قال الكرماني: فإن قلت: قال الجوهري: فهمت الشيء؛ أي: علمته فالفهم والعلم بمعنى واحد، فكيف يصح أن يقال الفهم في العلم؟.
قلت: المراد من العلم المعلوم، وكأنه قال: باب إدراك المعلومات. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: تفسير الفهم بالعلم غير صحيح؛ لأن العلم عبارة عن الإدراك الكلي والفهم جودة الذهن، والذهن قوة تقتنص بها الصور والمعاني وتشمل الإدراكات الحسية والعقلية.
وقال الليث: يقال: فهمت الشيء؛ أي: عقلته وفهمته؛ أي: عرفته، ويقال: فهْم وفهَم بتسكين الهاء وفتحها، وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة وهي غير العلم. انتهى.
وأقول: فيه نظر؛ لأن الموضوعات اللغوية طريق معرفتها نقل أئمة اللغة، وقد وافق صاحب (( القاموس ) )الجوهري في تفسير الفهم بالعلم والمعرفة، ثم فسر المعرفة بالعلم فدل ذلك على ترادفها وكون المعرفة غير العلم غير مسلم، بل إما مرادفة للعلم أو أخص منه إن قلنا باختصاصها بالجزئيات أو البسائط فهي قسم من العلم على هذا التفسير، وقسم الشيء ما كان مندرجًا تحته وأخص منه فكما لا يقال إن الإنسان مغاير للحيوان لا يقال إن المعرفة مغايرة للعلم.
قال المولى سعد الدين في (( شرحه على التلخيص ) ): ثم المعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط والعلم للكلي أو المركب، ولذا يقال: عرفت الله دون علمته، وأيضًا المعرفة للإدراك المسبوق بالعدم أو للأخير من الإدراكين لشيء واحد إذا تخلل بينهما عدم بأن أدرك أولًا ثم ذهل عنه، ثم أدرك ثانيًا، والعلم للإدراك المجرد من هذين الاعتبارين، ولذا يقال: الله تعالى عالم ولا يقال عارف. انتهى.
فكلامه صريح في أن العلم أعم من المعرفة على قول من يفرق بينهما، وأما على قول من لم يفرق بينهما فهما مترادفان قطعًا على أن الفرق بين العلم والمعرفة بما تقدم نص في الإيضاح على أنه قول لبعض الفضلاء، فيفهم منه: أن الجمهور على عدم الفرق.
ويؤيد ذلك: ما ذكره صاحب (( الكشاف ) )في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر:28] .
قال: والمراد بالعلماء: الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز ومن ازداد به علمًا ازداد منه خوفًا ومن كان علمه به أقل كان آمن، وفي الحديث: (( أعلمكم بالله أشدكم له خشية ) ). انتهى.
وفي (( حواشي المطول ) )لحسن جلبي الفتاري عند قوله: ولهذا يقال: عرفت الله دون علمته
ج 1 ص 441
ما نصه هذا منقوض بقوله عليه السلام: (( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله ) )، وإن تكلف في تأويله بجعل الباء بمعنى اللام مجازًا لا صلة للعلم؛ أي: المخلصون له؛ لأن الحقيقة هي المتبادرة ولا يعدل عنها إلا لقرينة مانعة عن إرادتها فتأمل.
فإن الإقدام على تخطئة أئمة اللغة من غير دليل ظاهر يرفع الوثوق بهم وهو غير يسير عند أرباب البصائر.
ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة، فإن الفهم في العلم داخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) )، وقد مر أن الفقه لغة الفهم.