(51) (باب) : بالتنوين (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ) : بالرفع نائب جعل المبني للمفعول وهو المفعول الأول، وقوله: إمامًا المقدر المفعول الثاني بمعنى متبعًا لئلا يلغو الحمل ويجوز أن يجعل (لِيُؤْتَمَّ بِهِ) : المفعول الثاني فلا يحتاج إلى تقدير كذا قيل. وفيه نظر إذ لا يحكم على الشيء بعلته لأنها مغايرة له.
وقال في (( المنحة ) ): اللام فيه للجنس أو للعهد الذهني والمعنى إنما جعل للناس إمام في الصلاة ليؤتم به فيها؛ أي: ليقتدي به في أفعال الصلاة أي بأن يكون فعل المأموم عقب فعل الإمام فلو قارنه لم يضر إلا في تكبيرة الإحرام فتضر المقارنة فيها عند الشافعي وأبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمد وزفر والثوري يستحب مقارنة المأموم للإمام فيها فلو سبق إمامه بركن كأن ركع والإمام قائم فإن استمر في الركوع حتى ركع الإمام صح ركوعه، وإن رفع من الركوع قبل أن يركع الإمام لم يحسب له ذلك الركوع فإن أعاده مع الإمام أو لم يعده، لكن أتى به بعد سلام الإمام وما بعده من السجود والقعدة صحت صلاته وإلا لا وأما أداؤه ركنًا بعد فراغ الإمام منه فإنه جائز؛ لأن الإمام مشارك له فيه حكمًا.
قال في (( الفتح ) ): وهذه الترجمة قطعة من حديث الباب.
والمراد بها أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم في أحوال الصلاة فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه ولذا صدر الباب بقوله: (وَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِي فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِسٌ) : أي: والناس خلفه قيامًا ولم يأمرهم بالجلوس فدل على أن قوله: إنما جعل الإمام ليؤتم به عام مخصوص.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) : رضي الله عنه مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه بإسناد صحيح عنه، ولفظه لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام وهو أتم من قوله هنا: (إِذَا رَفَعَ) : أي: المأموم (قَبْلَ الإِمَامِ) : أي: من الركوع أو السجود يعود (فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ) : قال في (( الفتح ) ): وكأنه أخذه من قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الإمام ليؤتم به ومن قوله: وما فاتكم فأتموا.
وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر نحو قول ابن مسعود ولفظه: أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه.
قال ابن المنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمر عنده بقضاء القدر الذي خرج فيه عن الإمام فأولى أن يتبعه في جملة السجود فلا يسجد حتى يسجد، وظهرت بهذا مناسبة هذا الأثر للترجمة. كذا في (( الفتح ) ).
وقال ابن الملقن: وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة
ج 2 ص 480
أن عمر قال: إذا رفع أحدكم رأسه وظن أن الإمام قد رفع فليعد رأسه وليمكث بقدر ما ترك، ثم قال: وروينا عن إبراهيم الشعبي: أنه يعود فيسجد وكل هذا لأجل المتابعة.
وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه ومذهب مالك: أن من خفض أو رفع قبل إمامه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يفرغ من ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق والحسن والنخعي.
وروي نحوه عن عمر وقال ابنه: من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له وهو قول أهل الظاهر وتمام تحقيق ذلك وبيان الخلاف فيه مذكور في كتب الفروع.
(وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ) : أي: ركوعين ولا يقدر على السجود؛ أي: لزحمة ونحوها وغالب ما يتفق ذلك في صلاة الجمعة فإن قدر على السجود ولو على ظهر إنسان سجد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور ولا إعادة عليه.
وقال مالك: لا يسجد على ظهر إنسان فإن خالف يعيد.
وقوله: (يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) : مقول الحسن البصري، ولأبي ذر وابن عساكر: بحذف التحتية (سَجْدَتَيْنِ) : ولو بعد سلام الإمام (ثُمَّ يَقْضِي) : أي: يؤدي (الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا) : مفرد مضاف فيعم السجدة الثانية.
قال في (( المنحة ) ): إنما لم يقل الثانية لاتصال الركوع الثاني بالأول ثم ما ذكره وجه عند الشافعية، والأصح أنه يحسب ركوعه الأول فركعته ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية. انتهى.
قال القسطلاني: ويدرك به الجمعة في الأصح وفي من أي.
(وقال الحسن) البصري (وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ) : أي: يعود من قيامه لعدم الاعتداد به لوقوعه قبل وقته فيلغو.
قال في (( الفتح ) ): فيه؛ أي: في أثر الحسن فرعان: أما الأول فوصله ابن المنذر في (( كتابه الكبير ) )ورواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عن الحسن ولفظه: في الرجل يركع يوم الجمعة فيزحمه الناس فلا يقدر على السجود، قال: إذا فرغوا من صلاتهم سجد سجدتين لركعته الأولى ثم يقوم فيصلي ركعة وسجدتين.
ومقتضاه أن الإمام لا يتحمل الأركان، فمن لم يقدر على السجود معه لا تصح له الركعة، ومناسبته للترجمة من جهة أن المأموم لو كان له أن ينفرد عن الإمام لا يستمر متابعًا له في صلاته التي اختل بعض أركانها حتى يحتاج إلى تداركه بعد فراغ الإمام.
وأما الفرع الثاني: فوصله ابن أبي شيبة وسياقه أتم ولفظه في رجل نسي سجدة من أول صلاته فلم يذكرها حتى كان آخر ركعة من صلاته قال: يسجد ثلاث سجدات، فإن ذكرها قبل السلام يسجد سجدة واحدة، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يستأنف الصلاة. انتهى.