فهرس الكتاب

الصفحة 1446 من 1465

(27) (باب الْخُطْبَةِ) بضم الخاء (قَائِمًا) قال العيني: أي: هذا باب في بيان حكم الخطبة أن يكون الخطيب فيها قائمًا هذا التقدير على كون الباب مضافًا للخطبة، ويجوز أن يقطع عن الإضافة وينون على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ويكون لفظ الخطبة مرفوعًا على الابتداء، ويكون التقدير هذا باب ترجمته الخطبة يخطبها الخطيب حال كونه قائمًا فانتصاب قائمًا على الوجه الأول يكون خبر يكون وعلى الوجه الثاني يكون على أنه حال من الخطيب وهذا كله لا يخلو عن تعسف لأجل التعسف في تركيب الترجمة انتهى.

وأقول: استصعب الشارح إعراب هذه الترجمة بسبب الحال الذي هو قائمًا فإنه لا يصح أن يكون حالًا من الخطبة؛ لأن الحال لا تأتي من المضاف إليه إلا في مسائل وليس هذا منها، ولا يصح أن يكون حالًا من باب؛ لأنها لا تأتي إلا من الفاعل أو من المفعول والباب ليس واحدًا منهما فتكلف وتعسف فيما تمحله من الإعراب، واعترف بالتعسف وزعم أن منشأه من التعسف في تركيب الترجمة، والذي يظهر أنه لا تعسف في تركيبها إذ يتضح إعرابها على ما يوافق كلام النحاة بتقدير مضاف، وتقدير المضاف في كلامهم كثير، والتقدير باب فعل الخطبة قائمًا، وفعل مصدر عامل عمل الأفعال محذوف الفاعل، ومضاف إلى المفعول، والأصل فعل الخطيب الخطبة قائمًا فقائمًا إما حال من الفاعل المحذوف، وإما حال من المضاف إليه؛ لأن المضاف عامل فيه النصب

ج 2 ص 760

محلًا فهو حال من الخطبة لكنها حال سببية؛ لأن القائم فاعل الخطبة لا هي على حد قولك مررت بهند قائمًا أبوها والحال تكون سببية كالنعت.

قال البدر الدماميني في (( شرحه على التسهيل ) )في قول المصنف: باب الموصول وهو من الأسماء ما افتقر أبدًا لي عابد أو خلفه ... إلخ ما نصه أي: حال كونه من الأسماء فهو في محل نصب على الحال فإن قلت لا يصح وقوع الحال من المبتدأ على الصحيح.

قلت: هو ليس بمبتدأ في الأصل إذ التقدير وتفسيره من الأسماء فذو الحال ضمير مضاف إليه لكن حذف المضاف لدلالة المقام عليه إذ هو بصدد التفسير والبيان، وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع الضمير وانفصل بعد أن كان مخفوضًا متصلًا، وهذا التقدير ينتفع به في مثل قولهم الإعراب في اللغة البيان والكلمة في الاصطلاح لفظ وضع لمعنى مفرد إذ ليس ثمة ما يتعلق به الجار والمجرور وبهذا التقدير يصح التركيب.

ويمكن أن يكون قول من الأسماء حالًا من ضمير متصل محذوف، والتقدير أعنيه من الأسماء، والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر لبيان المراد بالمبتدأ والتقدير الأول أحسن انتهى فتأمله.

وأل في الخطبة جنسية فتشمل الأولى والثانية.

(وَقَالَ أَنَسٌ) بن مالك مما وصله المصنف في الاستسقاء مطولًا (بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ قَائِمًا) أي: وجوبًا إذ شرط صحة الخطبة القيام للقادر.

قال ابن المنذر: الذي حمل عليه جمهور أهل العلم من الأمصار ذلك ونقل غيره عن أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب وهو المصرح به في مذهبهم وفي رواية عن مالك أنه واجب وتصح الخطبة بدونه لكنه مسيء بتركه.

قال القاضي عياض: المذهب وجوبه من غير اشتراط وقال المازري ويشترط القيام لها وقال إمام المالكية خليل وفي وجوب قيامه لها تردد واستدل القائل بالسنية بحديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله وبحديث سهل الماضي فإنه قال فيه اجلس عليهن.

وأجيب عن الأول بأنه كان في غير خطبة الجمعة وعن الثاني باحتمال أنه أراد الجلوس أول ما يصعد أو الجلوس بين الخطبتين واستدل الجمهور بقوله تعالى {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة:11] وبحديث جابر بن سمرة عند مسلم، وأبي داود، والنسائي: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة ) ).

قاله العيني: وهو محمول على المبالغة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ما صلى هذا المقدار من الجمع؛ لأن هذا القدر إنما يكمل في نيف وأربعين سنة وهذا القدر لم يصله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: قال النووي: المراد الصلوات الخمس؛ لا الجمع لأنه غير ممكن.

قلت: سياق الكلام ينافي هذا التأويل؛ لأن الكلام في الجمع لا في الصلوات الخمس، واحتجوا أيضًا بما ذكر ابن أبي شيبة عن طاووس قال: (( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان قائمًا وأول من جلس على المنبر معاوية ) ).

قال الشعبي: حين كثر شحم بطنه ولحمه، ورواه ابن حزم عن علي رضي الله عنه أيضًا والجواب عنه وعن كل حديث ورد فيه القيام في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وعن قوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة:11] بأن ذلك إخبار عن حالته التي كان عليها عند انفضاضهم وبأنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الشيء الفاضل مع جواز غيره ونحن نقول به، ومن أقوى الحجج لأصحابنا ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله ) )على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وحديث سهل: (( مري غلامك يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ) ).

قال في (( الفتح ) ): ولا حجة لمن احتج بجلوس معاوية لأن ذلك كان للضرورة انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت