قال في (( الفتح ) ): جعله مقيدًا بشرطين خوف خروج الوقت وفقد الماء، ويلتحق بفقده عدم القدرة عليه؛ أي: كما إذا وجده في بئر وليس عنده آلة الاستقاء، أو حال بينه وبينه عدو أو سبع.
(وَبِهِ) أي: بما ذكر من أن فاقد الماء في الحضر الخائف فوت الوقت يتيمم (قَالَ عَطَاءٌ) بن أبي رباح فيما وصله ابن أبي شيبة في مصنفه وعبد الرزاق من وجه صحيح.
قال في (( الفتح ) ): وليس في المنقول عنه تعرض لوجوب الإعادة انتهى.
وبه قال الشافعي، لكن مع القضاء لندرة فقد الماء في الحضر.
قال العيني: ومذهبنا جواز التيمم لعادم الماء في الأمصار، ذكره في (( الأسرار ) )، وفي (( شرح الطحاوي ) ): التيمم في المصر لا يجوز إلا في ثلاث:
أحدها: إذا خاف فوت صلاة الجنازة إن توضأ.
والثاني: عند خوف فوت العيد.
والثالث: عند خوف الجنب من البرد بسبب الاغتسال انتهى.
والخوف المذكور مقيد بالهلاك أو المرض كما في (( الدر المختار ) ).
ثم قال: وفي كتاب (( الأحكام ) )لابن بريرة: الحاضر الصحيح يعدم الماء هل يتيمم أم لا؟ قلت: قالت طائفة: يتيمم وهو مذهب ابن عمر وعطاء والحسن وجمهور العلماء.
وقال قوم من العلماء: لا يتيمم، وعن أبي حنيفة: يستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ليقع الأداء بأكمل الطهارتين.
وعن محمد: إن خاف فوت الوقت يتيمم.
وفي (( شرح الأقطع ) ): التأخير عن أبي حنيفة ويعقوب حتم كأنه يشير إلى ما رواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق عن علي: (( إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم ثم صلى ) ).
قال ابن حزم: وبه قال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل وعطاء.
وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت وعن الأوزاعي كل ذلك سواء وإذا وجد الحاضر الماء في الوقت هل يعيد؟ فيه قولان عند مالك في المدونة، وقيل: أنه يعيد أبدًا انتهى ملخصًا.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصري مما وصله القاضي إسماعيل في (( الأحكام ) )من وجه صحيح (فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ) وفي بعض النسخ: (( عنده ماء ) )بالتنكير (وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ) الماء؛ أي: يعطيه إياه ويعينه على استعماله.
(يَتَيَمَّمُ) بصيغة المضارع وفي رواية: بصيغة الماضي ومثله ما إذا خاف من استعمال الماء ضررًا وإن وجد معينًا.
قال العيني: وروى ابن أبي شيبة
ج 2 ص 71
في (( مصنفه ) )عن الحسن وابن سيرين قالا: لا يتيمم ما رجا أن يقدر على الماء في الوقت، وهذا في معنى ما ذكره البخاري معلقًا انتهى.
(وَأَقْبَلَ) عبد الله (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ومعه نافع مما وصله في (( الموطأ ) ) (مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ) بضم الجيم والراء ويجوز تسكين الراء، كما في عنق وأصله ما تجرفه السيول وتأكله من الأرض، والمراد به هنا موضع قريب من المدينة على ثلاثة أميال منها إلى جهة الشام كانوا يعسكرون به إذا أرادوا الغزو، وزعم الزبير أنه على ميل من المدينة.
وقال ابن إسحاق: هو على فرسخ من المدينة.
قال في (( الفتح ) ): قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر: (( أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه وصلى العصر ) )وذكر بقية الخبر كما ذكره المصنف، ولم يظهر لي سبب حذفه منه ذكر التيمم مع أنه مقصود الباب انتهى.
وقال العيني: الذي يظهر لي إن ترك هذا ما هو من البخاري، والظاهر أنه من الناسخ واستمر الأمر عليه وليس له وجه غير هذا انتهى.
(فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ) أي: صلاة العصر (بِمَرْبَدِ النَّعَمِ) بكسر الباء وسكون الراء وفتح الموحدة وبالدال المهملة، وهو موضع تحبس فيه الإبل والغنم وهو على ميلين من المدينة.
وقال السفاقسي: رويناه بفتح الميم وهو في اللغة بكسرها.
وفي (( المحكم ) ): المربد محبس الإبل، وقيل: خشبة أو عصا تعترض صدور الإبل فتمنعها من الخروج، ومربد البصرة من ذلك؛ لأنهم كانوا يحبسون فيه الإبل، ومربد التمر جرينه الذي يوضع فيه بعد الجدار لييبس.
وقال السهيلي: المربد والجرين والمسطح والبيدر والأندر والجرحار، لغات بمعنى واحد والنّعَم بفتح النون والعين، المال الراعية وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل.
(فَصَلَّى) أي: بعد أن تيمم، كما في رواية مالك وغيره (ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) من أفق غروبها (فَلَمْ يُعِدْ) بضم التحتية؛ أي: صلاة العصر، وهذا يدل على أن ابن عمر كان يرى جواز التيمم للحضري؛ لأن من يجيز التيمم في السفر يقصره على السفر الذي تقصر فيه الصلاة.
قال محمد بن مسلمة: إنما تيمم ابن عمر بالمربد؛ لأنه خاف فوت الوقت، قيل: لعله أراد فوت الوقت المستحب وهو أن تصفر الشمس.
وقول: (( والشمس مرتفعة ) )يحتمل أن تكون مرتفعة عن الأفق والصفرة دخلتها، ويحتمل أن يكون ظن أنه لا يدخل المدينة حتى يخرج الوقت فتيمم على ذلك الظن بالاجتهاد.
وقال ابن القاسم: من رجا إدراك الماء في آخر الوقت فتيمم في أوله وصلى أجزاءه، ويعيد في الوقت استحبابًا فيحتمل أن ابن عمر كان يرى هذا.
وقال سحنون في (( شرح الموطأ ) ): كان ابن عمر على وضوء؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاة فجعل التيمم عند عدم الماء عوض الوضوء، وقيل: كان ابن عمر يرى أن الوقت إذا دخل حل التيمم وليس عليه أن يؤخر لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} [المائدة:6] كذا في العيني.
ووجه مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهر؛ لأن السفر القصير في حكم الحضر.