وبالسند قال:
336 - (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء بْنُ يَحْيَى) كذا وقع في جميع الروايات الاقتصار على الأب هنا، وفي الصلاة والهجرة والمغازي مع أنه مشترك بين اثنين في الاسم، واسم الأب وكل منهما يروي عنه المصنف.
قال في (( الفتح ) ): وجزم الكلاباذي بأنه اللؤلؤي البلخي، وقال ابن عدي: هو زكرياء بن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة.
وإلى هذا مال الدارقطني؛ لأنه كوفي وكذا الشيخان المذكوران: عبد الله بن نمير، وأبو أسامة.
وقد روى البخاري في (( العيدين ) ): عن زكرياء بن يحيى عن المحاربي لكن قال: (( حدثنا زكرياء بن يحيى بن أبي السكين ) )، فيحتمل أن يكون هو المهمل في المواضع الأخرى؛ لأنه كوفي وشيخه كوفي أيضًا.
وقد ذكر المزني في (( التهذيب ) ): أنه روى عن ابن نمير وأبي أسامة أيضًا، وجزم صاحب (( الزهرة ) )بأن المصنف روى عن ابن السكين أربعة أحاديث، وهو مصير منه إلى أنه المراد كما جوزناه، وإلى ذلك مال الباجي في رجال البخاري انتهى.
وقال الكرماني: وأيهما كان فهو على شرطه فلا يوجب الاشتباه بينهما قدحًا في الحديث وصحته انتهى.
وأقول: ويؤيد هذا أنه كثيرًا ما يذكر سفيان غير منسوب، فيحتمل أن يكون سفيان الثوري، وأن يكون ابن عيينة وكلاهما من رجاله وعلى شرطه فلا يؤثر الاشتباه بينهما قدحًا في الحديث.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) مصغر نمر، الخارفي بخاء معجمة فراء ففاء الكوفي المتوفى سنة تسع وتسعين ومائة (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
(أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ) أختها (أَسْمَاءَ) مقتضى الظاهر: (( أني استعرت من أختي ) )، ففيه التفات على مذهب السكاكي (قِلاَدَةً) بكسر القاف، وهي العقد الذي قالت عائشة فيه في الباب السابق: (( انقطع عقد لي ) )، وتقدم أنها أضافته إلى نفسها لكونه في تصرفها، فلا ينافي أن يكون مملوكًا لأسماء.
(فَهَلَكَتْ) أي: ضاعت تلك القلادة (فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) في طلبها (رَجُلًا) هو أسيد بن حضير (فَوَجَدَهَا) أي: القلادة، ولا منافاة بينه
ج 2 ص 69
وبين قول عائشة في الحديث السابق: (( فأصبنا العقد تحت البعير ) )، لجواز تعدد القصة فمرة أصابته تحت البعير، ومرة وجده الرجل، وعلى تقدير عدم التعدد فضمير (( أصبنا ) )للمتكلم ومعه غيره فتكون مشاركة له في الإصابة، أو يكون ضمير (( أصبنا ) )لها وللنبي صلى الله عليه وسلم فإن إصابة رسولهما تنسب إليهما.
(فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) وفي الحديث السابق: (( وليسوا على ماء ) ) (فَصَلَّوْا) قال في (( الفتح ) ): زاد الحسن ابن سفيان في مسنده عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه: (( فصلوا بغير وضوء ) ).
أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم من طريقه، وكذا أخرجه الجوزقي من وجه آخر عن ابن نمير، وكذا للمصنف في فضل عائشة من طريق أبي أسامة وفي التفسير من طريق عبدة بن سليمان كلاهما عن هشام، وكذا لمسلم من طريق أبي أسامة، وأغرب ابن المنذر فادعى أن عبدة تفرد بهذه الزيادة انتهى.
وفي العيني: قال النووي: فيه دليل على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله، وهذه المسألة فيها خلاف وهو أربعة أقوال وأصحها عند أصحابنا: أنه يجب عليه أن يصلي ويعيد الصلاة.
والثاني: أنه لا تجب عليه الصلاة ولكنها تستحب ويجب عليه القضاء سواء صلى أم لم يصلي.
والثالث: تحرم عليه الصلاة لكونه محدثًا وتجب الإعادة، وهو قول أبي حنيفة.
والرابع: تجب الصلاة ولا تجب الإعادة، وهذا مذهب المزني وهو أقوى الأقوال دليلًا ويعضده هذا الحديث فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب إعادة مثل هذه الصلاة.
وقال ابن بطال: الصحيح من مذهب مالك: أنه لا يصلي ولا إعادة عليه قياسًا على الحائض.
وقال أبو عمر قال ابن خويز منداد: الصحيح من مذهب مالك: أن كل من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد حتى خرج الوقت أنه لا يصلي ولا شيء عليه، ورواه المدنيون عن مالك وهو الصحيح.
قال أبو عمر: كيف أقدم على أن أجعل هذا صحيحًا، وعلى خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء المالكيين فكأنه قاسه على ما روي عن مالك فيمن كتفه الوالي وحبسه فمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها أنه لا إعادة عليه.
ثم قال: والأسير المغلول والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء ولا يستطيع التيمم لا يصلي وإن خرج الوقت حتى يجد إلى الوضوء أو إلى التيمم سبيلًا.
وعن الشافعي: روايتان:
إحداهما: هكذا، والأخرى: يصلي وأعاد إذا قدر وهو المشهور عنه.
وقال أبو حنيفة في المحبوس في المصر: إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا نظيفًا لم يصل، وإذا وجده صلى.
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي والثوري ومطرف: يصلي ويعيد.
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: إن وجد المحبوس في المصر ترابًا نظيفًا صلى وأعاد.
وقال زفر: لا يتيمم ولا يصلي إن وجد ترابًا نظيفًا بناء على أن عنده لا يتيمم في الحضر انتهى ملخصًا.
(فَشَكَوْا ذَلِكَ) أي: نزولهم على غير ماء لسبب ضياع العقد وما ترتب عليه من صلاتهم بلا وضوء (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) وتقدم أنها آية المائدة (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بالتصغير فيهما.
(لِعَائِشَةَ) رضي الله عنها (جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ) بكسر الكاف فيهما والأول حرف خطاب، والثاني ضمير المخاطبة (وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا) ذلك مفعول أول ل: (( جعل ) )و (( خيرًا ) )المفعول الثاني و (( لك ) )وفيه يتعلقان بجعل، ويجوز أن يكون (( لك ) )ظرفًا مستقرًا حالًا من خيرًا على قاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها كقوله:
~لِمَيَّةَ موحشًا طلل
وقال القسطلاني: قد ضبب على ذلك في الفرع ونسبه لرواية أبي ذر وابن عساكر انتهى.
فإن قلت: لا مطابقة بين الحديث والترجمة فإنها لمن فقد الماء والتراب والصحابة في هذه الواقعة فقدوا الماء، لكن لم يفقدوا التراب.
قلت: أجاب ابن رشيد: بأن المصنف نزل عدم شرعية التيمم منزلة فقد التراب بعد شرعية التيمم فكأنه يقول: حكمهم في عدم المطهر الذي هو الماء خاصة كحكمنا في عدم المطهرين الماء والتراب، فظهرت مطابقة الحديث للترجمة، فإن قلت: يعكر على هذا الجواب ما ذكره العيني عن الطحاوي
ج 2 ص 70
من حديث عروة عن عائشة قالت: (( أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة كذا حتى إذا كنا بالمعرض قريبًا من المدينة نعست من الليل وكانت علي قلادة تدعى السحط تبلغ السرة فجعلت أنعس فخرجت من عنقي فلما نزلت مع النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح قلت: يا رسول الله خرجت قلادتي فقال للناس: أمكم قد ضلت قلادتها فابتغوها، فابتغاها الناس ولم يكن معهم ماء فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرتهم الصلاة ووجدوا القلادة ولم يقدروا على الماء، فمنهم من تيمم إلى الكف ومنهم من تيمم إلى المنكب، وبعضهم تيمم على جلده فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت آية التيمم ) )انتهى. فهذا الحديث مثبت لتيممهم.
قلت: أجاب العيني: بأن هذا التيمم المختلف فيه عندهم كلا تيمم لعدم وجود النص حينئذ، فصار كأنهم صلوا بغير طهور.
ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في (( الكبير ) )من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: (( أنها استعارت قلادة من أسماء فسقطت من عنقها فابتغوها فوجدوها فحضرت الصلاة فصلوا بغير طهور ) )الحديث.
فقوله: (( بغير طهور ) )يتناول الماء والتراب فدل هذا على أن التيمم الذي تيمموه على اختلاف صفته كان حكمه حكم العدم، ألا ترى أنه لو كان معتدًا به قبل نزول الآية لما سأل عمار الذي هو أحد من تيمم ذلك التيمم المختلف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة التيمم، فسؤاله هذا إنما كان بعد تيممه بذلك التيمم الذي كان باجتهاد منهم.
وقد اختلف في الاجتهاد في عصره صلى الله عليه وسلم هل يجوز أم لا؟، فمنهم من جوزه مطلقًا وهو المختار عند الأكثرين، ومنهم من منعه مطلقًا.
وقال بعضهم: يجوز للغائبين عن الرسول دون الحاضرين، ومنهم من جوزه إذا لم يوجد مانع انتهى ملخصًا.