(15) (باب) بالتنوين (مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ) ببناء تؤتى للمفعول؛ أي: من أي: مكان يحضر الشخص الجمعة (وَعَلَى مَنْ تَجِبُ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} ) أي: بين يدي الخطيب لا الأذان الأول الذي أحدثه عثمان رضي الله عنه ( {فَاسْعَوْا} ) أي: امضوا.
( {إِلَى ذِكْرِ اللهِ} ) أي: إلى الصلاة أو الخطبة، وسقط فاسعوا إلى ذكر الله لغير أبي ذر والأصيلي، ولما لم تكن الآية صريحة في بيان الحكم المذكور أتى بالاستفهام، لكن استدلال المصنف بها ظاهر في الوجوب كالشافعي في (( الأم ) )لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولأن الجماعة شرط فيها ولا تتم إلا بالسعي.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) بن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه.
(إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ، فَنُودِيَ) بالفاء، وسقطت لأبي ذر عن الحموي والمستملي، ولعل الجملة عليه حال بتقدير قد (بِالصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا) أي: تحضرها ومن لازم ذلك أن تصليها والجملة جواب إذا ولذلك اقترنت بالفاء.
(سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ) وقد يشير إليه قوله تعالى {إِذَا نُودِي} [الجمعة:9] ولم يقل إذا سمعتم النداء ومعنى إذا كنت في قرية؛ أي: مقيمًا بها وكنت من أهل الوجوب، زاد عبد الرزاق فيه عن ابن جريج: قلت لعطاء ما القرية الجامعة؟ قال: ذات
ج 2 ص 741
الجماعة والأمير والقاضي والدور المجتمعة الآخذ بعضها ببعض مثل جدة.
والذي ذهب إليه الجمهور أنها تجب على من سمع النداء أو كان في قوة السامع سواء كان داخل البلد أو خارجه لكن محله كما صرح به الشافعي إذا كان المنادي صيتًا والأصوات معادية والرجل سميعًا ويمكن حمل قول عطاء عليه وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر مرفوعًا (( إنما الجمعة على من سمع النداء ) ).
وقال: أنه اختلف في رفعه ووقفه وأخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم (( أتسمع النداء قال نعم قال فأجب ) ).
وقد تقدم في صلاة الجماعة ذكر من احتج به على وجوبها فيكون في الجمعة أولى لثبوت الأمر بالسعي إليها وأما حديث الجمعة على من آواه الليل إلى أهله فأخرجه الترمذي ونقل عن أحمد أنه لم يره شيئًا وقال لمن ذكره استغفر ربك.
وقد تقدم قبل بباب من قول ابن عمر نحوه والمعنى أنها تجب على من يمكنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل واستشكل بأنه يلزم منه أن يجيب السعي من أول النهار وهو بخلاف الآية كذا في الفتح.
(وَكَانَ أَنَسٌ) ابن مالك مما وصله مسدد في (( مسنده الكبير ) )عن حميد بهذا (فِي قَصْرِهِ، أَحْيَانًا) جمع حين (يُجَمِّعُ) بضم أوله وتشديد الميم المكسورة؛ أي: يصلي بمن معه الجمعة في قصره أو يشهد الجمعة بجامع البصرة.
(وَأَحْيَانًا لاَ يُجَمِّعُ) وهذا يفيد أنه لا يرى الوجوب على من كان بعيد المسافة (وَهْوَ) أي: قصره (بِالزَّاوِيَةِ) موضع ظاهر البصرة معروف كان أنس يسكنه (عَلَى فَرْسَخَيْنِ) أي: من البصرة.
قال في (( الفتح ) ): وكانت فيه وقعة كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة أيضًا من وجه آخر عن أنس (( أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية وهي على فرسخين من البصرة ) ).
وهذا يرد على من زعم أن الزاوية موضع بالمدينة النبوية كان فيه قصر لأنس على فرسخين منها وعرف بهذا أن التعليق المذكور ملفق من أثرين.
ولا يعارض ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن ثابت قال (( كان أنس يكون في أرضه وبينه وبين البصرة ثلاثة أميال فيشهد الجمعة بالبصرة ) )لكون الثلاثة أميال فرسخًا واحدًا لأنه يجمع بأن الأرض المذكورة غير القصر وبأن أنسًا كان يرى التجميع حتمًا إذا كان على فرسخ ولا يراه حتمًا إذا كان على أكثر من ذلك ولهذا لم يقع في رواية ثابت التخيير الذي في رواية حميد انتهى.