ج 1 ص 261
وتركه.
وعبارة العيني هكذا يجوز في باب الوجهان:
أحدهما: الإضافة إلى الجملة التي بعده، وتكون كلمة إذا للظرفية المحضة، والتقدير باب حين عدم كون الإسلام على الحقيقة.
والوجه الآخر: أن ينقطع عن الإضافة وتكون إذا متضمنة معنى الشرط، والجزاء محذوف والتقدير باب إن لم يكن الإسلام على الحقيقة لا يعتد به، أو لا ينفعه، أو لا ينجيه أو نحو ذلك، وعلى كل تقدير ارتفاع باب على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب انتهى.
وفي قوله في الوجه الأول أن الباب مضاف إلى الجملة مع حكمه بأن إذا للظرفية المحضة نظر ظاهر إذ الباب على هذا التقدير مضاف إلى لفظة إذا الواقعة ظرفًا لا إلى الجملة، والمضاف إلى الجملة إذا؛ لأنها ملازمة للإضافة إلى الجملة الفعلية.
قال ابن مالك في (( ألفيته ) ): وألزموا إذا إضافة إلى جمل الأفعال كمن إذا اعتلى، وكلام الكرماني سالم عن هذا الوهم فإنه قال: لفظة إذا للظرفية المحضة؛ أي: باب وقت عدم كون الإسلام على الحقيقة فلفظة الباب هي مضافة إليها انتهى.
وقال الكرماني: فإن قلت: إذا للاستقبال ولم تقلب المضارع ماضيًا، فكيف اجتماعهما؟.
قلت: إذا هنا لمجرد الوقت، ويحتمل أن يقال لم لنفي الكون المقلوب ماضيًا، وإذًا لاستقبال ذلك النفي.
قال في (( الفتح ) ): ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يرادف الإيمان، وينفع عند الله تعالى، وعليه قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران:19] وقوله تعالى: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:36] ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقة في كلام المصنف هي الشرعية.
ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث أن المسلم يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه، ولا يكون مؤمنًا؛ لأنه لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية أنه مسلم، وأما اللغوية فحاصلة.
(وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلاَمِ) أي: الانقياد الظاهر (أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ) لا رغبة فيه (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذر والأصيلي: ، والجار والمجرور متعلق بالجواب المقدر؛ أي: لا يعتد به لقول الله تعالى (قَالَتِ الأَعْرَابُ) أهل البادية مطلقًا، أو من العرب ولا واحد له من لفظه، ولذا ينسب إليه على لفظه، والمراد بهم هنا نفر من بني أسد وخزيمة على ما قاله البغوي.
وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الفتح وهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا يقولون: آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدب فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين باطنًا، فأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وغلاء الأسعار، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتتك العرب بأنفسها، وأتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يريدون الصدقة ويمنون عليه بإسلامهم فأنزل الله تعالى:
( {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} ) أي: الإيمان الشرعي إذ الإيمان هو التصديق المقارن للثقة وطمأنينة القلب، ولم يحصل لكم ذلك وإلا لما مننتم على ما ذكرتم كما ينبني عنه آخر السورة.
( {وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} ) أي: استسلمنا وانقدنا بالنطق بالشهادتين مخافة القتل أو السبي دون مواطأة القلب، فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم، وإظهار الشهادة وترك المحاربة مشعر به، وإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال: {لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا} ، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم للاحتراز من النهي عن التلفظ بالإيمان، وللتفادي عن إخراج قولهم مخرج التسليم والاعتداد به مع كونه تقولًا محضًا، وفي الآية حجة على الكرامية ومن وافقهم من المرجئة في قولهم: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط.
ومما يرد عليهم قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء:145] مع كونهم كانوا ينطقون بالشهادتين، وقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة:22] ولم يقل في ألسنتهم، ومن أقوى ما يرد عليهم به الإجماع على كفر المنافقين مع إتيانهم بالشهادتين كما تقدم، فإذا كان؛ أي: الإسلام على الحقيقة وهو الذي يطابق فيه القلب اللسان ويرادف الإيمان ويكون منقذًا لمن اتصف به من الخلود في النيران فهو على قوله؛ أي: جار ووارد على وفق قوله جل ذكره:
( {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} ) بكسر إن بناء على أن هذه الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى وهي قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران:18] الآية، وقرئ بفتح أن على البدلية من الأولى بدل الكل أن فسر الإسلام بالإيمان وبدل الاشتمال أن فسر بالشريعة كأنه قال: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، وقرأ أبي بن كعب: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} بلام التأكيد في الخبر.
وقد استدل المؤلف بهذه الآية على أن الإسلام الحقيقي هو الدين، وعلى أن الإسلام والإيمان مترادفان وهو قول جماعة من المحدثين وجمهور المعتزلة والمتكلمين، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:35 - 36] فاستثنى المسلمين من المؤمنين، والأصل في الاستثناء الاتصال فيكون الإسلام هو الإيمان ورد بقوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14]
ج 1 ص 262
فلو كان شيئًا واحدًا للزم إثبات الشيء ونفيه في حالة واحدة وهو محال.
وأجيب: بأن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان وهو في الآية بمعنى الانقياد الظاهر من غير انقياد الباطن كما تقدم آنفًا، ثم استدل المؤلف على مذهبه بآية أخرى على ما في كثير من النسخ وهي قوله تعالى ( {وَمَن يَبْتَغِ} ) أي: يطلب من بغيت الشيء طلبته ( {غَيْرَ الإِسْلاَمِ} ) أي: غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى ( {دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} ) [آل عمران:85] جواب الشرط.
ووجه الدلالة على ترادفهما أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولًا، ولكان صاحبه في الآخرة من الخاسرين، فتعين أن يكون عينه؛ لأن الإيمان هو الدين والدين هو الإسلام، ولقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران:19] فينتج أن الإيمان هو الإسلام، وسقطت الآية للكشميهني والحموي.