف كان من ريح أو غيرها، وإليه ترجع فروعه.

والتنفس: خروج النفس من الفم، وكل ذي رئة يتنفس، وذوات الماء لا رئات لها، كذا قاله الجوهري.

قال الخطابي: نهيه عن التنفس في الماء نهي أدب؛ لأنه إذا فعل ذلك لا يأمن أن يبرز من فيه الريق، فيخالط الماء، فيعافه الشارب، وربما يروح بنكهة المتنفس إذا كانت فاسدة، والماء للطفه ورقة طبعه يسرع إليه الروائح، ثم إنه بعد من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعت، ثم تنفست فيها، ثم عادت، فشربت. انتهى.

واختلف في الأنفاس التي على وجه السنة أيها أطول؟ …

فقيل: الأول، والصحيح: أن الأول أقصر الثلاثة، والثاني أزيد

ج 1 ص 604

منه، والثالث أزيد من الثاني.

قال الكرماني: والسنة: أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفسًا من الإناء نحاه عن فمه، ثم عاد مصًَّا له غير عبٍّ إلى أن يأخذ ريَّه منه. انتهى.

وقال العيني: والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب، وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه، وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم، ولذا جاء في الحديث: (( مصوا الماء مصًا ولا تعبوه عبًا؛ فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ ) ).

وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما، ويخرج من الآخر، فينتفي ما على القلب من هم، أو قذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، ويخشى من كثرة التنفس في الإناء أن يصحبه شيء مما في القلب، فيقع في الماء، ثم يشربه فيتأذى به، وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة، فيستحب الذكر في أولها، والحمد في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل بينهما، فقد أخل بعدة سنن. انتهى.

وفيه أيضًا: فإن قلت: قد صح عن أنس: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثًا )

قلت: المعنى يتنفس في مدة شربه عند إبانة القدح عن الفم، لا التنفس في الإناء لاسيما مع قوله: أهنأ وأمرأ وأبرأ، أو فعله بيانًا للجواز، أو النهي خاص بغيره؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه. انتهى.

والنهي عن التنفس في الإناء لا يختص بالماء، بل يشمل كل مشروب ماء أو غيره؟!

بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والنفخ في معنى التنفس.

ففي (( جامع الترمذي ) )مصححًا عن أبي سعيد الخدري: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء، قال: (( أهرقها ) )، قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: (( فأَبِن القدح إذًا عن فيك ) ). قاله العيني.

والدليل على العموم: حذف المفعول في قوله: (( إذا شرب ) )إذ حذفه يبتنى عن العموم.

(وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ) : فبال كما فسرته الرواية الآتية: (( أو تغوط ) ) (فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ) : وكذا دبره بيمينه.

قال العيني: النهي فيه تنزيه لها عن مباشرة العضو الذي يكون فيه الأذى والحدث، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه مصونةً عن مباشرة التفل ومماسة الأعضاء التي هي مجاري الأتفال والنجاسات، ويسراه لخدمة أسافل بدنه وإماطة ما هنالك من القاذورات، وتنظيف ما يحدث فيها من الأدناس.

فإن قلت: الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول، فكيف الحكم في غير هذه الحالة؟ …

قلت: روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة قالت: (( كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى ) ). وأخرجه بقية الجماعة أيضًا.

وروى أيضًا من حديث حفصة قالت: (( كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك ) ).

وظاهر هذا يدل على عموم الحكم على أنه قد روي النهي عن مسه باليمين مطلقًا غير مقيد بحالة البول، فمن الناس من أخذ بهذا المطلق، ومنهم من حمله على الخاص.

فإن قلت: النهي فيه للتنزيه أو التحريم؟!

قلت: للتنزيه عند الجمهور؛ لأن النهي فيه لمعنيين:

أحدهما: لرفع قدر اليمين.

والآخر: أنه لو باشر النجاسة بها يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة، فينفر طبعه من ذلك، وحمله أهل الظاهر على التحريم، حتى قال الحسين بن عبد الله الناصري منهم: لو استنجى بيمينه لا يجزئه، وهو وجه عند الحنابلة، وطائفة من الشافعية. انتهى ملخصًا.

(وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) : أي: لا يستنجي بها لشرفها.

قال في (( الفتح ) ): وقد أثار الخطابي هنا بحثًا وبالغ في التحجج به، وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه ناظر رجلًا من الفقهاء الخراسانيين، فسأله عن هذه المسألة، فأعياه جوابها، ثم أجاب الخطابي عنها بجواب فيه نظر.

ومحصل الإيراد: أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، ومحصل الجواب: أنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة، كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة، فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد،

ج 1 ص 605

فليلصق مقعدته بالأرض، ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه، أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره؛ فلا يكون متصرفًا في شيء من ذلك بيمينه. انتهى.

وهذه هيئة منكرة، بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات، وقد تعقبه الطيبي: بأن النهي عن الاستنجاء باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر؛ فبطل الإيراد من أصله، كذا قال، وما ادعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصًا بالذكر، لكنه يلحق به الدبر قياسًا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر؛ لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خص.

والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي: ما قاله إمام الحرمين، ومن بعده: كالغزالي في (( الوسيط ) )، والبغوي في (( التهذيب ) )، أنه يمر بالعضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه، وهي قارة غير متحركة، فلا يعد مستجمرًا باليمين، ولا ماسًا بها، ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمينه، فقد غلط، وإنما هو كمن صب الماء بيمينه على يساره حال الاستنجاء. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: دعواه بأن هذه هيئة منكرة فاسدة؛ لأن الاستجمار بالجدار ونحوه غير بشيع، وهذا ظاهر، وتصويبه: ما قاله هؤلاء: إنما يتمشى في استجمار الذكر، وأما في الدبر؛ فلا، على ما لا يخفى. انتهى.

وأقول: لا يخفى ما فيه من التحامل؛ لأن الهيئة المنكرة التي أشار إليها هي إلصاق مقعدته بالأرض، وإمساك ما يستجمر به بين عقبيه، أو إبهامي رجليه لا مجرد الاستجمار بالجدار.

وقوله: وتصويبه: ما قاله هؤلاء ... إلخ غير وارد على ما لا يخفى؛ لأن الاستنجاء في الدبر غير مفتقر إلى كلتا اليدين، بل تكفي فيه اليد اليسرى.

قال العيني: ويستنبط من الحديث جواز الشرب بنفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه؛ فلا يكون مخالفًا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا: هو شرب الشيطان.

وفي الترمذي محسنًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: (( لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت