(وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) : بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى وهو ابن الهاد تابعي كبير رواية وصحابي صغير رؤية وأبوه صحابي بكليهما.
(سَمِعْتُ نَشِيجَ) : بفتح النون وكسر الشين المعجمة فتحتية ساكنة فجيم (عُمَرَ) : أي: بكاؤه رضي الله عنه.
قال في (( المحكم ) ): النشيج أشد البكاء.
وقال الهروي: النشيج صوت معه ترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره.
وقال الجوهري: نشج الباكي إذا غص في البكاء في حلقه من غير انتحاب.
(وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ) : جملة حالية (يَقْرَأُ) : أي: عمر، ولأبي ذر عن الحموي: .
( {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ) : زاد الأصيلي: وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور وأخرجه ابن المنذر بنحوه، وفي معناه ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود ولم يخرجه مسلم وسنده قوي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عبد الله ابن الشخير بلفظ: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء والمِرجل _ بكسر الميم _ القدر إذا غلت وفي لفظ: (( كأزيز المرجي ) ): ولفظ النسائي ولجوفه أزيز.
وفي (( علل الخلال ) )قال يحيى بن معين: قد روى حمزة الزيات عن حمدان بن أعين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا} [المزمل:12] فصعق، لكن قال يحيى بن حمدان وأخوه عبد الملك ليسا بشيء.
وفي ابن رجب: وما تقدم عن أبي بكر وعمر يدل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى حسن قيل: ولم يزل السلف الصالح الخاشعون على ذَلِكَ.
روى أحمد في (( الزهد ) )بسنده، عن نافع، قالَ: كانَ ابن عمر يقرأ في صلاته، فيمر بالآية فيها ذكر الجنة أو النار، فيدعو ويبكي ويسأل الله الجنة ويستجير به من النار.
وقرأ ابن عباس في صلاته: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} [ق:19] الآية.
فجعل يرتل، ويكثر النشيج.
وروى ابن أبي الدنيا عن القاسم بن محمد، قال: كنت غدوت يومًا فإذا عائشة قائمة تصلي وتبكي، وتقرأ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور:27] . وتدعو وتبكي، وترددها. فقمت حتى مللت فذهبت للسوق في حاجتي، ثم رجعت فإذا قائمة تصلي وتبكي.
والروايات في هذا عن التابعين وغيرهم كثيرة جدًا. انتهى.
قال العيني: وقال السفاقسي: أجاز العلماء البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى وخشيته
ج 2 ص 519
واختلفوا في الأنين والتأوه.
قال ابن المبارك: إذا كان عاليًا فلا بأس وعند أبي حنيفة إذا ارتفع تأوهه أو بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة والنار لم يقطعها وإن كان من وجع أو مصيبة قطعها، وعن الشافعي وأبي ثور لا بأس به إلا أن يكون كلامًا مفهومًا وعن الشعبي والنخعي يعيد صلاته. انتهى.
وقال ابن رجب: اختلف العلماء في البكاء في الصلاة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إن كان لخوف الله تعالى لم يبطل بكل حال، وإن كان لحزن الدنيا ونحوه فهو كالكلام، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
ولأصحابنا وجه ضعيف: أنه إن كان عن غير غلبة أبطل.
ولكن قال أبو يعلى: إن كان عن غلبة لم يكره وإلا كره وإن كان معه نحيب أبطل.
وقال ابن بطة: إن التأوه في الصلاة من خشية الله لا يبطل فالنحيب أولى.
ثانيها: لا يبطل بحال، وليس كالكلام؛ لأنه لا يسمى به متكلمًا، وهو قول أبي يوسف.
وكذا قال مالك في الأنين مطلقًا لكن كرهه للصحيح.
وقال أبو ثور: لا بأس به، إلا أن يفهم منه كلام.
ثالثها: يبطل لأنه كلام بكل حال، وحكي عن الشعبي والنخعي والمغيرة والثوري.
وهو محمول على ما لم يكن من خشية الله تعالى، فقد كان الثوري إذا قرأ في صلاته لم تفهم قراءته من شدة بكائه.
ومذهب الشافعي: إن ظهر منه حرفان أبطل، وإلا كره. انتهى.
ويلحق بذلك الضحك والتنحنح والسعال والعطاس والنفخ كما قال النووي وغيره.