وبالسند إلى المؤلف قال:
235 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) بن أنس (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) زاد الأصيلي: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) مصغرًا (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) مكبرًا، زاد ابن عساكر: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنْ) خالته (مَيْمُونَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ) بالبناء للمفعول (عَنْ فَأْرَةٍ) بهمزة ساكنة.
قال في (( الفتح ) ): والسائل عن ذلك هي ميمونة وقع في رواية يحيى القطان وجويرية عن مالك في هذا الحديث أن ميمونة استفتت رواه الدارقطني وغيره. انتهى.
وقال العيني متعقبًا له: قلت: في رواية البخاري من طريقين تصريح بأن السائل غير ميمونة مع أنه يحتمل أنه غيرها، ولكن لا يمكن الجزم بأنها هي السائلة كما جزم به هذا القائل. انتهى.
وأقول: في عبارته حزازة لا تخفى إذ بعد نقله التصريح بأن السائل غير ميمونة كيف يطرق احتمال أنه غيرها ولعل ذلك من تحريف النساخ.
(سَقَطَتْ) أي: وقعت (فِي سَمْنٍ) أي: جامد، كما في رواية النسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن مالك في سمن جامد، زاد المصنف في الذبائح: (( فماتت ) ) (فَقَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (أَلْقُوهَا) بقطع الهمزة؛ أي: اطرحوها (وَمَا حَوْلَهَا) من السمن.
قال العيني: وفي قوله: حولها دليل على أن السمن جامد؛ لأن المائع لا حول له؛ لأن الكل حوله،
ج 1 ص 719
وهذا ما لم يتحقق أن شيئًا منها وصل إلى شيء خارج عما حولها. انتهى.
(وَكُلُوا سَمْنَكُمْ) أي: بقيته لطهارته بعدم سريان النجاسة إليه؛ لأنه جامد ويقاس على هذا نحو العسل والدبس إذا كانا جامدين.
قال العيني: وأما المائع فقد اختلفوا فيه فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله قليلًا كان أو كثيرًا وقد شذَّ قوم فجعلوا المائع كله كالماء، ولا يعتبر ذلك وسلك داود من على مسلكهم إلا في السمن الجامد والذائب فإنه تبع ظاهر هذا الحديث وخالف معناه في العسل والخل وسائر المائعات فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها فشذ أيضًا، ويلزمه أن لا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن.
قال أبو محمد: واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته فقال طائفة من العلماء: لا يستصبح به ولا ينتفع بشيء منه وممن قال ذلك الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل محتجين بالرواية المذكورة وإن كان مائعًا فلا تقربوه وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز.
وقال آخرون: بجواز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل والبيع وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري أما الأكل فمجمع على تحريمه إلا الشذوذ الذي ذكرناه، وأما الاستصباح فروي عن علي وابن عمر أنهما أجازا ذلك ومن حجيتهم في تحريم بيعه قوله صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه ) ).
وقال آخرون: ينتفع به ويجوز بيعه ولا يؤكل وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد، وقد روي عن أبي موسى الأشعري والقاسم وسلام محتجين بالرواية الأخرى وإن كان مائعًا، فاستصبحوا به وانتفعوا والبيع من باب الانتفاع.
وأما قوله في حديث عبد الرزاق: (( وإن كان مائعًا فلا تقربوه ) )فيحتمل أن يراد به الأكل وقد أجرى صلى الله عليه وسلم التحريم في شحوم الميتة من كل وجه ومنع الانتفاع بشيء منها ومن حجة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات.
وأما الزيت ونحوه تقع فيه الميتة فإنما ينجس بالمجاورة وما ينجس بالمجاورة فبيعه جائز كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه ) )فإنما حرم على لحوم الميتة التي حرم أكلها ولم يبح الانتفاع بشيء منها وكذلك الخمر.
وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة وروي عن مالك أيضًا. انتهى.
أقول: وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة؛ ففي (( شرح تنوير الأبصار ) )العلائي نقلًا عن صاحب (( فتح القدير ) )ويطهر لبن وعسل ودبس ودهن بغلي ثلاثًا ولحم طبخ بخمر بغلي وتبريد ثلاثًا وكذا دجاجة ملقاة حالة غلي للنتف قبل شقها. انتهى.
وتمامه في العيني.
ورواة هذا الحديث الستة مدنيون، وفيه: التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواية صحابي عن صحابية.
وأخرجه المؤلف أيضًا في الذبائح وهو من أفراده عن مسلم، وأخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.