221 م# (وَحَدَّثَنَا خَالِدٌ) بواو العطف على قوله: (( حدثنا عبدان ) )وخالد هو ابن مخلد، كما للأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر، وهو بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام.
قال في (( الفتح ) ):
ج 1 ص 696
سقطت الواو من رواية كريمة، والعطف فيه على قوله: حدثنا عبدان، وسليمان هو ابن بلال، وبان لي أن المتن على لفظ روايته؛ لأن لفظ عبدان فيه مخالفة لسياقه كما أشرنا إليه أنه عند البيهقي. انتهى.
(قَالَ: وحَدَّثَنَا) وللأصيلي وأبي الوقت: بترك الواو وهو أولى (سُلَيْمَانُ) ابن بلال (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري أنه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ) أي: في ناحية منه (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) أي: على البول في المسجد، وهذا يفيد أن صيانة المسجد عن النجاسات كان أمرًا مقررًا عندهم.
(فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم عن زجره للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أخفهما(فَلَمَّا قَضَى) أي: الأعرابي (بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَنُوبٍ) بفتح الذال المعجمة وهي الدلو العظيمة، أو المملوءة ماء، والمراد بها المظروف فيها من إطلاق المحل وإرادة الحال بدليل قوله: (مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ) بزيادة همزة في أوله مضمومة وبسكون الهاء أو ضمها على ما في اليونينية.
لكن قال في (( الفتح ) ): ويجوز إسكان الهاء وفتحها.
وضبطه ابن الأثير في (( النهاية ) ): بفتح الهاء، ولأبي ذر: بضم الهاء من غير همز وهي أقيس؛ لأنها أقل تكلفًا إذ ليس فيها إلا قلب الهمزة هاء.
(عَلَيْهِ) أي: على بول الأعرابي، وفي الحديث من الفوائد: ما استنبطه الشافعي رحمه الله تعالى أن الأرض إذا أصابتها نجاسة وصب عليها الماء تطهر.
وقال النووي: لا يشترط حفرها.
وقال العيني: قال أصحابنا: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة، فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة، وتسفل الماء يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على اجتهاده، وما استقر في غالب ظنه أنها طهرت، ويقوم التسفل في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية يصب عليها الماء ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت صعودًا يحفر في أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحفيرة، ثم تكبس الحفيرة، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها لا تغسل؛ لعدم الفائدة بل يحفر.
وعند أبي حنيفة: لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوى وينقل التراب. انتهى.
وقد ذكر الأحاديث الدالة على ذلك.
قال في (( الفتح ) ): وفيه: تعين الماء لإزالة النجاسة؛ لأن الجفاف بالريح أو الشمس لو كان يكفي لما حصل التكليف بطلب الدلو. انتهى.
قال العيني: وهو استدلال فاسد؛ لأن ذكر الماء هنا لا يدل على نفي غيره؛ لأن الواجب هو الإزالة والماء مزيل فيقاس عليه ما كان مزيلًا لوجود الجامع. انتهى.
أي: كالخل وماء الورد ونحوهما.
قال في (( الفتح ) ): وفيه: أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة ويلتحق بها غير الواقعة؛ لأن البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة فإذا لم يثبت أن التراب نقل وعلمنا أن المقصود التطهير تعين الحكم بطهارة البلة وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضًا مثلها لعدم الفارق. انتهى.
ومحل ذلك فيما إذا انفصلت الغسالة غير متغيرة وإلا فهي نجاسة إجماعًا.
ووجه الاستدلال من الحديث: أن الماء المصبوب على بول الأعرابي لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره فلولا أن الغسالة طاهرة؛ لكان الصب ناشرًا للنجاسة وذلك خلاف مقصود التطهير، وفيه: دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها من الأقذار والنجاسات.
ويدل لذلك تمام الحديث في رواية مسلم: ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه؛ أي: الأعرابي فقال له: (( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ) ).
وفيه: المبادرة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه: مبادرة الصحابة رضي الله عنهم إلى الإنكار بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من غير مراجعة له، وليس هذا من التقدم بين يدي الله ورسوله؛ لأن إنكار
ج 1 ص 697
المنكر كان ثابتًا مقررًا عندهم منه صلى الله عليه وسلم، فأمر الشارع متقدم على ما وقع منهم فكان مأذونًا فيه منه، وفيه: دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وفيه: المبادرة إلى إزالة المفاسد؛ لأن الأعرابي حين فرغ أمر صلى الله عليه وسلم بصب الماء.