فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 1465

(1) (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم) في الحديث الموصول الآتي بسنده تامًا إن شاء الله تعالى: (( بني الإسلام على خمس ) )وتمامه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان، وفي فرع اليونينية: كهي كتاب الإيمان، وقول النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أخرى: ، والأولى أصح؛ لأن ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته كما لا يخفى، وسقط لفظ عند الأصيلي.

قال في (( الفتح ) ): واقتصاره على طرفه من تسمية الشيء باسم بعضه، والمراد باب هذا الحديث انتهى.

وتعقبه العيني فقال: لا تسمية هنا، ولا إطلاق اسم بعض الشيء على الشيء، وإنما البخاري لما أراد أن يبوب على هذا الحديث بابًا ذكر أولًا بعضه لأجل التبويب، واكتفى عن ذكر كله عند الباب بذكره إياه مسندًا فيما بعد فافهم انتهى.

وأقول: كلامه لا يصادم ما ذكره في (( الفتح ) )فإنه صريح في أن بقية الحديث مرادة، لكن حذفها اعتمادًا على ما سيأتي من بقية الحديث، وما سيأتي من ترجمة أخرى فلا غنية له عن ذلك الإطلاق، نعم يتمشى كلام العيني على ما صححه النووي من سقوط الترجمة الآتية عقب هذه فتكون بقية الحديث داخلة تحت هذه الترجمة غاية الأمر أن البخاري جعل بعض الحديث ترجمة، ثم ساقه بعد ذلك مسندًا بتمامه، وسيأتي له مزيد بيان عند ذكر الترجمة الثانية.

ثم رأيت في كلام ابن كمال باشا ما يؤيد ذلك حيث قال: ويجوز ذكر بعض الحديث إذا تعلق به غرض، والمراد هنا ذكر عنوان الباب وهو يحصل بالقدر المذكور

ج 1 ص 161

من الحديث انتهى.

والإسلام لغة: الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان لها، وذلك حقيقة التصديق فيلزم من الإسلام التصديق.

وشرعًا: الانقياد إلى الأعمال الظاهرة الشرعية، أو هو نفس الأعمال الشرعية لما في حديث جبريل الذي انفرد به مسلم: (( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ... إلخ ) )فهما متغايران مفهومًا، وإن اتحدا في الماصدق بحسب الشرع فلا يصح أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، وبالعكس ويدل لذلك قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:35 - 36] وسيأتي لذلك مزيد تحقيق في الكلام على الحديث إن شاء الله تعالى.

(وهو) هذا الضمير يرجع إلى الإيمان المبوب عليه على ما ذهب إليه كثير من الشراح كالزركشي والتيمي، فإنه قال: ضمير هو راجع إلى الإيمان، قالت الأئمة: الإيمان يزيد وينقص ولم يقولوا الإسلام يزيد وينقص انتهى.

وقال الكرماني: هو راجع إلى الإيمان أو إلى الإسلام إن قلنا إنهما بمعنى واحد، وإليه ميل البخاري انتهى.

ويوافقه قول صاحب (( المصابيح ) )رادًا على الزركشي قلت: هذا ليس بظاهر، فإن مذهب البخاري أن معناهما واحد، ولولا ذلك لما حسن منه إدخال هذا الحديث في كتاب الإيمان في معرض الاستدلال به على قبوله الزيادة والنقص انتهى، وكذلك جزم العيني باتحادهما عند البخاري.

ورد ذلك ابن كمال باشا فقال: والظاهر في سياق الكلام في هذا المقام أن المصنف من الذاهبين إلى مغايرة الإيمان للإسلام حيث عطف قوله: وقول النبي عليه السلام على قوله الإيمان، فإنه ظاهر في جعل الإسلام شريكًا للإيمان في عنوان الباب، وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (( بني الإسلام على خمس ) )صريح في خروج التصديق من الإسلام، ولابد منه في الإيمان، ففيه دلالة ظاهرة على مغايرة الإيمان للإسلام، فذكر القول المذكور في هذا المقام كالتنصيص منه على القول بالمغايرة بينهما، وهذا كله ظاهر وإن خفي على من قال: إن ميل البخاري إلى أن الإيمان والإسلام واحد انتهى.

ثم قال: تحت قول البخاري وهو يعني الإيمان المذكور في عنوان الباب، ولا وجه لإرادة الإسلام؛ لأن كونه قولًا وفعلًا معلوم من عبارة الحديث المذكور لما مر أن تمام الحديث: (( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج والصوم ) )ولأنه حينئذ لا ينتظم ذكر الآيات المذكورة في مقام الاستشهاد؛ لأن دلالتها على زيادة الإيمان ونقصانه لا على زيادة الإسلام ونقصانه، ولا مساغ لبناء الكلام على اتحادهما لما عرفت أن مختار المصنف خلاف ذلك، وبهذا تبين أن تجويز رجوع الضمير المذكور إلى الإسلام من قصور التأمل في الكلام انتهى.

أقول: هو في ذلك تابع للزركشي والتيمي كما تقدم، وعبارة الزركشي ضمير هو راجع إلى الإيمان المبوب عليه لا للإسلام المذكور في الحديث، فإنه سيأتي منه تغايرهما في باب سؤال جبريل النبي عليهما الصلاة والسلام عن الإيمان والإسلام انتهى.

قول القول الكلام، أو كل لفظ مدل به اللسان تامًا أو ناقصًا، والجمع أقوال، وجمع الجمع أقاويل، والقول في الخير، والقال والقيل في الشر، كذا في (( القاموس ) ).

وهو في اصطلاح النحاة اللفظ الموضوع لمعنى مفردًا كان أو مركبًا مفيدًا أو غير مفيد، والمراد به هنا نطق اللسان بالشهادتين.

(وفعل) أي: بالجوارح والجنان، فأطلق على اعتقاد القلب فعلًا، قاله في (( المصابيح ) )، ولأبي ذر عن الكشميهني: بدل (( فعل ) )وهو شامل لعمل القلب والجوارح أيضًا، وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوه على الإيمان، وهذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل من كلام البخاري.

قال في (( الفتح ) ): ووهم ابن التين فظن أن قوله وهو ... إلخ مرفوع لما رآه معطوفًا، وليس ذلك مراد المصنف وإن كان ورد بإسناد ضعيف انتهى.

وقال الكرماني: فإن قلت: هو قول وفعل واعتقاد بالقلب، بل الاعتقاد

ج 1 ص 162

بالقلب هو الأصل فلمَ لم يذكره؟

قلت: لا تراع في أن الاعتقاد لابد منه، والبحث في أن القول باللسان والفعل بالجوارح هل هما منه أم لا فلذلك ذكر ما هو المتنازع فيه، أو نقول الفعل أعم من فعل الجوارح فيتناول فعل القلب، لكنه يتوجه أن يقال فلا حاجة إلى ذكر القول؛ لأنه فعل اللسان انتهى.

وقال العيني بعد أن ذكر الجواب الأول: وأجيب أيضًا: بأن الفعل أعم من فعل الجوارح فيتناول فعل القلب، وفيه نظر من وجهين:

أحدهما: أن يقال لا حاجة إلى ذكر القول أيضًا؛ لأنه فعل اللسان، والآخر: أن الاعتقاد من مقولة الانفعال دون الفعل انتهى.

وقرر ابن كمال باشا: أن الفعل شامل للاعتقاد دون القول الذي هو فعل اللسان بما لا يرد عليه ما ذكره الكرماني والعيني فقال: في قول المؤلف قول وفعل ظاهرًا كان ذلك الفعل كأعمال الجوارح، أو باطنًا كعمل القلب فيتناول التصديق، والفرق بأنه من قبيل الانفعال دون الفعل مبناه التدقيق الحكمي فلا يلتفت إليه، ثم إن الفعل مع عمومه المذكور مقابل للقول في العرف، فلذلك تراهم يكتفون بذكره في أمثال هذا المقام وبما قررناه اندفع ما قيل.

فإن قلت: هو قول وفعل واعتقاد بالقلب إلى آخر ما تقدم عن الكرماني، واتضح عدم اتجاه ما يقال أنه حينئذ يعني على تقدير تعميم الفعل لا حاجة إلى ذكر القول؛ لأنه فعل اللسان، ثم إن موجب القول بدخول أعمال الجوارح في الإيمان أن لا يكون التصديق وحده إيمانًا، والتزم به المعتزلة دون المحدثين.

قال الإمام البيضاوي في (( شرح المصابيح ) ): والإسلام هو الانقياد والإذعان يقال: أسلم واستسلم إذا خضع وأذعن، ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة، وهذا صريح في أن الأعمال خارجة عن مفهوم الإيمان، فإن الإيمان والإسلام متباينان كما أشعر به قوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14] .

وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري فلابد لهم من التأويل لقولهم المذكور بأن المراد من الإيمان الشامل للأعمال الإيمان الكامل، وإلى هذا أشار ابن بطال بقوله: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله ولا يسمى مؤمنًا مطلقًا، وهذا المعنى أراد البخاري إثباته، وعليه بوب الأبواب فقال: باب أمور الإيمان، باب الجهاد من الإيمان ونحوه، وأراد الرد على المرجئة في قولهم الإيمان قول بلا عمل انتهى.

إلا أن قوله: وأراد الرد على المرجئة محل نظر؛ لأن الرد عليهم لا يتم بدخول العمل في الإيمان الكامل، نعم يتم بدخوله في حقيقة الإيمان، ولا دلالة فيما ذكر عليه لما عرفت أن المراد من الإيمان في قوله: وهو قول وفعل الإيمان الكامل انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): أما القول فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح ليدخل الاعتقاد والعبادات، ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال تشترط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقصان كما سيأتي، والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط، والكرامية قالوا: هو نطق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل، والنطق، والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله، وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى.

أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود لصنم، فإن

ج 1 ص 163

كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعَلَ فِعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته، وأثبت المعتزلة الواسطة فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر انتهى.

(ويزيد) خبر بعد خبر (وينقص) معطوف عليه وليس معطوفًا على قول كما توهم؛ لأن الفعل لا يعطف على الاسم إلا إذا كان مشبهًا للفعل كما هو مقرر في محله؛ أي: يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

قال في (( الفتح ) ): ذهب السلف إلا أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا: متى قبل ذلك كان شكًا، قال النووي: والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا يعتريه الشبهة، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها.

وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه (( تعظيم قدر الصلاة ) ): عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في (( مصنفه ) )عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر، وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم.

وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وغيرهم من الأئمة.

وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان (( قول وعمل ويزيد وينقص ) )انتهى.

وقال العيني: إن هذه المسألة من فروع اختلافهم في حقيقة الإيمان، فقال بعض من ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق أن حقيقة التصديق شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقصان، وقال آخرون: إنه لا يقبل النقصان؛ لأنه لو نقص لا يبقى إيمانًا، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2] ونحوها من الآيات.

وقال الداودي: سئل مالك عن نقص الإيمان فقال: قد ذكر الله زيادته في القرآن، وتوقف عن نقصه، وقال: لو نقص لذهب كله.

وقال ابن بطال: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فإن من لم يحصل له الزيادة ناقص، ثم نقل عن الحافظ اللالكائي: أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم قالوا بذلك، وعد منهم خمسة عشر كعمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وعد من كبار التابعين نيفًا وخمسين، ومن أتباع التابعين فمن بعدهم جمًا غفيرًا منهم الشافعي، وأحمد بن حنبل، ثم قال: وقال الإمام؛ أي: الرازي: هذا البحث لفظي؛ لأن المراد بالإيمان إن كان هو التصديق فلا يقبلهما، وإن كان الطاعات فيقبلهما، ثم قال: الطاعات مكملة للتصديق، فكلما قام من الدليل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفًا إلى أصل الإيمان الذي هو التصديق، وكل ما دل على كون الإيمان يقبل الزيادة والنقصان فهو مصروف إلى الكامل، وهو المقرون بالعمل.

وقال بعض المتأخرين: الحق أنه يقبلهما سواء كان عبارة عن التصديق مع الأعمال وهو ظاهر، أو بمعنى التصديق؛ لأن التصديق بالقلب هو الاعتقاد الجازم، وهو قابل للقوة والضعف، فإن التصديق بجسمية الشبح الذي بين أيدينا أقوى من التصديق بجسميته إذا كان بعيدًا عنا.

وقال بعض المحققين: الحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقص بوجهين:

الأول: القوة والضعف لأنه من الكيفيات النفسانية، وهي تقبل الزيادة والنقصان كالفرح والحزن والغضب، ولو لم يكن كذلك يقتضي أن يكون إيمان النبي صلى الله عليه وسلم وأفراد الأمة سواء وأنه باطل إجماعًا، ولقول إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] .

الثاني: التصديق التفصيلي في إفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالآخر انتهى.

وفي قوله: وهي تقبل الزيادة والنقصان شيء سيأتي التنبيه عليه.

وقال الكرماني: قال ابن بطال: مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخَلَفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والموالاة من المؤمنين هو الإتيان بالأمور الثلاثة التصديق، والإقرار، والعمل، ولا خلاف أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه لا يكون مؤمنًا، فكذا إذا أقر واعتقد ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق.

وأقول: لعل مراده كمال الإيمان لا أصل الإيمان ونفسه، والإلزام أن كل من ترك فرضًا من الفروض لا يكون مؤمنًا وهو مشكل

ج 1 ص 164

مع أنه قد ثبت أن كل من أقر باللسان سماه النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا على الإطلاق.

واعلم أن تحقيق هذه المسائل، وبيان النسبة أيضًا بين الإيمان والإسلام بالمساواة، أو بالعموم والخصوص موقوف على تفسير الإيمان، وذكر في الكتب الكلامية له تفاسير فقال المتأخرون: هو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم بما علم مجيئه به ضرورة، والحنفية التصديق والإقرار، والكرامية: الإقرار، وبعض المعتزلة: الأعمال، والسلف: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فهذه أقوال خمسة الثلاثة منها بسيطة، وواحد مركب ثنائي، والخامس مركب ثلاثي.

ووجه الحصر أنه إما بسيط أو لا، والبسيط إما اعتقادي، أو قولي، أو عملي وغير البسيط إما ثنائي وإما ثلاثي، وهذا كله بالنظر إلى ما عند الله، وأما عندنا فالإيمان هو بالكلمة فإذا قالها حكمنا بإيمانه اتفاقًا بلا خلاف، ثم لا يعقل أن النزاع في نفس الإيمان، وأما الكمال فلابد فيه من الثلاث إجماعًا، وإذا تحققت هذه الدقائق انفتحت عليك إن شاء الله تعالى انتهى.

وقال ابن كمال باشا: من ذهب إلى أن الأعمال من الإيمان فقبوله الزيادة والنقصان ظاهرة عنده؛ لأن زيادة الأجزاء تستلزم زيادة الكل، وكذا نقصانها يستلزم نقصانه، وأما على مذهب من أنكر ذلك ففي قبوله الزيادة والنقصان عنده نوع خفاء، والحق أنه حينئذ أيضًا قابل لهما لا لما ذكره أبو حنيفة رحمه الله في تأويل الآيات الدالة على زيادة الإيمان من أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض، وكانوا يؤمنون بكل فرض خاص.

وحاصله: أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به؛ لأن الزيادة بهذا الوجه لا تتصور في غير عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومسألتنا عامة، وأيضًا لا دلالة فيما ذكر على أن الإيمان ينقص، نعم فيه دلالة على أنه قد يتحقق ناقصًا، وبينهما فرق دقيق قصدوا إليه بناء خيرهم قولهم ينقص مع أن النقصان قبل الزيادة، فحقه أن يقدم عليها في الذكر، بل لأن التصديق يتفاوت قوة وضعفًا للقطع بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي عليه السلام، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] ولأنه يتفاوت إجمالًا وتفصيلًا، ولا خفاء في أن التفصيلي أكمل بل أزيد من الإجمالي، وإن لم يكن الإجمالي منحطًا عن درجته في كونه إيمانًا ثم قال: فإن قلت: لمَ قالوا الإيمان يزيد وينقص، ولم يقولوا الإسلام يزيد وينقص؟

قلت: لعدم الاشتباه في زيادة الإسلام ونقصانه إذ لا خلاف بين الفريقين؛ يعني القائلين بأن الإيمان والإسلام متحدان، والقائلين بأنهما متباينان في أن الإسلام مشتمل على الأعمال على ما نقلناه عن الإمام البيضاوي فيما سبق، ومن زعم أن عدم قولهم الإسلام يزيد وينقص لعدم صحته حتى قال في مقام الاستشهاد على عدم رجوع ضمير هو في قول المصنف: وهو يزيد وينقص إلى الإسلام [1] .

قال الأئمة: الإيمان يزيد وينقص، ولم يقولوا الإسلام يزيد وينقص لم يصب في زعمه، وكذا من قال الإيمان هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى والإقرار به، ثم قال: والإيمان لا يزيد ولا ينقص، والإيمان والإسلام واحد حيث خالف الفريقين، وخرج بأحداث قول ثالث من البين، ومن قال في توجيه قوله: أنهما متحدان؛ لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى قبول الأحكام والإذعان وذلك حقيقة التصديق، وبالجملة لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن، وليس بمسلم أو مسلم، وليس بمؤمن ولا نفي بوحدتهما إلا هذا فقد ناقض آخر كلامه أوله، ولم يأت بشيء في دفع المخالفة للفريقين كما لا يخفى انتهى.

أقول: مقصوده بمن زعم الكرماني نقلًا عن التيمي، وبمن قال الأول النسفي في عقائده، وبمن قال الثاني المولى سعد الدين في شرحه لها كما أشار إلى ذلك بخطه في هامش تعليقته، والمناقضة بين أول كلامه وآخره؛ لأن أوله يقتضي أن الاتحاد بين الإيمان والإسلام مفهومًا، وآخره يقتضي أن الاتحاد بينهما في الماصدق دون المفهوم

ج 1 ص 165

وتضمن كلام ابن الكمال التصريح بقبول الإيمان بمعنى التصديق فقط للزيادة والنقصان وهو في ذلك مخالف لإمامه أبي حنيفة وأتباعه وأكثر المتكلمين، حيث قال: والحق أنه حينئذ أيضًا قائل لهما ... إلخ لكن في تطبيق دليله على مدعاه نظر؛ لأن الإيمان بمعنى التصديق من مقولة الكيف، فيجري فيها القوة والضعف، ولا يلزم من جريانهما فيها ثبوت الزيادة والنقصان وهو المدعى؛ لأنهما من مقولة الكم والكيفية على ما ذكره السعد في (( شرح التلخيص ) )عرض لا يتوقف تعقله على تعقل الغير، ولا يقتضي القسمة واللاقسمة في محله اقتضاء أولياء فخرج بالقيد الأول الأعراض النسبية مثل الإضافة، والفعل، والانفعال، وبقوله لا يقتضي القسمة الكميات، وبقوله واللاقسمة النقطة والوحدة انتهى ويؤيد ما ذكرنا قول صاحب (( المصابيح ) ).

الإيمان بالمعنى الذي ذكره البخاري يزيد وينقص، وأما باعتبار حقيقة التصديق فلا يزيد ولا ينقص، نعم هو قابل للشدة والضعف، وقد أطلق كثيرون أن نفس التصديق يزيد بتظاهر الأدلة، وكثرة النظر، وينقص بفقد ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبهة، ولا يتزلزل إيمانهم وهو إذا تأملت إنما يرجع إلى القوة والضعف انتهى.

وعلى هذا المحمل يحمل كلام ابن كمال باشا أيضًا، وفي (( المصابيح ) )أيضًا: فإن قيل: كيف لا ينتفي الكل بانتفاء الجزء؟.

فالجواب: أن المراد أن الإيمان يطلق على أساس النجاة وعلى الكامل المنجي بلا خلاف انتهى.

ويقرب من ذلك ما نقله ابن الملقن في (( توضيحه ) )عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الأصبهاني في (( شرح مسلم ) )وعبارته: الإيمان لغة التصديق، فإن عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق ليس مما يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى.

والإيمان في الشرع: هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص، وهذا مذهب أهل السنة، فالخلاف إذن إنما هو إذا صدق بقلبه ولم يضم إليه العمل بموجب الإيمان هل يسمى مؤمنًا مطلقًا أم لا؟ انتهى فعليك بالتأمل في هذا المقام فإنه من مزالق الأقدام.

ثم استدل المؤلف على زيادة الإيمان مطابقة، وعلى نقصانه التزامًا فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان بثمان آيات بناء على أن ما في سورة براءة آية واحدة.

وقال القاضي زكريا في شرحه المسمى بـ (( منحة الباري ) ): ولا يخفى أن ذكر الآيات في باب زيادة الإيمان ونقصانه أنسب من ذكرها هنا مصرحة بالزيادة، ويلزم منها النقصان، فإن كل ما يقبل الزيادة يقبل النقصان بالضرورة فقال:

(قال) وفي وراية الأصيلي: (الله تعالى) في سورة الفتح: ( {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4] ) قال الكرماني: وتقدم أن البخاري كثيرًا ما يستدل لترجمة الباب بالقرآن، وبما وقع له من سنة مسندة وغيرها، أو أثر من الصحابة، أو قول للعلماء ونحوه انتهى.

وصدر الآية {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح:4] قال الكلبي: نزلت هذه الآية في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق انتهى.

والمعنى: أنه أنزل الثبات والطمأنينة في قلوبهم فلم تقلق نفوسهم ولم تدحض أقدامهم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، وقوله تعالى: (( {لِيَزْدَادُوا} ) )جار مجرى العلة لقوله: {أَنزَلَ} و {إِيمَانًا} مفعول به {لِيَزْدَادُوا} ومع إيمانهم ظرف في محل نصب نعتًا لـ {إِيمَانًا} ، وليس مفعولًا ثانيًا {لِيَزْدَادُوا} كما توهم؛ لأن ازداد مطاوع زاد المتعدي لاثنين فلا يتعدى هو إلا إلى واحد، وبفرض كونه متعديًا لاثنين لا يصح أن تكون مع المفعول الثاني؛ لأن الظرف لا يقع مفعولًا ثانيًا في غير الأفعال النواسخ، وقال تعالى في سورة الكهف: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13] أي: زدنا أصحاب الكهف هدايةً وتثبيتًا وتوفيقًا، والهدى مصدر كالتقى.

قال الراغب: وهو الدلالة بلطف، ومنه الهدية وهوادي الوحش إنما هو مقدماتها؛ لكونها هادية لسائرها، وخص ما كان

ج 1 ص 166

دلالة بفعلت نحو هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بأفعلت نحو أهديت الهدية، ولا يرد على تفسير الهداية بالدلالة بلطف قوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات:23] .

وقوله: ويهديه إلى عذاب السعير؛ لأنه وارد على طريق التهكم، والخلاف بين المعتزلة وبيننا في أنها الدلالة الموصلة أو مطلق الدلالة مشهور فلا نطيل به.

قال ابن كمال باشا: إن الهداية على ثلاثة أوجه:

هداية العامة: فإنه تعالى يهدي جميع الحيوانات إلى جلب منافعها، ودفع مضارها لقوله تعالى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10] .

وهداية الخاص: وهي هداية المؤمنين إلى الجنة، قال تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس:9] الآية.

وهداية الأخص: وهي هداية أشرف الخلق إلى الحق، وهي المراد في قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى:7] .

والمصنف إنما ذكر آيات الهدى في مقام الاستشهاد بناء على حمله الهداية على هداية الخاص وهي الهداية بالإيمان فزيادتها تستلزم زيادته انتهى.

وقال الكرماني: وإسناد الزيادة إلى غير الله تعالى من قبيل المجاز، إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى انتهى.

ورده ابن كمال باشا فقال: ليس فيما ذكر من الآيات إسناد الزيادة إلى غير الله تعالى؛ لأن ازديادهم إيمانًا إنما يتضمن نسبة الازدياد إلى الإيمان، ولا يلزمها نسبة الزيادة إلى المؤمن كما لا يخفى انتهى.

يعني أن إيمانًا تمييز محول عن الفاعل، والأصل ليزداد إيمانهم كما في قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم:4] فكما لا يقال أن نسبة الاشتعال إلى الرأس مجاز لا يقال أن نسبة الازدياد إلى ضمير المؤمنين مجاز.

وأقول: لم يذكر الكرماني هذا الكلام في تفسير آية {لِيَزْدَادُوا} ، وإنما ذكره في آية {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} تنبيهًا على أن ما فيها هو الأصل، وإن وقع في غيرها ما يخالفه فهو مجاز؛ كقوله تعالى {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2] .

على أن في قوله: وليس فيما ذكر من الآيات إسناد الزيادة إلى غير الله تعالى نظرًا ظاهرًا إذ قوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [التوبة:124] الآية فيها إسناد الزيادة إلى غيره تعالى كما لا يخفى.

وقال تعالى في سورة مريم: ( {وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} ) ولابن عساكر: بغير واو، وللأصيلي: وتمام الآية: ( {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا} ) أي: يزيد المهتدي هداية بتوفيقه، ولا يخفى أن المراد هنا بالهداية هداية الخاص وهي هداية المؤمنين بإيمانهم، كما تقدم في الآية قبلها، والمراد من (( الباقيات الصالحات ) )أعمال الآخرة كلها، وقيل: الصلوات، وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أي: هي خير ثوابًا من مفاخرات الكفار، وخير مردًا؛ أي: مرجعًا وعاقبة.

(وقال) في القتال، وفي رواية ابن عساكر والأصيلي: وفي رواية بإسقاطها والابتداء بقوله: ( {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ) بالتوفيق {وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} .

قال ابن كمال باشا: التقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف هذا حقيقته، ثم يسمي تارة الخوف تقوى، والتقوى خوفًا على تسمية المقتضي باسم المقتضى، والمقتضى باسم المقتضي، وفي المتعارف تحفظ النفس عن كلما يؤثم، قال الراغب: ولها منازل:

الأول: ترك المحظور، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27] أي: التاركين للمحظورات.

والثاني: أن يتعاطى الخير مع تجنبه الشر وإياه عنى تعالى بقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر:71] .

والثالث: التبرؤ من كل شيء سوى الله عز وجل بلا سكون إلى النفس، ولا إلى شيء من المقنيات والجاه والأغراض، وهو المعني بقوله تعالى: {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102] ، وبقوله: {وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد:17] انتهى.

(وقال تعالى) في المدثر ( {وَيَزْدَادَ} ) بالنصب عطفًا على ليستيقن ( {الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} ) وأول الآية {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر:31] .

والحكمة في كونهم ملائكة كونهم مخالفين لجنس المعذبين فلا يرقون لهم ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسًا وأشدهم غضبًا لله، روي أن أبا جهل لما سمع {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر:30] قال لقريش: أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فنزل {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ} [المدثر:31] الآية؛ أي: وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر عن

ج 1 ص 167

المؤثر عن المؤثر عن الموتر تنبيهًا على أنه لا ينفك عنه، وافتتانهم به استقلالهم له، واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين، ولعل المراد بالجعل القول ليحسن تعليله بقوله: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المدثر:31] أي: ليكتسبوا اليقين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق القرآن لما رأوا ذلك موافقًا لما في كتابهم {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر:31] بالإيمان به، أو بتصديق أهل الكتاب، كذا في (( تفسير البيضاوي ) ).

(وقوله) تعالى في سورة براءة ( {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} ) اسم الإشارة يرجع إلى سورة في قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سورة فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ} [التوبة:124] الآية؛ أي: فمن المنافقين من يقول لبعض آخر أيكم زادته هذه السورة إيمانًا إنكارًا واستهزاء بالمؤمنين في اعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا؛ أي: بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الإيمان بها، وبما فيها إلى إيمانهم، ولا يخفى أن في إسناد الزيادة إلى السورة مجازًا عقليًا من الإسناد إلى السبب، وهو في الحقيقة لله تعالى (وقوله جل ذكره) في آل عمران ( {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} ) وتمام الآية: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .

قال العيني: المراد من الناس الأول نعيم بن مسعود الأشجعي، ومن الثاني أهل مكة، روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال عليه السلام: (( إن شاء الله ) )، فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرًا فقال: يا نعيم إني واعدت محمدًا أن نلتقي بموسم بدر، وأن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جراءة، فألحق بالمدينة وتثبطهم، ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريدًا، أفتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد، وقيل: مر بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة للحيرة، فجعل لهم حمل بعير من زبيب أن يثبطوهم، فكره المسلمون الخروج، فقال عليه السلام: (( والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد ) )فخرج في سبعين راكبًا وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرًا ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فرجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق.

(وقوله تعالى) في الأحزاب ( {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} ) [الأحزاب:22] وللأصيلي: بدون واو، وصدر الآية: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب:22] ، والضمير في زادهم يرجع إلى الخطب أو البلاء؛ أي: ما زادهم ذلك إلا إيمانًا بالله وبمواعيده وتسليمًا له ولمقاديره وأوامره، ووعد الله تعالى مستفاد من قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ} [البقرة:214] الآية، ووعد رسوله من قوله صلى الله عليه وسلم لهم: (( سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم ) )وصدق الله ورسوله في النصرة، وكون العاقبة لهم حيث أرسل الله تعالى على الأحزاب من قريش، وغطفان، ويهود قريظة، والنضير، وكانوا اثني عشر ألفًا ريح الصبا، وجنودًا من الملائكة لم يروها، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما سمع بإقبال الأحزاب ضرب الخندق بإشارة من سلمان، ثم خرج إليهم في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبينهم، ومضى على الفريقين مدة تقرب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالأحجار والنبال حتى بعث الله تعالى عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فقلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وكفئت قدورهم، وسفت التراب في وجوههم حتى لم يبق الرجل يرى ما بجانبه، وماجت الخيل والدواب وأهلها بعضهم في بعض، وكبرت الملائكة في أطراف الجيش، فقال طلحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء

ج 1 ص 168

النجاء فانهزموا من غير قتال، وسيأتي تمام ذلك إن شاء الله في المغازي.

قال ابن كمال باشا: في هذه الآية دلالة على أمرين:

أحدهما: قبول الإيمان للزيادة، ويلزمه قبوله للنقصان، وبهذا الاعتبار انتظم في سلك المذكورات في مقام الاستشهاد على المطلب المزبور.

والثاني: مغايرة الإسلام للإيمان بناءً على أن المعطوف من حقه أن يغاير المعطوف عليه، وبهذا الاعتبار تضمنت الآية المذكورة وجه تشريك المصنف قول النبي عليه السلام مع الإيمان في العنوان لما عرفت أن مبنى ذلك التشريك على المغايرة بين الإيمان والإسلام، ولتضمنها ما ذكر آخرها، وذكر عقبها شريكًا آخر للإيمان في العنوان، وإلا فحقها أن تقدم على بعض الآيات المقدم ذكرها لظهور الدلالة على المطلوب في هذه الآية بخلاف تلك الآيات على ما لا يخفى انتهى.

(والحب في الله والبغض في الله من الإيمان) الحب مبتدأ، والبغض معطوف عليه، وقوله: (( من الإيمان ) )خبره وفي للسببية؛ أي: بسبب طاعة الله ومعصيته؛ كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (( دخلت امرأة النار في هرة حبستها ) ).

قال العيني: ثم هذه الجملة يجوز أن تكون عطفًا على ما أضاف إليه الباب، فتدخل في ترجمة الباب كأنه قال: (( باب والحب في الله من الإيمان، والبغض في الله من الإيمان ) )ويجوز أن يكون ذكرها لبيان إمكان الزيادة والنقصان كذكر الآيات.

وروى أبو داود بإسناده إلى أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله ) ).

ورواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )بسنده إلى ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) ).

وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) ).

وأخرج أبو داود من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) )انتهى.

وقال ابن كمال باشا: الجملة معطوفة على ما أضيف إليه الباب، فهي داخلة في ترجمة الباب على ما نبهت عليه على أن في كلام المصنف نوع تنبيه على ذلك، ومن لم يتنبه لذلك قال: يحتمل أن تكون الجملة عطفًا على ما أضيف إليه الباب، فيدخل في ترجمة الباب كأنه قال: (( وباب الحب في الله من الإيمان ) )، وأن لا يكون لك ذكر لبيان إمكان الزيادة والنقصان كذكر الآيات ثم قال: وعلى التقديرين يحتمل أن يقصد به الحديث النبوي، وقد ذكر على سبيل التعليق، وأن يكون كلام البخاري كقوله: وهو قول وفعل، ولم يدر أنه على الثاني يكون بمعزل عن الصلاحية للانتظام مع الآيات المذكورة في سلك الاستدلال بها، وعلى الأول حقه أن يعطف على بني الإسلام، ويكون تقدير الكلام وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( الحب في الله والبغض في الله من الإيمان ) )، فيظهر وجه ذكره على سبيل التعليق انتهى.

وبهذا ظهر أن المعطوف على ما أضيف إليه الباب الجملة مرادًا بها لفظها لا لفظ الحب كما توهم، إذ لا يبقى لقوله من الإيمان ارتباط إلا بتقديره حالًا، وليس من المواضع التي يأتي فيها الحال من المضاف إليه، وتقدير مبتدأ يكون خبرًا عنه خلاف الظاهر، وتقدم جواز إضافة باب إلى الجملة في باب: (( كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

(وكتب عمر بن عبد العزيز) ابن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد الشمس الأموي القرشي الإمام العادل، أحد الخلفاء الراشدين، سمع عبد الله بن جعفر وأنسًا وغيرهما، وصلى أنس خلفه قبل خلافته ثم قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى تولى الخلافة سنة تسع وتسعين، ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، فملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وأمه حفصة بنت عاصم بن عمر

ج 1 ص 169

بن الخطاب رضي الله عنه ولد بمصر، وتوفي بدير سمعان عصر يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة.

وقال القاضي جمال الدين بن واصل: والظاهر عندي أن دير سمعان هو المعروف الآن بدير النقيرة من عمل معرة النعمان، فإن قبره هو هذا المشهور، وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظفاره وقال: إذا مت فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: يروى في الحديث أن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا عمر بن عبد العزيز.

قال النووي في (( تهذيب الأسماء ) ): حمله العلماء في المائة الأولى على عمر، وفي الثانية على الشافعي، وفي الثالثة على ابن شريح.

وقال الحافظ ابن عساكر هو الشيخ أبو الحسن الأشعري: وفي الرابعة على أبي سهل الصعلوكي، وقيل: القاضي الباقلاني، وقيل: أبو حامد الإسفراييني، وفي الخامسة على الغزالي.

وقال الكرماني: لا مطمح لليقين فيه، فللحنفية أن يقولوا: هو الحسن بن زياد في الثانية، والطحاوي في الثالثة، وأمثالهما وللمالكية أنه أشهب في الثانية وهلم جرا، وللحنابلة أنه الخلال في الثالثة، والزاغوني في الخامسة إلى غير ذلك، وللمحدثين أنه يحيى بن معين في الثانية، والنسائي في الثالثة، ولأولي الأمر أنه المأمون، والمقتدر، والقادر، وللزهاد أنه معروف الكرخي في الثانية، والشبلي في الثالثة ونحوهما.

وإن تصحيح الدين متناول لجميع أنواعه مع أن لفظة من تحتمل التعدد في المصحح، وقد كان قبل كل مائة من يصحح ويقوم بأمر الدين، وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه، كذا في (( عمدة القاري ) ).

وفي الكرماني أيضًا: ولا يبعد أن يكون في السادسة الإمام الرازي كيف لا ولولاه لامتلأت الدنيا من شبه الفلاسفة، وهو الداعي إلى الله تعالى في إثبات القواعد الحقانية، وحجة الحق على الخلق في تصحيح العقائد الإيمانية، وكان يقال لعمر الأشج لما ضربته دابة في وجهه فشجته، وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل لوجهه شجة يملأ الأرض عدلًا.

وعن يوسف بن ماهل قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر سقط علينا رق من السماء مكتوب فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار ) )انتهى.

وليس لعمر بن عبد العزيز في البخاري سوى حديث واحد رواه في الاستقراض من حديث أبي هريرة في الغلس، كذا في (( عمدة القاري ) )

(إلى عَدِي بن عَدِي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين فيهما ابن عَميرة _ بفتح العين _ ابن زرارة بن الأرقم الكندي الجزري وهو تابعي من أولاد الصحابة، روى عن أبيه وعمه وهما صحابيان، وكان عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، فلذلك كتب إليه، توفي سنة عشرين ومائة روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وليس له في (( الصحيحين ) )شيء ولا في الترمذي.

قال في (( الفتح ) ): والتعليق المذكور وصله أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان لهما من طريق عيسى بن عاصم قال: حدثني عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإن للإيمان فرائض ... إلخ انتهى.

ورواية المؤلف هنا بلفظ (( إن للإيمان ) )باللام في معظم الروايات، وفي رواية ابن عساكر: بإسقاط اللام ورفع فرائض خبرًا لأن، وقال العيني: هذا من تعاليق البخاري ذكره بصيغة الجزم فهو حكم منه بصحته.

وأخرجه أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد رسته في كتاب الإيمان تأليفه فقال: حدثنا ابن مهدي، حدثنا جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم قال: كتب عمر رضي الله عنه، فذكره وهذا الإسناد صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) ): حدثنا أبو أسامة، عن جرير بن حازم قال: حدثني عيسى بن عاصم قال: حدثنا عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإن الإيمان فرائض، وشرائع، وحدود، وسنن ... إلخ.

ولما فهم البخاري من قول عمر: (( فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ... إلخ ) )أنه قائل بأن الإيمان يقبل الزيادة والنقصان ذكره في هذا الباب عقيب الآيات المذكورة.

وقال الكرماني: لقائل أن يقول لا يدل ذلك عليه، بل على خلافه إذ قال للإيمان كذا وكذا، فجعل الإيمان غير الفرائض وأخواتها، وقال: استكملها؛ أي: الفرائض ونحوها لا الإيمان، فجعل الكمال لما للإيمان لا للإيمان؟

قلت: لو وقف الكرماني على رواية ابن أبي شيبة لما قال ذلك؛ لأن في روايته جعل الفرائض وأخواتها عين الإيمان على ما لا يخفى، وكذا في رواية ابن عساكر هاهنا، فإن الإيمان فرائض نحو رواية ابن أبي شيبة، وقال بعضهم: وبالأول جاء الموصول، قلت: جاء الموصول بالأول وبالثاني جميعًا على ما ذكرنا انتهى.

أقول: قوله لو وقف الكرماني على رواية ابن أبي شيبة ... إلخ غير وارد عليه لأن كلام الكرماني مبني على ثبوت اللام فلا يدفعه سقوطها في رواية أخرى على أن رواية ابن أبي شيبة

ج 1 ص 170

التي تقدم وصلها في (( الفتح ) )باللام، وحينئذ يندفع قوله في الرد على صاحب (( الفتح ) ).

قلت: جاء الموصول بهما جميعًا إذ لم يجيء الموصول عنده إلا باللام كما تقدم في كلامه، لكنه نقل كلام الكرماني على خلاف ما نقله العيني بما يقتضي أنه اطلع على رواية ابن أبي شيبة حيث قال: والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كان ممن يقول بأن الإيمان يزيد وينقص حيث قال: استكمل ولم يستكمل.

قال الكرماني: وهذا على إحدى الروايتين، وأما على الرواية الأخرى فقد يمنع ذلك؛ لأنه جعل الإيمان غير الفرائض.

قلت: لكن آخر كلامه يشعر وهو قوله: فمن استكملها؛ أي: الفرائض وما معها فقد استكمل الإيمان، وبهذا تتلفق الروايتان، فالمراد أنها من المكملات؛ لأن الشارع أطلق على مكملات الإيمان إيمانًا انتهى كلامه، لكن الذي رأيناه في نسخة معتمدة من نسخ الكرماني ما نقله عنه العيني.

وقال ابن كمال باشا: ولا دلالة في قوله: إن للإيمان كذا وكذا على أنها غير الإيمان كما لا دلالة في قولنا إن للبيت جدرانًا وسقفًا على أن مجموع الجدران والسقف غير البيت، وبهذا اتضح أن فيما كتب بيان أن عمر بن عبد العزيز كان قائلًا بأن الإيمان قول وفعل، وأنه يزيد وينقص، واندفع ما قيل لا يدل ذلك عليه، بل على خلافه إلى آخر ما تقدم عن الكرماني ثم قال: إنما قدم البخاري ما نقله عن عمر على قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع قوته متنًا، وشرفه نسبة لظهور دلالته على المدعى، وتضمنه بيان المراد من الإيمان القابل للزيادة والنقصان انتهى.

(إن) بكسر الهمزة (للإيمان) خبر لإن مقدم (فرائض) اسم لها مؤخر، وفي رواية ابن عساكر: بإسقاط حرف الجر، فعلى هذه الرواية الإيمان اسم لإن، وفرائض بالرفع خبرها، والفرائض: جمع فريضة وهي اسم لما يفرض على المكلف.

قال في (( المصابيح ) ): وهي ما يحمد فاعله عليه ويذم تاركه، وعرفه بعضهم: بأنه ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه كالصلاة والصوم والحج.

(وشرائع) جمع شريعة وهي الطريقة الظاهرة في الدين، كذا في (( المغرب ) ).

قال ابن كمال باشا: والمراد بالأول العقائد، وبالثاني الأعمال ومن عكس، وقال أي: أعمالًا فرضية وشرائع؛ أي: عقائد دينية، فقد أساء حيث لم يراع مناسبة الشريعة للأعمال باعتبار ما في مفهومها من قيد الظهور انتهى.

(وحدودًا) جمع حد وهو في الأصل المنع، ويقال لمحارم الله تعالى ومناهيه حدود؛ لأنها ممنوع عنها ومنه: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة:187] والمراد بها المناهي.

(وسننًا) أي: مندوبات جمع سنة بمعنى مندوب، وفي (( التهذيب ) ): وتطلق السنة على المندوب، قال جماعة من أصحابنا في أصول الفقه السنة: والمندوب والتطوع والنفل والمرغب فيه والمستحب كلها بمعنى واحد وهو: ما كان فعله راجحًا على تركه، ولا إثم في تركه انتهى.

قال ابن كمال باشا: وإنما فسرنا كلًا بما ذكر يتناول الكلام المذكور الاعتقاديات والأعمال الواجبة، والمندوبة والتروك من غير تكرار.

(فمن استكملها) أي: المذكورات من الفرائض وما بعدها (استكمل الإيمان) هذا صريح في أن استكمالها استكمال للإيمان، وذلك بأن تكون تلك الأمور داخلة في الإيمان كما أشار إليه في (( الفتح ) ).

(ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان) بل ينقص كمال إيمانه بقدر نقصها، وهذا في الأعمال والاعتقاديات التي لا يوجب عدم اعتقادها كفرًا، وإلا فينتفي الإيمان بانتفائها وغرض المؤلف: أن عمر ممن يقول بأن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص.

(فإن أعش فسأبينها لكم) قال الكرماني: فسأوضحها لكم إيضاحًا يفهمه كل أحد منكم.

فإن قلت: كيف أخر بيانها والتأخير عن وقت الحاجة غير جائز؟

قلت: أنه علم أنهم يعلمون مقاصدها، ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم، ونبههم على المقصود وعرفهم أقسام الإيمان مجملًا، وأنه سيذكرها مفصلًا إذا تفرغ لها، وكان مشغولًا بأهم من ذلك انتهى.

وقال ابن كمال باشا: أراد البيان الواضح؛ لأن أصل البيان حاصل من جهة الشارع فاندفع ما قيل كيف أخر بيانها، والتأخير عن وقت الحاجة غير جائز إلى آخر ما تقدم عن الكرماني انتهى.

(حتى تعملوا بها) ولما كان في قوله فسأبينها مظنة طول الأمل، والرغبة في طول الحياة دفعها بقوله: (وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص) فهو كناية عن عدم رغبته في طول البقاء فلا يفهم منه إظهار كراهة صحبتهم (وقال إبراهيم) الخليل (صلى الله عليه وسلم)

ج 1 ص 171

ثبتت التصلية للأصيلي كما في اليونينية وفرعها، وسقطت لغيره، وإبراهيم اسم عبراني.

قال الماوردي: معناه أب رحيم، وكان أبوه آزر من أهل حران، وولد إبراهيم عليه السلام بكوثا من أرض العراق وكان يتجر في البز، وهاجر من أرض العراق إلى الشام، وبلغ عمره مائة سنة وخمسًا وسبعين سنة، وقيل: مائتي سنة، ودفن بالأرض المقدسة وقبره معروف بقرية حبرون _ بالحاء المهملة والباء الموحدة _ وهي التي تسمى اليوم ببلدة الخليل.

( {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ) يقال: اطمأن يطمئن اطمئنانًا إذا توطأ، والمطمئن من الأرض ما انخفض واطمأن إليه إذا وثق به لسكون نفسه إليه، وهذا الاستدراك مما دل عليه قوله تعالى: {بَلَى} الواقع جوابًا لقوله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} وال?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت