فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 1465

وبالسند إلى المؤلف:

71 -قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن حبيب بن الأسود، أبو عثمان المصري، سمع مالكًا وابن وهب والليث وآخرين، روى عنه: محمد بن يحيى الذهلي والبخاري، وروى مسلم والنسائي عن رجل عنه، توفي سنة ست وعشرين ومائتين.

(قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) بسكون الهاء واسمه عبد الله وكنيته أبو محمد بن مسلم المصري القرشي الفهري، سمع مالكًا والليث والثوري وابن أبي ذئب وابن جريج وغيرهم، وذكر بعضهم أنه روى عن نحو أربعمائة رجل، وأن مالكًا لم يكتب إلى أحد الفقيه إلا إليه.

وقال أحمد: هو صحيح الحديث.

وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: نظرت في ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وغيرها، فلا أعلم أني رأيت حديثًا لا أصل له.

وقال أحمد بن صالح: حدث بمائة ألف حديث ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: سنة أربع وفيها مات الزهري، وتوفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة لأربع بقين من شعبان، روى له الجماعة، وليس في (( الصحيحين ) )عبد الله بن [و] هب غيره فهو من أفرادهما.

(عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوف بضم حاء حُميد، وفي نسخة: .

(سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلم عام الفتح مع أبيه، وعاش ثمانيًا وسبعين سنة، ومات سنة ستين في رجب، ومناقبه جمة، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وثلاث وستون حديثًا، انفرد البخاري منها بثمانية، ومسلم بخمسة، واتفقا على أربعة أحاديث، وليس في الصحابة معاوية بن صخر غيره، وفيهم معاوية فوق العشرين.

(خَطِيبًا) حال من معاوية وكذلك (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية الأصيلي: (( صلى الله عليه وسلم أي: كلامه حال كونه يقول:(مَنْ يُرِدِ اللَّهُ) عز وجل بضم المثناة التحتية وكسر الراء من الإرادة وهي صفة مخصصة لأحد طرفي الممكن المقدور بالوقوع.

(بِهِ خَيْرًا) أي: نفعًا في الدنيا والآخرة، وهو هنا اسم مقابل للشر، وليس بأفعل التفضيل، والتنوين فيه للتعظيم أو التكثير أو لهما كقوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} [الأنعام:34] ؛ أي: ذوو عظمة وذوو عدد كثير.

(يُفَقِّهْهُ) أي: يجعله فقيهًا أو يفهمه، والحمل على المعنى الثاني، وهو اللغوي أولى؛ ليشمل جميع العلوم الدينية كالحديث والتفسير .... .

(فِي الدِّينِ) قال الحسن البصري: الفقيه:

ج 1 ص 438

هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربه.

(وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أقسم بينكم بما يوحي إلي من قسم الشيء يقسمه قَسمًا بالفتح، وأما القِسم بالكسر فهو الحظ والنصيب، ويطلق القَسم بالفتح، ويراد به القسم بين النساء في البيتوتة، والقسمة: الاسم، والقَسَم بفتحتين اليمين.

(وَاللَّهُ يُعْطِي) كل واحد منكم من الفهم على قدر ما تعلقت به إرادته تعالى، فالتفاوت في أفهامكم منه سبحانه وتعالى.

وقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث، فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم، أو من القرن الذي يليهم، أو ممن بعدهم، فيستنبط منه مسائل كثيرة و {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21] ، قاله التوربشتي.

وقال الطيبي: الواو في قوله: (( وإنما أنا قاسم ) )للحال من فاعل (( يفقهه ) )أو من مفعوله، فعلى الثاني فالمعنى: أن الله تعالى يعطي كلًا ممن أراد أن يفقهه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدره له ثم يفهمني بالفاء ما هو لائق باستعداد كل واحد.

وعلى الأول: فالمعنى أني ألقي علي ما يسنح لي وأسوي فيه، ولا أرجح بعضهم على بعض، فالله الموفق كلًا منهم على ما أراد وشاء من العطاء. انتهى.

وقال غيره: المراد القسم المالي، لكن سياق الكلام يدل على الأول لقوله: (( من يرد به خير يفقهه في الدين ) ).

وظاهره: يدل على الثاني؛ لأن القسمة حقيقة في الأموال، نعم: يتوجه السؤال عن وجه المناسبة بين السابق واللاحق.

وقد يجاب: بأن مورد الحديث كان عند قسمة مال، وخصص عليه الصلاة والسلام بعضهم بزيادة لمقتضى عَنَّ له، فتعرض بعض من خفي عليه الحكمة، فرد عليه بقوله: (( من يرد الله به خيرًا ) )الحديث؛ أي: من أراد الله به خير زاد له في فهمه فيما يخفى على غيره من حكم الشارع، ولا يعترض على ما لم يلح له فهمه، ولم يطابق ما في خاطره، إذ الأمر كله لله فهو الذي يعطي ويمنع ويزيد وينقص، والنبي صلى الله عليه وسلم قاسم بأمره، وليس بمعط حتى تنسب إليه الزيادة والنقصان، أشار إلى ذلك القسطلاني.

وفي الكرماني: فإن قلت: إنما تفيد الحصر، فمعناه: ما أنا إلا قاسم، وهذا كيف يصح، وله صفات أخرى مثل كونه رسولًا ومبشرًا ونذيرًا؟.

قلت: الحصر إنما هو بالنسبة إلى اعتقاد السامع، وهذا ورد في مقام كان السامع معتقدًا كونه معطيًا فلا ينفي إلا ما اعتقده السامع لا كل صفة من الصفات، وحينئذٍ إن اعتقد أنه معط لا قاسم، فيكون من باب قصر القلب؛ أي: ما أنا إلا قاسم؛ أي: لا معط وإن اعتقد أنه قاسم ومعط أيضًا فيكون من قصر الإفراد؛ أي: لا شركة في الوصفين، بل أنا قاسم فقط. انتهى.

وتقديم لفظ الجلالة في قوله: (( الله يعطي ) )مفيد للتقوى عند السكاكي لا التخصيص؛ أي: الله يعطي لا محالة.

وعند الزمخشري: يحتمل التخصيص أيضًا؛ أي: الله يعطي لا غيره.

وفي الكرماني أيضًا: فإن قلت: هل يصح أن يكون والله يعطي جملة حالية؟.

قلت: نعم.

فإن قلت: فما معنى الحصر حينئذ؟.

قلت: الحصر بإنما دائمًا هو في الجزء الأخير، فيكون معناه: ما أنا قاسم إلا في حال إعطاء الله لا في حال غيره. انتهى.

وحذف كل من مفعولي يعطي، ونزل منزلة اللازم قصدًا؛ للتعميم وإيجاد حقيقة الإعطاء؛ أي: يعطي من يشاء ما يشاء.

(وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ) اللام فيها للعهد الخارجي؛ أي: أمة الإجابة، والمراد بالأمة: بعضها كما يدل عليه حديث أبي هريرة عند ابن ماجه: (( لا تزال الطائفة من أمتي قوامة

ج 1 ص 439

على أمر الله لا يضرها من خالفها )) .

وحديث عمر عند الحاكم: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) ).

(قَائِمَةً) بالنصب خبر تزال (عَلَى أَمْرِ اللَّهِ) أي: على الدين الحق الذي هو الإسلام (لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) أي: الساعة أراد عليه الصلاة والسلام أن أمته آخر الأمم، وأن عليها تقوم الساعة، وإن ظهرت أشراطها وضعف الدين فلا بد أن يبقى من أمته من يقوم به.

واستشكل ما هنا بالأحاديث الواردة في أن الساعة لا تقوم حتى لا يقول أحد الله الله وبأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق.

وأجاب ابن المنير: بأن المراد بأمر الله ذهابهم وموتهم قبيل وجود الأشراط التي لا ينتفع بعدها بالأعمال، فيكون الموت حينئذ خيرًا من الحياة، وينتهي تمام الدين بأهله إلى ذلك الوقت، ويبقى شرار الناس فعلى وجوههم الراجفة تتبعها الرادفة.

وحاصل الجواب: أن المراد بأمر الله غير قيام الساعة، بل الأشراط التي لا ينتفع بالإيمان والعمل بعدها.

وإلى هذا الجواب جنح النووي فقال: لا مخالفة بين الأحاديث؛ لأن المراد من أمر الله الريح اللينة التي تأتي قرب القيامة، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، وهذا قبل القيامة، وأما الحديثان الآخران؛ فهما على ظاهرهما إذ ذلك عند القيامة. انتهى.

وقال الطبري: هذه الأحاديث لفظها العموم، والمراد منها: الخصوص؛ فمعناه: لا تقوم الساعة على أحد يوحد الله تعالى إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق ولا تقوم إلا على شرار الناس بموضع كذا. انتهى.

قال العيني: إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق توحد الله هي شرار الناس وقد جاء ذلك مبينًا في حديث أبي أمامة رضي الله عنه: (( أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم قيل: وأين هم يا رسول الله؟ قال ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس ) ). انتهى.

وفي الكرماني: وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم، وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم.

وقال القاضي عياض: إنما أراد الإمام أحمد أهل السنة والجماعة.

وقال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة مفرقة من أنواع المؤمنين فمنهم مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد إلى غير ذلك من أنواع الخير كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن يكونوا متفرقين. انتهى.

وفي الكرماني: فإن قلت: حتى يأتي غاية لماذا؟.

قلت: لقوله: (( لن تزال ) ).

فإن قلت: حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها فيلزم منه أن يوم القيامة لا تكون هذه الأمة على الحق وهو باطل.

قلت: ليس باطلًا، إذ المراد من الدين الحق التكاليف، ويوم القيامة ليس زمان التكليف.

أو يقال: ليس المقصود منه معنى الغاية بل هو مذكور لتأكيد التأبيد نحو قوله تعالى: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [هود:107] .

فإن قلت: يحتمل أن يكون غاية لقوله: لا يضرهم بل هو أولى؛ لأنه أقرب.

قلت: نعم، وذلك إما بأن يكون معنى (( يأتي أمر الله ) )يأتي بلاء الله، فيضرهم حينئذ فما بعدها مخالف لما قبلها.

وإما بأن يكون ذكره لتأكيد عدم المضرة كأنه قيل: لا يضرهم من خالفهم أبدًا، وعبر عنه بقوله: إلى يوم القيامة أو هو كقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان:56] ، يعني: لا يضرهم إلى يوم القيامة ولما لم تكن المضرة يوم القيامة فكأنه قال: لا يضرهم أصلًا.

فإن قلت: إذا جاء الدجال مثلًا وقتلهم فقد ضرهم.

قلت: على تفسيره ببلاء الله ذلك ظاهر، وعلى تفسيره بيوم القيامة يقال: ذلك ليس مضرة، إذ الشهادة أعظم المنافع من جهة الآخرة. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام:

أحدها: فضل التفقه في الدين.

وثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله تعالى.

وثالثها: أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا، فالأول: لائق بأبواب العلم، والثاني: لائق بقسم الصدقات، وهذا أورده مسلم في

ج 1 ص 440

الزكاة والمؤلف في الخمس.

والثالث: لائق بذكر أشراط الساعة، وقد أورده المؤلف في الاعتصام؛ لالتفاته إلى مسألة عدم خلو الزمان عن مجتهد، وقد تتعلق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم، بل بترجمة هذا الباب خاصة من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتح الله عليه به.

وإن من فتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا حتى يأتي أمر الله، ومفهوم الحديث: أن من لم يتفقه في الدين؛ أي: يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير.

وقد أخرج أبو يعلى من حديث معاوية من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره: (( ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به ) ).

والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقد فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير.

وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل الفقه في الدين على سائر العلوم. انتهى ملخصًا.

وفيه كما قال العيني: دليل على حجية الإجماع؛ لأن مفهومه: أن الحق لا يعدو الأمة، وأما حديث: (( لا تجتمع أمتي على الضلالة ) )فضعيف.

وفيه دليل لمن يقول بامتناع خلو العصر من مجتهد وفيه علم من أعلام نبوته وهو إخباره بالمغيبات وقد وقع ما أخبر به ولله الحمد فلم تزل هذه الطائفة في زمنه وهلم جرًا ولا تزول حتى يأتي أمر الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت