فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 1465

واقتصر العيني على كون ما مصدرية وجعل كلمة من بيانية، وفيه نظر إذ الوقوع لا بد أن يضاف إلى النجاسات، فكيف يصح أن تجعل من الداخلة على النجاسات للبيان ولما سبكها بالمصدر أضافه إلى النجاسات فقال: هذا باب في بيان حكم وقوع النجاسة في السمن والماء، ويمكن تصحيح ما قدره، لكن لا بما ذكره بل يكون من زائدة على مذهب من لا يشترط في زيادتها النفي أو شبهه فالوجه الوجيه الذي تقتضيه طبيعة التركيب أن ما موصول اسمي وتحتمل النكرة الموصوفة.

وقال في (( الفتح ) ): أي: هل ينجسهما أم لا أو لا ينجس الماء إلا إذا تغير دون غيره؟.

وهذا الذي يظهر من مجموع ما أورده المصنف في الباب من أثر وحديث.

وتعقبه العيني فقال: لا حاجة إلى هذا التفسير فكأنه لما خفي عليه المعنى الذي ذكرناه قدر ما قدره. انتهى.

وفيه ما تقدم من النظر آنفًا، فالوجه ما قدره صاحب (( الفتح ) ).

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب مما وصله ابن وهب في (( جامعه ) )عن يونس عنه (لاَ بَأْسَ بِالْمَاءِ) أي: باستعماله على أي حال كان؛ لأنه محكوم بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء المشددة والضمير المنصوب راجع إلى الماء.

وقوله: (طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) أي: من شيء نجس فاعل يغير؛ أي: مدة عدم تغيير أحد هذه الثلاثة له فوجود واحد من هذه الثلاثة منجس للماء، وأما طهارته فلا بد فيها من انتفاء جميعها ولفظ يونس عنه كلما فيه قوة عما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ولا ريحه ولا لونه فهو طاهر.

قال في (( الفتح ) ): ومقتضى هذا أنه لا يفرق بين القليل والكثير إلا بالقوة المانعة للملاقي أن يتغير أحد أوصافه فالعبرة عنده بالتغير وعدمه، ومذهب الزهري هذا صار إليه طوائف من العلماء.

وقد تعقبه أبو عبيد في كتاب (( الطهور ) ): بأنه يلزم منه أن من بال في إبريق ولم يغير للماء وصفًا أنه يجوز له التطهر به وهو مستبشع، ولهذا نصر قول التفريق

ج 1 ص 717

بالقلتين، وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في إسناده، لكن رواته ثقات وصححه جماعة من الأئمة إلا أن مقدار القلتين لم يتفق عليه، واعتبر الشافعي بخمس قرب من قرب الحجاز احتياطًا، وخصص به حديث ابن عباس مرفوعًا: (( الماء لا ينجسه شيء ) )، وهو حديث صحيح رواه الأربعة وابن خزيمة وغيرهم، وسيأتي مزيد لذلك في هذا الباب الذي بعد. انتهى.

وتعقب العيني قوله: ولهذا نصر قول التفريق بالقلتين بقوله: قلت كيف ينصر هذا بحديث القلتين.

وقد قال ابن العربي: مداره على علته أو مضطرب في الرواية أو موقوف، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي، واختلفت روايته فقيل قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثًا، وروي: أربعون قلة، وروي: أربعون غربًا، ووقف على أبي هريرة وعبيد الله بن عمر، وقال اليعمري: حكم ابن مندة بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف والاضطراب، ولعل مسلمًا تركه، لذلك قلت: ولذلك لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في إسناده.

وقال أبو عمر في (( التمهيد ) ): ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر؛ لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل.

وقال الدبوسي في كتاب (( الأسرار ) ): وهو خبر ضعيف ومنهم من لم يقبله؛ لأن الصحابة والتابعين لم يعملوا به.

وقال ابن بطال: ومذهب الزهري هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي ومذهب أهل المدينة وهي رواية أبي مصعب عن مالك وروى عنه ابن القاسم أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة وإن لم تظهر فيه وهو قول الشافعي وروي هذا المعنى عن عبد الله بن عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه وسعيد بن جبير وهو قول الليث وداود بن علي ومن اتبعه وهو مذهب أهل البصرة.

وقد قال بعض أصحابنا: هو الصحيح في النظر وثابت في الأثر من ذلك صب الماء على بول الأعرابي وحديث بئر بضاعة.

وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: (( الماء لا ينجسه شيء ) )ومذهب أصحابنا الماء إما جار أو راكد قليل أو كثير فالجاري إذا وقعت فيه النجاسة وكانت غير مرئية كالبول والخمر ونحوهما فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وإن كانت مرئية كالجيفة ونحوها فإن كان يجري عليها جميع الماء لا يجوز التوضؤ به من أسفلها وإن كان يجري عليها أكثره فكذلك اعتبارًا للغالب، وإن كان أقله يجري عليها يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري عليها النصف دون النصف فالقياس جواز التوضؤ، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطًا والراكد اختلفوا فيه فقال الظاهرية لا ينجس أصلًا.

وقالت عامة العلماء: إن كان الماء قليلًا ينجس وإن كان كثيرًا لا ينجس، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما فعندنا بالخلوص فإن كان يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل وإلا فهو كثير واختلف أصحابنا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص وإلا فهو مما لا يخلص واختلفوا في جهة التحريك؛ فعن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف، وعن محمد أنه يعتبر بالوضوء، وروي أنه باليد من غير اغتسال ولا وضوء وأما اعتبارهم في تفسير الخلوص.

فعن أبي حفص الكبير أنه اعتبره بالصبغ وعن أبي نصر محمد بن سلام أنه اعتبره بالتكدير وعن أبي سلام الجوزجاني أنه اعتبره بالمساحة فقال إن كان عشرًا في عشر فهو لا يخلص وإن كان دونه فهو مما يخلص.

وعن ابن المبارك أنه اعتبره بالعشر أولًا ثم بخمسة عشر وإليه ذهب أبو مطيع البلخي فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئًا وعن محمد أنه قدره بمسجده وكان ثمانيًا في ثمان وبه أخذ محمد بن سلمة.

وقيل: كان مسجده عشرًا في عشر، وقيل: كان ثمانيًا في ثمان وخارجه عشرًا في عشر وعن الكرخي لا عبرة للتقدير، وإنما المعتبر هو التحري فإن أكبر رأيه أن النجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز وإن كان أكبر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز. انتهى.

وقال المالكية: ليس للماء الذي تحله النجاسة قدر معلوم ولكنه متى تغير أحد أوصافه الثلاثة تنجس قليلًا كان أو كثيرًا.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) بفتح الحاء المهملة وتشديد

ج 1 ص 718

الميم هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة الفقيه الكوفي تقدم في باب قراءة القرآن بعد الحدث مما وصله عبد الرزاق في (( مصنفه ) ) (لاَ بَأْسَ) أي: لا حرج (بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) يعني ليس بنجس ولا ينجس الماء الذي وقع فيه سواء كان ريش المأكول لحمه أو غيره وهذا أيضًا مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم (فِي عِظَامِ الْمَوْتَى، نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما لم يؤكل (أَدْرَكْتُ نَاسًا) أي: كثيرين فإن التنكير قد يأتي للتكثير بقرينة المقام نحو قولهم في مقام الافتخار: إن لنا لإبلًا رشاء (مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ) أي: متقدميهم (يَمْتَشِطُونَ بِهَا) أي: بعظام الموتى؛ أي: يتخذون منها أمشاطًا ويمتشطون بها (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدال من باب الافتعال وأصله يتدهنون فقلبت التاء دالًا وأدغمت الدال في الدال (فِيهَا) أي: في عظام الموتى بأن يصنعوا منها مداهن يجعلون فيها الدهن (لاَ يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا) أي: حرجًا فلو كان عندهم نجسًا لما استعملوه أمشاطًا وأدهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجسه بناء على عدم القول بنجاسته وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف.

وقال محمد: هو نجس العين كالخنزير حتى لا يجوز بيع عظمه، ولا يطهر جلده بالدباغ، ولا بالذكاة، وعند الشافعي عظمه نجس كبقية عظام الميتة وسائر أجزائها إلا الشعر، فإن فيه عند الشافعية قولًا ضعيفًا وفي العظم أضعف منه.

(وَقَالَ) محمد (ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النخعي (لاَ بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ) وهو ناب الفيل أو عظمه مطلقًا.

وفي العيني: العاج بتخفيف الجيم جمع عاجة.

قال الجوهري: العاج عظم الفيل، وكذا قال في (( العباب ) )ثم قال: والعاج أيضًا الذيل وهو ظهر السلحفاة البحرية يتخذ منه السوار والخاتم وغيرهما.

وفي (( المحكم ) ): العاج أنياب الفيلة، ولا يسمى غير الناب عاجًا، وقد أنكر الخليل أن يسمى سوى أنياب الفيلة عاجًا وذكر غيره أن الذيل يسمى عاجًا، وكذا قاله الخطابي، وأنكروا عليه والذيل بفتح الذال المعجمة وسكون الباء الموحدة.

قال الأزهري: الذيل القرون فإذا كان من عاج فهو مسك وعاج ووقف، وإذا كان من ذيل فهو مسك لا غير.

وقال بعضهم: قال القالي: العرب تسمي كل عظم عاجًا فإن ثبت هذا فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة عظم الفيل.

قلت: مع وجود النقل عن الخليل لا يعتبر نقل القالي مع ما ذكرنا من الدليل على طهارة عظم الميتة مطلقًا. انتهى ملخصًا.

ومراده بالبعض صاحب (( الفتح ) ).

وأجاب في (( الانتقاض ) )بقوله: قلت القالي مثبت والخليل ناف، والمثبت أولى بالقبول إذا كان ثقة ضابطًا إذ فوق كل ذي علم عليم. انتهى.

ثم إن أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرزاق بلفظ: (( أنه كان لا يرى بالتجارة في العاج بأسًا ) )وهو يدل على أنه كان يراه طاهرًا؛ لأنه لا يجيز بيع النجس ولا المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كما يدل عليه قصته المشهورة في الزيت، وإيراد المؤلف لهذا كله يدل على أن الماء عنده قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلا بالتغير كما هو مذهب مالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت