(( 5 ) ) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ كِتَابُ الغُسْلِ) : قال في (( الفتح ) ): كذا في روايتنا بتقديم البسملة، وللأكثر بالعكس وقد تقدم توجيه ذلك. انتهى.
يريد: أن الترجمة قائمة مقام اسم السورة، والأحاديث المذكورة بعدها كالآيات المفتتحة بها. ووقع للأصيلي:: بإسقاط البسملة وإبدال بباب. قيل: وهو أولى؛ لأن الكتاب
ج 1 ص 744
يجمع أنواعًا والغسل نوع واحد من أنواع الطهارة وإن كان في نفسه متعددًا. انتهى.
أقول: ويجاب: بأن كون الكتاب يجمع أنواعًا أمر أغلبي، فقد لا يكون تحته باب ولا فصل كترجمة الفقهاء بكتاب اللقيط.
قال في (( الفتح ) ): و (( الغُسل ) ): بضم الغين: اسم للاغتسال. وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح، حكاه ابن سيده وغيره. وقيل: المصدر بالفتح والاغتسال بالضم. وقيل: الغَسل _ بالفتح _ فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذي يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء كالأشنان. انتهى.
ويقال: اغسلني بماء الثلج والبرد؛ أي: طهرني من الذنوب. والغُسُل _ بضمتين _ ما يغسل به من ماء وغيره، كذا في (( سبعة أبحر ) ).
وقال في (( الجوهرة ) ): يقال: غَسْل الميت وغَسْل الثوب بفتح الغين، ويقال: غُسل الجمعة وغُسل الجنابة بضمها، وضابطه: أنك إذا أضفت إلى المغسول فتحت، وإذا أضفت إلى غيره ضممت. انتهى.
وهو لغة: سيلان الماء على الشيء وشرعًا: إسالة الماء وإمراره على الجسد إما مطلقًا كما عند الحنفية أو مع النية المميزة للعبادة عن العادة كما عند الشافعية.
قال في (( الفتح ) ): واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر، ونقل عن مالك والمزني وجوبه. واحتج ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها فيجب ذلك في الغسل قياسًا لعدم الفرق بينهما. وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للتوضؤ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
ثم لما أنهى المصنف الكلام على الطهارة الصغرى شرع في الكلام على الطهارة الكبرى مقدمًا الأولى لأكثريتها ومصدرًا الكبرى بآيتين ليشير إلى أن وجوب الغسل ثبت بالكتاب أيضًا فقال مقدمًا آية المائدة؛ لأنها مجملة وآية النساء مفصلة؛ لقوله في آية المائدة: {فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة:6] والطهارة مجملة، وفي آية النساء: {حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} [النساء:43] والغسل مبين للمراد بالتطهير
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) : بالجر. وللأصيلي: ( {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ) : أي: فاغسلوا أبدانكم على سبيل المبالغة، فيدخل فيه المضمضة والاستنشاق. والجنب: من أصابته جنابة يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع المذكر والمؤنث؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، يقال: أجنب يجنب إجنابًا، والجنابة: الاسم، وهو في اللغة: البعد وسمي الإنسان جنبًا؛ لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر
واطهروا: أصله: تطهروا، فلما أريد إدغامه قلبت التاء طاء وسكنت وأدغمت في الطاء واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى النطق بالساكن. أو: هو من باب الافتعال، فقلبت تاؤه طاء _ على القاعدة المعروفة _ وأدغمت وهذا أقيس.
ومثل الجنب: الحائض والنفساء إذا طهرتا
( {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} ) : أي: مرضًا يخاف معه من استعمال الماء، أو: مرضًا لا يستطاع معه الوصول إلى الماء، أو لا يجد ثمنه، أو يجد ولكن يباع بأكثر من ثمن مثله.
قال مجاهد _ فيما رواه ابن أبي حاتم _ نزلت في مريض من الأنصار لم يكن له خادم، ولم يستطع أن يقوم فيتوضأ
( {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ) : لا تجدون فيه ماء طويلًا كان أو قصيرًا؛ لما روى البغوي عن جابر بن عبد الله أنه قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: (( قتلوه قتلهم الله ألا سألوا، إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده ) )
( {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} ) : أي: أو أحدثتم بخروج شيء من أحد السبيلين؛ إذ الغائط أصله: المكان المنخفض، ثم كني به عن الخارج المذكور
( {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} ) : حمل الشافعية الملامسة في الآيتين على مس من بلغت حد الشهوة من النساء الأجنبيات بدليل قراءة حمزة والكسائي: {لمستم} ، وهو مذهب ابن مسعود وابن عمر وبعض التابعين، وقال به مالك وأحمد إن حصل به شهوة، ومذهب الأكثرين ومنهم الحنفية أن (( {لاَمَسْتُمُ} ) ): بمعنى: جامعتم، وهو مذهب علي وابن عباس وأكثر الصحابة والتابعين.
وقال ابن الملقن: واللمس في الآيتين عند الشافعي: التقاء البشرتين، وعند غيره: الجماع. انتهى
( {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ) : بأن فقدتموه، أو لم تتمكنوا من استعماله لمرض؛ إذ الممنوع من استعماله كالمفقود ( {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} ) : أي: اقصدوا ما يصعد من الأرض طاهرًا أو حلالًا، سواء كان ترابًا أو حجرًا أو رملًا، ما عدا المعادن والنباتات. وخصه الشافعي بالتراب وما فيه غبار من الرمل
( {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ) : أي: من الصعيد فمن عند الشافعية: للتبعيض، وعند الحنفية: لابتداء الغاية.
قال في (( الكشاف ) ): فإن قلت: أدخل في حكم الشرط أربعة وهم: المرضى والمسافرون والمحدثون
ج 1 ص 745
وأهل الجنابة فيمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم؟
قلت: الظاهر: أنه متعلق بهم جميعًا، وأن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتيمموا، وكذلك السفر إذا عدموه لبعده، والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب. انتهى.
وهو ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين، وفعله صلى الله عليه وسلم بين أن فرض المسح في اليدين إلى المرفقين وعند المالكية والحنابلة فرضه إلى الكوعين وسنته إلى المرفقين
( {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} في الدين {مِنْ حَرَجٍ} ) : في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم ( {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} ) : بالصعيد إذا أعوزكم التطهر بالماء أو ليطهركم عن الذنوب؛ فإن الوضوء يكفر الذنوب
( {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} ) : أي: وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه أو ببيان ما هو مطهرة للقلوب والأبدان عن الآثام والأحداث ( {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المَائِدَة:6] ) : نعمه فيزيدها عليكم.
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على نيف وسبعين حكمًا مبسوطة في (( تيمم الضياء عن فوائد الهداية ) )، وعلى ثمانية أمور، كلها مثنى: طهارتين: الوضوء والغسل، ومطهرين: الماء والصعيد، وحكمين: الغسل والمسح، وموجبين: الحدث والجنابة، ومبيحين: المرض والسفر، ودليلين: التفصيلي في الوضوء والإجمالي في الغسل، وكنايتين: الغائط والملامسة، وكرامتين: تطهير الذنوب وإتمام النعمة؛ أي: بموته شهيدًا لحديث: (( من داوم على الوضوء مات شهيدًا ) )، ذكره في (( الجوهرة ) ).
وأتى في الوضوء بـ (( {إن} ) )التحقيقية، وفي الجنابة بـ (( {إن} ) )التي للشك للإشارة إلى أن الصلاة من الأمور اللازمة، والجنابة من الأمور العارضة. وصرح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء؛ ليعلم أن الوضوء سنة وفرض والحدث شرط للثاني دون الأول، فيكون الغسل على الغسل والتيمم على التيمم عبثًا، والوضوء على الوضوء نورًا على نور، كذا في (( شرح التنوير ) )
(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ} ) : أي: لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها كقوله: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء:32] . وقيل: معناه: ولا تقربوا مواضعها، وهي المساجد، كذا في (( الكشاف ) )
( {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} ) : من خمر أو من غلبة نوم ونعاس ( {حَتَّى تَعْلَمُوا} ) : أي: حتى تفيقوا من نشوة السكر أو تنتبهوا من غلبة النعاس والنوم ( {مَا تَقُولُونَ} ) : أي: ما تتكلمون به في صلاتكم.
قال في (( الكشاف ) ): روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ثم نزل تحريمها. انتهى. [1]
وقرئ: (( {سُكارى} ) ): بضم السين و «سَكرى» : بفتحها على أنه جمع كهلكى أو مفرد على أنه بمعنى وأنتم قوم سكرى، وقرئ: «سُكرى» : بالضم كحُبلى على أنها صفة لجماعة.
( {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} ) : عطف على محل: (( {وَأَنتُمْ سُكَارَى} ) ) [النساء:43] : الواقعة حالًا.
قال في (( الكشاف ) ): استثناء من عامة أحوال المخاطبين وانتصابه على الحال. فإن قلت: كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها؟
قلت: كأنه قيل: ولا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي حال السفر وعبور السبيل عبارة عنه. ويجوز أن لا يكون حالًا، ولكن صفة لقوله {جنبًا} : أي: لا تقربوا الصلاة جنبًا غير عابري سبيل؛ أي: جنبًا مقيمين غير معذورين.
فإن قلت: كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟
قلت: أريد الجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا مسافرين.
وقال: من فسر {الصلاة} بالمسجد معناه: ولا تقربوا المسجد جنبًا إلا مجتازين فيه إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه. وقيل: إن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد فرخص لهم. انتهى.
أقول: وهذا الذي ذكره من تقييد جواز الاجتياز بما إذا كان الطريق إلى الماء فيه ... إلخ مذهب أبي حنيفة؛ فإن العبور عنده ممتنع إلا لضرورة بحيث لا يمكنه غيره، خلافًا للشافعي رحمه الله تعالى
( {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ) : غاية للنهي عن القربان حال الجنابة ( {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النِّسَاء:43] ) : قال في (( الكشاف ) ): كناية عن الترخيص؛ لأن من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر أن يكون ميسرًا غير معسر. انتهى.
كذا ذكرت الآيتان بتمامهما في فرع اليونينية وعند ابن عساكر: < {فَتَيَمَّمُواْ} إلى قوله:
ج 1 ص 746
{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6] >، وفي رواية: (( {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة:6] الآية ) )، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني والأصيلي: < {وإن كنتم جنبًا فاطهروا} إلى قوله: {لعلكم تشكرون} >.
وفي رواية في الآية الثانية: (( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ} الآية إلى قوله: {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء:43] ) )، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: < {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} إلى قوله: {عَفُوًّا غَفُورًا} >.
[1] في هامش الأصل: (( قوله: روي أن عبد الرحمن بن عوف ... إلخ: قال المنذري: هذا الحديث قد اختلف في إسناده ومتنه، فذكر الاختلاف في إسناده، ثم قال: وأما الاختلاف في متنه ففي كتاب أبي داود والترمذي: أن علي بن أبي طالب أمهم في المغرب فقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} فخلط فيها، وفي كتاب النسائي وأبي جعفر النحاس: أن المصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وفي كتاب أبي بكر البزار: أمر أمر رجلًا فصلى بهم، ولم يسم، وفي حديث غيره: فتقدم بعض القوم، كذا في هامش نسخة العجيمي ) ).