وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:
25 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) ولابن عساكر: بضم الميم وفتح النون نسب إلى المسندات لطلبه لها، أو لكونه أول من جمع مسندات الصحابة على التراجم.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ) بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة (الْحَرَمِيُّ) بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم وتشديد الياء آخر الحروف وهو اسمه بلفظ النسبة تثبت فيه الألف واللام وتحذف كما في مكي بن إبراهيم وهو:
(ابْنُ عُمَارَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة واسم أبي حفصة نابت بالنون، وقيل: بالثاء المثلثة والأول أشهر، توفي سنة إحدى ومائتين، وما في القسطلاني من أنه توفي سنة إحدى وثمانين فسهو أو تحريف من النساخ، روى له الجماعة إلا الترمذي.
قال يحيى بن معين: صدوق، ووهم الكرماني في هذا في موضعين الأول أنه جعل الحرمي نسبته وليس هو بمنسوب إلى الحرم أصلًا؛ لأنه بصري الأصل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة، والثاني أنه جعل اسم جده حيث قال: أبو روح كنيته واسمه نابت والحرمي نسبته والصواب ما ذكرناه، كذا في العيني.
(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ وَاقِدِ) بالواو والقاف المكسورة (ابْنِ مُحَمَّدٍ) زاد الأصيلي كما في فرع اليونينية: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أي: محمد المذكور (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، فواقد روى عن أبيه وأبوه روى عن جده.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ أُمِرْتُ) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول، ولم يذكر الأمر للعلم به؛ أي: أمرني ربي بالوحي الجلي أو الخفي.
(أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: أجاهدهم وأحاربهم وهو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالناس المشركون، وأهل الكتاب ما عدا أهل الذمة وأن مصدرية أو مفسرة لما في الأمر من معنى القول (حَتَّى يَشْهَدُوا) وفي رواية: (أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) والاقتصار في رواية أبي هريرة على لا إله إلا الله من الاكتفاء بذكر إحدى القرينتين عن الأخرى على حد قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] على أن الطبري قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في حال قتال الذين لا يقرون بالتوحيد.
وقال الشهاب ابن حجر المكي في (( شرحه على الأربعين النووية ) ): أن أقاتل الناس؛ أي: عبدة الأوثان منهم دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولوا: لا إله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بالشهادتين، قاله الخطابي، لكنه إنما يجيء في رواية أبي هريرة لاقتصارها على لا إله إلا الله.
أما على رواية ابن عمر فالمراد بهم جميع الكفار، وتاركوا الصلاة والزكاة وإن كانوا مسلمين، كما دل عليه الحديث ويأتي موضحًا في (( شرحه ) )فتخصيص جمع من الشراح الناس هنا بما قاله الخطابي وهم لما عرفت، وإنما لم يدخل الجن مع أن لفظ الناس قد يشملهم كما قاله الجوهري، ورسالته صلى الله عليه وسلم عامة لهم إجماعًا؛ لأنه لم يرد أنه صلى الله عليه وسلم قاتل نوعًا منهم داعيًا لهم إلى التوحيد كما فعل ذلك بالإنس، وإنما الذي جاء أن جماعة منهم كجن نصيبين وغيرهم أسلموا على يديه صلى الله عليه وسلم من غير قتال انتهى.
وقال الطيبي: هو من العام الذي خص منه البعض؛ لأن القصد الأول من هذا الأمر حصول هذا المطلوب لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
فتخلف بعض الأفراد لعارض لا يقدح في عمومه، فإن عبدة الأوثان مثلًا إذا وقعت معهم المهادنة ثبتت عصمتهم وسقطت مقاتلتهم أو لأنه يجوز أن يعبر بمجموع هذه الثلاثة عن إعلاء كلمة الله، وإذعان المخالفين فيحصل في بعضهم بذلك، وفي بعض بالجزية، وفي آخرين بالمهادنة، أو لأنه يحتمل أن ضرب الجزية كان بعد هذا الأمر بدليل تأخره عن قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:5] فهو منسوخ في حق أهل الكتاب
ج 1 ص 253
بجواز أخذ الجزية منهم بل وجوبه إن بذلوها انتهى.
وحتى هنا تحتمل الغاية للقتال أو للأمر، وتحتمل التعليل والاستثناء.
وفي (( شرح المشكاة ) )للمحقق علي القاري: قال ابن حجر: حتى غاية لأموت أو أقاتل وهو أولى؛ أي: إلى أن يأتوا بأربعة أشياء ما لم يعطوا الجزية إن كانوا من أهلها أو بعقد لهم أمان أو هدنة إن كانوا من غير أهلها كما استفيد من أدلة أخرى انتهى.
وقوله وهو أولى خلاف الأولى؛ لأن الغاية تتعين للمقاتلة القابلة للاستمرار، ولا يصح أن تكون غاية للأمر لعدم الاستمرار انتهى.
أقول: الذي نقله عنه يقتضي أولوية كونها غاية لأقاتل؛ لأنه أقرب مذكور بالنسبة للضمير اللهم إلا أن يقال أن المؤاخذة في تعبيره بالأولى فكان حق التعبير أن يقول: أو أقاتل وهو الصواب أو المتعين، لكن يعكر عليه أن الكرماني والعيني وغيرهما طرقوا الاحتمالين فكيف يكون أحدهما متعينًا فليتأمل؟.
وظاهر الحديث أنه لابد في الإسلام من لفظ أشهد بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلو قال: أعلم بدل أشهد أو أسقطها فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله لم يكن مسلمًا.
قال الشهاب ابن حجر المكي: وهو ما اعتمده بعض المتأخرين منا، ويؤيده أن الشارع تقيد بلفظ أشهد في أداء الشهادة فلا يكفي أعلم ولا نحوها، وإن رادفت أشهد؛ أي: في إفادة مطلق العلم لا مطلقًا لأن الشهادة أخص منه، فكل شهادة علم ولا عكس.
واستدل بكلام (( الروضة ) )في الكفارة لكن رواية حتى يقولوا ... إلخ ظاهرة في عدم اشتراط لفظ أشهد، وأن المراد في أحاديثه يقول ولم يعكس؛ لأن حمل أشهد على يقول عليه قرينة خارجية هي أن هذه الكلمة تسمى كلمة الشهادة وإن سقط أشهد وحمل يقول على أشهد لا قرينة عليه خارجية، وأيضًا فالاحتياط للمشهود به المبني على المشاحة غالبًا اقتضى تضييق طرقه والاحتياط للدخول في الإسلام والعصمة المتشوف إليها الشارع اقتضى توسعة طرقه فعملنا بالاحتياط المذكور في البابين.
وكلام (( الروضة ) )في الإيمان يقتضي عدم الاشتراط، ويؤيده اكتفاؤهم في حق من لم يدن بشيء بآمنت بالله وكذا، أو من لم يرد به الوعد أو أسلمت لله أو الله خالقي أو ربي ثم يأتي بالشهادة الأخرى، فإذا اكتفوا بنحو الله خالقي مع أنه لا شيء فيه من الوارد نظرًا للمعنى دون اللفظ فأولى الاكتفاء بلا إله إلا الله كما هو واضح؛ لأنه وجب فيه لفظ الوارد نظرًا لرواية يقولوا، ومعناه نظرًا لرواية يشهدوا فعلم أنهم لم يتعبدوا هنا بلفظ الوارد، فيكفي بدل إله بارئ أو رزاق، وبدل الله محيي أو مميت إن لم يكن طبائعيًا أو من في السماء دون ساكن السماء، أو من آمن به المسلمون، وبدل محمد أحمد وأبو القاسم وبدل إلا غير وسوى وعدا، وبدل رسول نبي.
ولبعض أئمتنا رأي ثالث وهو اشتراط أشهد أو مرادفها كأعلم، وأنه يشترط ترتيبهما وإن لم تقتضه الواو فلا يصح الإيمان بالنبي قبل الإيمان بالله.
نعم لا يشترط المولاة بينهما ولا العربية وإن أحسنها، وأنه لابد من مجموعهما في الإسلام، فلا يكفي أحدهما خلافًا لما شذ به بعض أصحابنا أنه يكفي لا إله إلا الله وحدها، وأنه لا يشترط زيادة عليهما وهي البراءة من كل دين يخالف دين الإسلام، ومحله إن أنكر أصل رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن خصصها بالعرب اشترط زيادة إقرار بعمومها ويزيد حتمًا من كفر بإنكار معلوم من الدين بالضرورة، اعترافه بما كفر بإنكاره أو التبرؤ من كل ما خالف الإسلام والشرك، وكفرت بما كنت أشركت به انتهى.
وإنما نقلته على طوله لما فيه من الفوائد المهمة.
وفي (( شرح التنوير ) )العلائي: الكفار أصناف خمسة من ينكر الصانع كالدهرية، ومن ينكر الوحدانية كالثنوية، ومن يقر بهما لكن ينكر بعثة الرسل كالفلاسفة، ومن ينكر الكل كالوثنية، ومن يقر بالكل لكن ينكر عموم رسالة المصطفى كالعيسوية، فيكتفي في الأولين بقول لا إلله إلا الله، وفي الثالث بقول محمد رسول الله، وفي الرابع بأحدهما، وفي الخامس بهما مع التبرؤ عن كل دين يخالف دين الإسلام بدائع، وآخر كراهية الدرر وحينئذ فيستفسر من جهل حاله بل عمم في الدرر اشتراط التبرؤ في كل يهودي ونصراني، ومثله في (( فتاوى المصنف ) )وابن نجيم وغيرهما.
وفي (( رهن قارئ الهداية ) ): كذا أفتى علماؤنا والذي أفتى بصحة الشهادتين بلا تبرئ لأن التلفظ بهما صار علامة على الإسلام فيقتل إن رجع ما لم يعد انتهى.
(وَ) حتى (يُقِيمُوا الصَّلاَةَ) أي: المفروضة بتعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه، أو بالمداومة عليها من قامت السوق إذا نفقت أو بالتجلد والتشمير في أدائها من قامت الحرب على ساقها أو بأدائها تعبيرًا عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها والصلاة هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم.
قال العيني: وفي شرح (( المشكاة ) )للمحقق علي القاري قيل: فيه دليل لمذهب الشافعي بأن تارك الصلاة يقتل بشرطه المقرر في الفقه، وفيه أن الكلام
ج 1 ص 254
في المقاتلة لا في القتل، ومقاتلة الإمام لتاركي الصلاة إلى أن يأتوا بها محل وفاق مع أنه منقوض بترك الزكاة فإنه لم يقل به أحد انتهى.
وفي (( المصابيح ) ): والحديث المذكور من أدلة قتل تارك الصلاة، وقال إمام الحرمين: إن المسلك فيه ضيق.
قال ابن المنير: وأي سعة بعد الكتاب والسنة، ولا يبعد على ابن حبيب من أصحابنا القائل بأنه يقتل كفرًا أن يستدل لهما أيضًا، فإن القتال قبل الشهادتين لا خلاف في أنه يقتل المطلوب فيه كفرًا، وقد استصحبه الحديث، وجعل غايته أن يفعل الأعمال المذكورة كلها، وكذلك الآية ودعوى اختلاف القتلتين قبل الشهادة وبعدها مردودة بظاهر الاستصحاب واتحاد الفعل الذي انتهى بالغاية المذكورة، والاستشهاد بالحديث من وجهين:
أحدهما: الغاية، والأخرى: المفهوم.
فإن مفهوم الشرط من قوله فإذا فعلوا ذلك أنه متى لم يفعلوه بجملته، أو تركوا شيئًا منه قتلوا كفرًا ولم يعصموا.
ووجه ثالث في الدلالة وهو إدخال المال مع النفس فإنها تنهدر عصمة المال إذا قتل كفرًا، وأما المقتول حدًا فماله معصوم وترثه ورثته انتهى.
أقول: لا يرد على الحنفية من هذه الوجوه الثلاثة شيء؛ لأن مفهوم المخالفة عندهم غير حجة، وإدخال المال مع النفس دلالة اقتران وهي عندهم غير معتبرة كما هو مقرر في كتب أصول الفقه.
وفي (( الفتح ) ): وسأل الكرماني عن حكم تارك الزكاة، وأجاب: بأن حكمهما واحد لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرًا بخلاف الصلاة فإن انتهى إلى نصب القتال بمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحدًا منهم صبرًا، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر للفرق بين صيغة أقاتل وأقتل.
وقد أطنب ابن دقيق العيد في (( شرح العمدة ) )في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله انتهى.
(وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهي لا تكون إلا مفروضة وهي القدر المخرج من نصاب حولي للمستحق، وفيه دليل لقتال مانعيها ولا نزاع فيه، ومن ثم قاتلهم الصديق وأجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومثلها في قتال الممتنعين منها بقية شرائع الإسلام، وإنما خصت الصلاة والزكاة بالذكر؛ لأنهما أصل العبادات البدنية والمالية وأساسها، والعنوان على غيرهما، ولذا سميت الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام، وقرن بينهما في القرآن في اثنتين وثمانين موضعًا، أو لعظم شأنهما على النفوس لتكررهما، أو لم يكن الصوم والحج مفروضين حينئذ، أو المراد حتى يسلموا، ويدل عليه رواية البخاري: (( حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ) ).
ولهذا حذفتا في رواية استغناء عنهما بالشهادتين؛ لأنهما الأصل، قال المحقق علي القاري في (( شرح مشكاة المصابيح ) ): الشهادة إشارة إلى تخلية لوح القلب عن الشرك الجلي والخفي وسائر الخواطر الفاسدة الرديئة، ثم تحليته بالمعارف اليقينية، والحكم الإلهية، والاعتقادات الحقية، وأحوال المعاد وما يتعلق بالأمور الغيبية والأحوال الأخروية؛ لأن من أثبت ذات الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته التي دل عليها اسم الله ونفي غيره وصدق برسالة النبي بنعت الصدق والأمانة فقد وفى بعهدة عهده، وبذل نهاية جُهده في بداية جَهْده، وآمن بجميع ما وجب من الكتب والرسل والمعاد، وإن لم يتعرض لأعداد سائر الأعداد، وإقامة الصلاة إرشاد إلى ترك الراحات البدنية، وإتعاب الآلات الجسدية وهي أم العبادات التي إذا وجدت لم تتأخر عنها البواقي؛ ولذا استغنى عن عدها وترك السيئات، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإيتاء الزكاة، وهو الإعراض عن الفضول المالية، بل عن كل موجود وهمي بالموجود الحقيقي، وبذل المال الذي هو شقيق الروح لاستفتاح أبواب الفتوح، واللام فيها للعهد أو للجنس فينصرف إلى الكامل كقولهم: هو الرجل كان ما عدا صلاة المسلمين وزكاتهم ليس بصلاة ولا زكاة انتهى.
وفي شرح (( الأربعين النووية ) )للشهاب ابن حجر المكي: وإنما لم نقل بأن تاركها يقتل وإن قال به جماعة؛ لأنه إن امتنع أمكن تخليصها منه بالقتال، وإلا أمكن تخليصها منه بلا قتال فلم يجز القتل هنا حينئذ إذ لا ضرورة إليه بخلافه في تارك الصلاة؛ لأنه إن امتنع لم يمكن استيفاؤها منه فغلظت عقوبته بالقتل ما لم يتب بأن يصلي انتهى. وتقدم آنفًا عدم دلالة الحديث على القتل.
(فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أي: المذكور من الشهادتين والصلاة والزكاة قولًا كالشهادتين، أو فعلًا وقولًا كالصلاة أو فعلًا محضًا كالزكاة ففيه التعبير بالفعل عما بعضه قول إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم إذ القول فعل اللسان.
(عَصَمُوا) بفتح الصاد؛ أي: منعوا وحفظوا ومنه اعتصمت بالله، وأصل العصمة العصام وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء، كذا في (( الفتح ) ).
وتعقبه العيني فقال: هذا القائل قلب الاشتقاق، وإنما العصام مشتق من العصمة؛ لأن المصادر هي التي يشتق منها، ولم يقل بهذا الأمر إلا من لم يشم رائحة علم الاشتقاق انتهى.
أقول: ما ذكره مسلم في الاشتقاق الصغير على مذهب البصريين، وأما في الاشتقاق الكبير الذي هو أبدًا مناسبة بين الألفاظ في رجوع بعضها إلى بعض فلا فقد يجعلون المصدر مشتقًا من اسم جامد، ولـ (( صاحب الكشاف ) )اعتناء بذلك كما يعلم من تتبع كلامه، وكلام الحافظ ناظر لذلك فليتأمل.
(مِنِّي) أي: ومن أتباعي أو من قبلي وجهة ديني (دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) أي: استباحتها بالسفك والنهب المفهومين من المقاتلة، ولا ينافي ما تقرر من توقف العصمة على هؤلاء الثلاثة ما هو معلوم بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم كان يعصم الدم بالشهادتين، ومن ثم اشتد نكيره على أسامة لقتله من قالها، ولم يشترط على مريد الإسلام التزام صلاة ولا زكاة، بل روى أحمد: أنه قَبِل إسلام من اشترط أن لا زكاة ولا جهاد، ومن اشترط أن لا يصلي إلا صلاتين، ومن اشترط أن يسجد من غير ركوع.
ومن ثم قال أحمد: يصح الإسلام على الشرط الفاسد
ج 1 ص 255
ثم يؤمر بشرائع الإسلام كلها، وخبر لم يكن صلى الله عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ضعيف جدًا، ومع ضعفه فلا نسلم منافاته لذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان يقبل النطق بمجرد الشهادتين، لكنه لا يقر من نطق بهما على ترك صلاة ولا زكاة، ومن ثم أمر معاذًا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولًا إلى الشهادتين، وأن من أطاعه بهما أعلمه بالصلاة ثم بالزكاة وبهذا علم الجمع بين هذه الرواية ورواية أبي هريرة المفيدة العصمة بمجرد النطق بلا إله إلا الله يعني مع قرينتها كما عرف أنه بهما يعصم ويحكم بإسلامه، ثم إن أتى بشرائع الإسلام فظاهر، وإلا قوتل ذو المنعة، وزعم أنه يقاتل حتى يأتي بالثلاثة ابتداء التزامًا أو فعلًا فيكون حجة على خطاب الكفار بالفروع منظور فيه، فعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يعصم بمجرد الشهادتين، ثم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع من قتالهم انتهى ملخصًا من شرح (( الأربعين النووية ) )للشهاب ابن حجر المكي.
(إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ) الإضافة فيه لامية، والاستثناء مفرغ من أعم عام الجار والمجرور؛ أي: إذا فعلوا ذلك فلا يجوز إهدار دمائهم ولا استباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من استيفاء قصاص نفس أو طرف إذا قتل أو قطع، ومن أخذ مال إذا غصب إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية كقتل لنحو زنى محصن، وقطع لنحو سرقة وتغريم مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم.
قال الشهاب ابن حجر: وفسر هذا الحق في حديث بأنه زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل النفس التي حرم الله، وقضيته أن الزاني والقاتل تباح أموالهما وليس مرادًا فكأنه غلب الكافر عليهما انتهى.
ثم الحكم عليهم بما ذكر إنما هو باعتبار الظاهر، وأما باعتبار الباطن والسر فأمرهم ليس إلى الخلق.
(إذ حِسَابُهُمْ) أي: حساب بواطنهم فيما يسرونه من الكفر والمعاصي (عَلَى اللَّهِ) إذ هو المطلع على ما فيها من إيمان وكفر ونفاق، وغير ذلك، والمعنى أنا نحكم بظاهر الحال من الإيمان القولي ونرفع عنهم ما على الكفار ونؤاخذهم بحقوق الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله يتولى حسابهم فيثيب المخلص، ويعاقب المنافق، ويجازي العاصي بعصيانه، أو يعفو عنه فمن أخلص في إيمانه جزاه الله تعالى ثواب المخلصين، ومن لم يخلص أجرى عليه في الدنيا أحكام المسلمين، وكان في الآخرة من أسوء الكافرين.
قال الكرماني: لفظة على مشعرة بالإيجاب في عرف الاستعمال فهو على سبيل التشبيه؛ أي: هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع، وإلا فالأصل فيه أن يقال: حسابهم لله أو إلى الله أو هو واجب عليه شرعًا بحسب وعده، وأما عند المعتزلة فهو ظاهر؛ لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلًا، ومعناه أن أمور سرائرهم إلى الله، وأما نحن فنحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم، أو معناه هذا القتال وهذه العصمة إنما هو من الأحكام الدنيوية وهو مما يتعلق بنا، وأما الأخروية من دخول الجنة والنار والثواب والعقاب وكمياتهما وكيفياتهما فهو مفوض إلى الله لا دخل لنا فيها انتهى.
وقال النووي: في الحديث فوائد:
منها: وجوب قتال مانعي الصلاة والزكاة وغيرهما من واجبات الإسلام قليلًا كان أو كثيرًا.
ومنها: أن تارك الصلاة عمدًا معتقدًا وجوبها يقتل وعليه الجمهور، واختلفوا هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيام؟ الأصح الأول، والصحيح أنه يقتل بترك الصلاة الواحدة إذا خرج وقت الضرورة لها، وأنه يقتل بالسيف حدًا، وقال الإمام أحمد: يكفر، وقال أبو حنيفة: يحبس ولا يقتل ولا يكفر، وأما الصوم فلو تركه حبس ومنع من الطعام؛ لأن الظاهر أنه ينويه لأنه معتقد لوجوبه، وأما الزكاة فتؤخذ منه قهرًا.
ومنها: أن من أظهر الإسلام وفعل الأركان كففنا عنه، وفيه قبول توبة الزنديق؛ أي: الذي ينكر الشرع جملة وإن تكرر منه الارتداد وهو الصحيح، وفيه خلاف مشهور، وفيه اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادة في الحكم بالإسلام وأنه لا يكف عن قتالهم إلا بالنطق بهما انتهى.
وتقدم النقل عن الحافظ وابن دقيق العيد: أن لا دلالة في الحديث على قتل تارك الصلاة.
وفي الحديث أيضًا بيان واضح أن للإيمان أجزاء وشعبًا منها ما فرض على كل مكلف في كل حال وهو الأولى أو في بعضها وهو الثانية، وما هو فرض على بعض الآدميين ولو غير مكلف وهو الثالثة، والمراد بوجوبها على غير المكلف وجوبها في ماله والمخاطب بإخراجها منه وليه، فيلزمه إن لم يكن حنفيًا إخراجها فورًا وإن منعه الإمام واستفيد من تلك الثلاثة أنه يلحق بكل واحدة منها في كونه جزءًا وشعبة من الإيمان ما هو في معناه، وفيه زيادة على حديث أبي هريرة الذي روياه أيضًا: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها ) ).
وفي رواية: (( حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال
ج 1 ص 256
لا إله إلا الله عصم مني ... إلخ )) .
وأخرجه مسلم عن جابر بهذا اللفظ وزاد: (( ثم قرأ {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} ) ) [الغاشية:21 - 22] .
وعلى حديث أنس الذي رواه مسلم وإن كان الآخر فيه زيادة أيضًا وهو: (( أمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ) ).
وليس في الأحاديث الثلاثة ذكر الصوم والحج مع ذكرهما في حديث جبريل، وحديث بني الإسلام على خمس، فيحتمل أن هذه الثلاثة كانت قبل فرضهما، وحينئذ فيستفاد من ذينك الحديثين ضم الصوم والحج إلى ما في هذه الأحاديث فيعطيان حكمه من المقاتلة عليهما، والعصمة بفعلهما على أن لك أن تقول أنهما داخلان في قوله في حديث أبي هريرة: وبما جئت به فإنه شامل لذينك وغيرهما من جميع ما علم من دينه صلى الله عليه وسلم بالضرورة، وبهذا يزول ذلك التكلف ويتضح الأمر انتهى من شرح (( الأربعين النووية ) )ملخصًا.
وفي شرح (( المشكاة ) )للمحقق علي القاري: ثم الحساب مصدر كالمحاسبة وهو العد فقيل: معنى حسابهم على الله أنه يعلمهم ما لهم وما عليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وبما لهم من الثواب والعقاب.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (( لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى ويعطون كتبهم بأيمانهم فيقال: قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم فيقال: قد ضعفتها لكم ) ).
فيكون مجازًا من باب إطلاق السبب على المسبب؛ لأن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وما عليه أو أنه يجازيهم إذ الحساب سبب للأخذ والإعطاء قال تعالى: {وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39] معنى سرعته أن قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في إحداث شيء إلى فكر ورؤية ومدة وعدة، ولذا ورد أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة أو في لمحة انتهى.
ويؤيد ذلك ما أخرجه في (( الدر المنثور ) )عن البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس أحد يحاسب إلا هلك، فقلت: أليس الله يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الإنشقاق:7 - 8] قال: ليس ذاك بالحساب ولكن ذاك العرض، ومن نوقش الحساب هلك ) ).
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه عن عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض صلاته: (( اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا ) )فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: (( أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب هلك ) ).
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حوسب يوم القيامة دخل الجنة وتلت: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الإنشقاق:7 - 8] ثم تلت {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن:41] انتهى.
وهذا الحديث يقتضي أن الكافر لا حساب له إذ ليس له عمل صالح وهو مخلد في النار، لكن في (( هداية المريد ) )للشيخ إبراهيم اللقاني التصريح بأنه يكون للكافر أيضًا، ونص عبارته: واعلم أن كيفيات الحساب مختلفة، وأحواله متباينة، فمنه اليسير، ومنه العسير، ومنه السر، ومنه الجهر، ومنه الكثر، ومنه القل، ومنه التوبيخ، ومنه الفضل، ويكون للمؤمن والكافر وللإنس والجن الأمن ورد الحديث باستثنائه ففي حديث حذيفة: (( أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا ) )كما في رواية: (( ليس عليهم حساب ) ).
فالناس كما قال العلماء ثلاثة فرق فرقة لا يحاسبون أصلًا، وفرقة تحاسب حسابًا يسيرًا وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابًا شديدًا يكون منها مسلم وكافر، وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله تعالى فلا يحاسب، فلا يبعد أن يكون من الكافرين من هو أدنى؛ أي: أقرب إلى غضبه فيدخل النار ولا يحاسب أيضًا، وإذا عرفت أن القيامة مواطن شتى سهل عليك الجمع بين قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات:24] وقوله تعالى: {وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78] وبين قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن:41] وبين قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92 - 93] انتهى.
تنبيه: قال في (( الفتح ) ): وهذا الحديث غريب الإسناد تفرد بروايته شعبة عن واقد، قاله ابن حبان وهو عن شعبة عزيز تفرد بروايته عنه حرمي هذا وعبد الملك بن الصباح
ج 1 ص 257
وهو عزيز عن حرمي تفرد به عنه المسندي وإبراهيم بن محمد بن عرعرة.
ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبان والإسماعيلي وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، واتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته وليس هو في (( مسند أحمد ) )على سعته، وقد استبعد قوم صحته بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس إذ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله تعالى، والجواب أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضرًا له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكرهما له بعد، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه إلا بحق الإسلام، والزكاة حق الإسلام ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة.
وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خفي ذلك على فلان، والله تعالى الموفق انتهى.