(12) (بَابٌ) : بالتنوين (إِذَا جَامَعَ) : أي: الرجل لدلالة المقام عليه، أو المجامع المفهوم من (( جامع ) )، والمفعول محذوف تقديره: امرأته أو أمته (ثُمَّ عَادَ) : إلى جماعها مرة أخرى وجواب الشرط محذوف تقديره: جاز أو: فهو جائز أو فما حكمه؟ وللكشميهني:: أي: إلى جماع من جامعها أو إلى جماع غيرها.
(وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ) : جملة شرطية معطوفة على الأولى، وجواب الشرط فيهما محذوف أيضًا؛ أي: أهل هو جائز؟ أو: فهو جائز.
قال في (( الفتح ) ): وهو _ أي: العود _ أعم من أن يكون لتلك المجامعة أو غيرها. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: وقال بعضهم: قوله: (( عاد ) ): أعم من يكون في ليلة أو غيرها. قلت: الجماع في غير ليلة جامع فيها لا يسمى عودًا عرفًا وعادة، والمراد هاهنا أن يكون الابتداء والعود في ليلة واحدة أو يوم واحد، والدليل عليه حديث رواه أبو داود والنسائي عن أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه قال: فقلت: يا رسول الله ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: (( هذا أزكى وأطيب ) ). انتهى.
وأقول: لا يظهر وجه لهذا التعقب على ما رأيناه من نسخ (( الفتح ) )لأن التعميم في كلامه مقصور على المجامعة، ولم يقل: وأعم من أن يكون في تلك الليلة أو غيرها، فلعل النسخة التي وقع تعقب العيني عليها كانت مشتملة على هذه الجملة.
وعلى تقدير ثبوتها فالتعقب مندفع أيضًا؛ لأن كون الجماع في ليلة أخرى لا يسمى عودًا محله ما إذا اغتسل، وأما إذا بقي على جنابته إلى الليلة الأخرى ثم جامع قبل أن يغتسل فكونه لا يسمى عودًا في حيز المنع. وما ذكره من الحديث وإن كان العود وقع فيه في يوم واحد لكنه لا يقتضي التخصص كما هو ظاهر؛ فإنه يقال لمن فعل معصية وتركها ثم فعلها بعد شهر: إنه عاودها وعاد إليها، فتأمل.
وقال في (( الفتح ) ): واختلفوا في الوضوء بينهما فقال أبو يوسف: لا يستحب، وقال الجمهور: يستحب وقال ابن حبيب المالكي وأهل الظاهر: يجب، واحتجوا بحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا ) )، أخرجه مسلم من طريق أبي حفص عن عاصم عن أبي المتوكل عنه.
وأشار ابن خزيمة إلى أن بعض أهل العلم حمله على الوضوء اللغوي فقال: المراد به: غسل الفرج، ثم رده ابن خزيمة بما رواه من طريق ابن عيينة عن عاصم في هذا الحديث فقال: (( فليتوضأ وضوءه للصلاة ) ). وأظن المشار إليه هو إسحاق بن راهويه
ج 1 ص 768
فقد نقل ابن المنذر عنه أنه قال: لا بد من غسل الفرج إذا أراد العود ثم استدل ابن خزيمة على أن الأمر بالوضوء للندب لا للوجوب بما رواه من طريق شعبة عن عاصم في حديث أبي سعيد المذكور كرواية ابن عيينة وزاد: (( فإنه أنشط للعود ) )فدل على أن الأمر للإرشاد أو للندب.
ويدل أيضًا على أنه لغير الوجوب ما رواه الطحاوي من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يجامع ثم يعود ولا يتوضأ ) ). انتهى.
وفي العيني: وقال أبو عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر، وما نسب ابن حزم بن الحارث الوضوء إلى الحسن وابن سيرين، فيرده ما رواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )فقال: حدثنا ابن إدريس عن هشام عن الحسن: أنه كان لا يرى بأسًا أن يجامع الرجل امرأته ثم يعود قبل أن يتوضأ. قال: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا، إنما قيل ذلك؛ لأنه أحرى أن يعود. انتهى.
ولا يعارض هذه الأخبار حديث ابن عباس: قال صلى الله عليه وسلم: (( إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة ) )قاله أبو عوانة في (( صحيحه ) )لما قاله الطحاوي من أن العمل على حديث الأسود عن عائشة.
ولما قاله المقدسي وغيره: هذا كله مشروع جائز من شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بالآخر، كذا يؤخذ من العيني.