وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:
26 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) نسبه لجده لشهرته به، وإلا فهو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي، مات سنة سبع وعشرين ومائتين عن أربع وتسعين سنة (وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقري المتقدم ذكره (قَالاَ) بالتثنية.
(حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف السابق (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح الياء على المشهور وكان يكره ذلك ويقول: سيب الله من سيبني، كذا اشتهر عنه، واشتهر أن الشافعي رحمه الله تعالى كان يتحاشى عن إطلاق ذلك عليه من أجل دعائه هذا.
وأقول: أن هذا الدعاء لا يصيب من فتح الياء منه شيء؛ لأنه إنما سيب أباه ولم يسيبه، وإن قلت: أنه صار علمًا بالغلبة على سعيد فالمسيب فيه جزء العلم، وجزء العلم غير دال على معنى، وهو ابن حزن بفتح الحاء وسكون الزاي وهو إمام التابعين علمًا، وفقيه الفقهاء دراية وفهمًا، وأبوه وجده صحابيان أسلما يوم فتح مكة، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل: لأربع، سمع عمر وعثمان وعليًا وسعد بن أبي وقاص وأبا هريرة رضي الله عنهم وهو زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه، وروى عنه خلق كثير من التابعين وغيرهم، واتفقوا على جلالته وتقدمه على أهل عصره في العلم والفتوى.
قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وقال أحمد: سعيد أفضل التابعين.
وقال النووي: وأما من قال أنه أفضل التابعين فمن أراد أفضلهم في علوم الشرع، وإلا ففي (( صحيح مسلم ) ): عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن خير التابعين رجل يقال له: أويس فمروه أن يستغفر لكم ) )وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.
وقال ابن قتيبة: كان جده حزن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (( أنت سهل ) )فقال: بل أنا حزن ثلاثًا، قال سعيد: فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا ففي ولده سوء خلق، وكان حج أربعين حجة لا يأخذ العطاء، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة وقبره بها ظاهر يزار، كما ذكره ابن خلكان.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل لعدم تعلق الغرض به وهو أبو ذر رضي الله عنه (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا عند الله وحذف المفضل عليه وتقديره من غيره كما في الله أكبر.
(قَالَ) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ولغير الأربعة وكريمة: بالفاء هو (إِيمَانٌ) أي: تصديق (بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ومما يجب لهما وما يستحيل، وما يستحيل عليهما وما يجوز (قِيلَ) أي: قال السائل المذكور (ثُمَّ مَاذَا) أي: أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟.
(قَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 260
(الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى ونصر دينه فهو أفضل مما بعده لبذله نفسه، وبذل النفس أقصى غاية الجود (قِيلَ) أي: قال ذلك السائل (ثُمَّ مَاذَا) أفضل (قَالَ) عليه الصلاة والسلام (حَجٌّ مَبْرُورٌ) هو الذي لم يخالطه إثم ومنه برت يمينه إذا سلمت من الحنث، وقيل: هو المقبول قالوا: ومن علاماته أن يرجع صاحبه وحاله خير مما قبله، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: الذي لا تعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما.
قال الكرماني: وتبعه العيني: البر الطاعة والقبول يقال: بر حجك بفتح الباء وضمها، لازمين وبر الله حجك، وأبر الله حجك؛ أي: قبله فله أربع استعمالات انتهى.
وفي قوله: بفتح الباء وضمها لازمين نظر؛ لأن ضم الباء لا يصح إلا إذا كان الفعل مبنيًا للمفعول فيصير حجك نائب الفاعل، وذلك يقتضي أن يكون مفعولًا به قبل بناء الفعل للمفعول، فالظاهر أن بر حجك بضم الباء فرع بر الله حجك فالاستعمال ثلاثة لا أربعة، وتعريف الجهاد للجنس فهو في معنى النكرة على أنه وقع في (( مسند الحارث بن أبي أسامة ) )ثم جهاد بالتنكير فراخى بين الثلاثة في التنكير بخلاف ما عند المصنف.
وفي (( الفتح ) ): وقال الكرماني: الإيمان لا يتكرر كالحج، والجهاد قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل، وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم وهو يعطي الكمال، وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد وهو يعطي الإفراد الشخصي فلا يسلم الفرق.
قلت: وقد ظهر من رواية الحارث التي ذكرتها أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة؛ لأن مخرجه واحد فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة، والله الموفق انتهى. واعترضه العيني بأمور يطول ذكرها.
قال في (( الانتقاض ) ): من تأملها عرف قصوره وإقدامه على الدفع بالصدر انتهى.
وفي العيني: فإن قلت: في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (( أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، ثم ذكر بر الوالدين، ثم الجهاد ) ).
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أي الإسلام خير؟ قال: (( تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) ).
وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أي الإسلام أفضل؟ قال: (( من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ).
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله ) )قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (( أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها ) )الحديث. ولم يذكر فيه الحج وكلها في الصحيح.
قلت: قد ذكر الإمام الحسين بن الحسين بن محمد بن حكيم الحليمي الشافعي عن القفال الكبير الشافعي الشاشي، واسمه أبو بكر محمد بن علي في كيفية الجمع وجهين:
أحدهما: أنه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة ) ).
والآخر: أن لفظه من مرادة، والمراد من أفضل الأعمال له كما يقال فلان أعقل الناس أي من أعقلهم، ومنه قوله عليه السلام: (( خيركم خيركم لأهله ) )ومعلوم أنه لا يكون بذلك خير الناس.
قلت: وبالجواب الأول أجاب القاضي عياض فقال: أعلم كل قوم بما لهم إليه حاجة، وترك ما لم يدعهم إليه حاجة، أو ترك ما تقدم علم السائل إليه، أو أعلمه بما يكمله من دعائم الإسلام، ولا بلغه عمله، وقد يكون للمتأهل للجهاد الجهاد في حقه أولى من الصلاة وغيرها، وقد يكون له أبوان لو تركهما لضاعا فيكون برهما أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: (( ففيهما فجاهد ) ).
وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين.
قلت: الحاصل أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال، ولهذا سقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في هذا الحديث المذكور في هذا الباب، ولا شك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد، ويقال: إنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص بل في حال دون حال انتهى.
ثم قال: فإن قلت: كيف قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام، والجهاد فرض كفاية؟
فالجواب: إنما قدم للاحتياج إليه أول الإسلام في محاربة الأعداء، وقد يقال: إن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفايات وإن لم يتعين لم يقع إلا فرض كفاية، وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة وما زاد نفل، فإن قوبل واجب الحج بمتعين الجهاد كان الجهاد أفضل بهذا الحديث، ولأنه وإن شاركه الحج في الفرضية فقد زاد بكونه نفعًا متعديًا إلى سائر الأمة، وبكونه ذبًا عن بيضة الإسلام، وقد قيل: ثم هنا للترتيب في الذكر كقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد:17] .
وقيل: ثم لا تقتضي ترتيبًا، فإن قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما أنه يقع فرض كفاية وهو أفضل من النفل بلا شك.
وقال إمام الحرمين: فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث أن فعله مسقط للحرج عن الأمة بأسرها وبتركه يعصي المتمكنون كلهم ولا شك في عظم وقع ما هذه صفته انتهى.