فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 1465

(17)(باب مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)قال في(( الفتح )): رويناه بالإضافة؛ أي: باب تفسير قوله تعالى:{مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}[الحج:5]وبالتنوين ووجهه ظاهر، انتهى.

وتعقبه العيني فقال: ليت شعري أنه روى هذا عن البخاري نفسه أم عن الفربري؟ وكيف يقول باب تفسير قوله تعالى: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} وليس في متن حديث الباب {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} ، وإنما فيه ذكر المضغة وهي مخلقة وغير مخلقة كما ذكرنا، انتهى.

قال في (( الانتقاض ) ): ومن هذا الاعتراض تعرف مقدار فهم هذا المعترض ومعرفته بتراكيب الكلام والله المستعان، وقد تلقى هذا المعترض ما ذكره من كلامنا في شرح هذا الباب فأغار عليه ولم ينسبه إلينا منه إلا ما ظن أنه غير مرضي، انتهى.

ولم يزد على تهويل الاعتراض والتعريض بسقوطه والحق أن اعتراضه المتعلق بالرواية ساقط لا طائل تحته كما لا يخفى على أرباب الدراية.

وأما اعتراضه الثاني: بأنه ليس في حديث الباب {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} فوارد، وسيأتي إن شاء الله تعالى الجواب عنه. وقد اختلف في معنى {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} فقيل: مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وناقصة أو مصورة وغير مصورة.

ج 2 ص 37

قال ابن الملقن: ومراد البخاري بهذا التبويب بمعنى ما روي عن علقمة: إذا وقعت النطفة في الرحم، قال الملك: مخلقة أو غير مخلقة فإن قال: غير مخلقة، مجت الرحم دمًا وإن قال: مخلقة، قال: أذكر أم أنثى، ويحتمل أن يكون المراد ما فسره في الحديث إذا أراد خلقه، قال: مخلقة، وإن لم يرد قال: غير مخلقة، ويحتمل أن يكون أراد الآية الكريمة {مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} .

والحديث طبقها، ويحتمل أن يكون المراد بالآية أنها تكون غير مخلقة في الحالة الثانية ثم تخلق بعد ذلك والواو لا توجب ترتيبًا، انتهى.

وأشار بقوله: والواو لا توجب ترتيبًا، إلى ما قيل أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والأصل من مضغة غير مخلقة ومخلقة فإنها تكون أولًا غير مخلقة ثم تخلق.

وقال الطبري: بعد أن حكى في الآية أقوالًا الصواب قول من قال: المخلقة: المصورة خلقًا تامًا، وغير المخلقة: السقط قبل تمام خلقه، وهو قول مجاهد والشعبي وغيرهما.

وقال ابن الملقن: وغرض البخاري بهذا الباب والله أعلم: أن الحامل لا تحيض، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين والأوزاعي، وأحد قولي الشافعي؛ لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع الخروج.

وقال مالك والشافعي في أظهر قوليه: أنها تحيض، وحكي عن بعض المالكية إن كان في آخر الحمل فليس بحيض. وذكر الداودي: أن الاحتياط أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم ولا يأتيها زوجها، انتهى.

وسبقه إلى ذلك ابن المنير وعلله بأن الحمل إن تم فالرحم مشغول به، وما ينفصل عنه من دم إنما رشح غذائه أو فضلته أو نحو ذلك فليس بحيض وإن لم يتم، وكانت المضغة غير مخلقة مجها الرحم مضغة مائعة حكمها حكم الولد، فكيف يكون حكم الولد حيضًا كذا نقله عنه في (( المصابيح ) )ساكتًا عليه.

وفي قوله: حكمها حكم الولد نظر إذ هي على ما قاله مائعة فكيف يثبت بها حكم الولد ومن حكم أمومية أم الولد وانقضاء العدة ونحوها فليتأمل.

وقيل: أشار المصنف إلى نحو حديث رواه الطبراني بسند صحيح إلى ابن مسعود، وحكمه الرفع إذ ليس للرأي فيه مجال، قال: (( إذا وضعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا فقال: يا رب! مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة مجتها الرحم دمًا، وإن قال: مخلقة قال: يا رب! فما صفة هذه النطفة؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد صفة هذه النطفة فينطلق فيجد صفتها في أم الكتاب ) ).

واستدل ابن المنير أيضًا: على أنه ليس بدم حيض بأن الملك موكل برحم الحامل والملائكة لا تدخل بيتًا فيه قذر، ولا يلائمها ذلك.

وأجيب: بأنه لا يلزم من كون الملك موكلًا بالرحم أن يكون حالًا فيه على أنه مشترك الإلزام؛ لأن الدم بسائر أنواعه قذر لإطلاق قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام:145] .

قال في (( الفتح ) ): وقال ابن بطال: غرض البخاري بإدخال هذا الحديث في أبواب الحيض تقوية مذهب من يقول: أن الحامل لا تحيض، وهو قول الكوفيين وأحمد وأبي ثور وابن المنذر، وطائفة، وإليه ذهب الشافعي في القديم.

وقال في الجديد: أنها تحيض، وبه قال إسحاق وعن مالك روايتان، قلت: وبالاستدلال بالحديث المذكور على أنها لا تحيض نظر؛ لأنه لا يلزم من كون ما يخرج من الحامل هو السقط الذي لم يصور أن لا يكون الدم الذي تراه المرأة التي يستمر حملها ليس بحيض، وما ادعاه المخالف من أنه رشح من الولد أو من فضلة غذائه أو دم فساد لعلة فمحتاج إلى دليل.

وما ورد في ذلك من خبر أو أثر لا يثبت؛ لأن هذا دم بصفات دم المحيض، وفي زمن إمكانه فله حكم دم الحيض فمن ادعى خلافه فعليه البيان، وأقوى حججهم أن استبراء الأمة اعتبر بالحيض لتحقق براءة الرحم من الحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم تتم البراءة بالحيض، انتهى.

وأقول: كفى بهذا دليلًا؛ لأن الشارع الذي هو أدرى بحقائق الأشياء إذا اعتبره معرفًا لبراءة الرحم، فكيف لا يكون دليلًا على براءته

ج 2 ص 38

فالقائل يكون الحامل تحيض يكون مصادمًا لما نصبه الشارع علامة على عدم الحمل كما لا يخفى على المتأمل، وبهذا تستغني عما أطال به العيني في جواب قول صاحب (( الفتح ) )فعليه الدليل، وملخص أنه ذكر حديث ابن عمر في طلاق امرأته وهي حائض فأمره بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر.

وحديث أبي سعيد في سبايا أوطاس: (( لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض ) )، وحديث رويفع بن ثابت بمعناه قال: فجعل وجود الحيض علامة على براءة الرحم من الحبل. وذكر أثرًا عن علي: أن الله رفع الحيض عن الحبلى، وآخر عن ابن عباس نحوه، وآخرًا عن عائشة قالت: الحبلى لا تحيض.

وأجاب في (( الانتقاض ) )بأنا لا نمنع أن الحامل لا تحيض مطلقًا بل نسلم أن الغالب أنها لا تحيض ولكن ربما حاضت ودليلنا المشاهدة فهم يدعون أنه دم فساد وهو محل النزاع، انتهى.

وأقول: أنت خبير بأن غاية ما تدل عليه المشاهدة وجود مطلق الدم، وأما كونه خصوص دم حيض أو فساد فلا وقد نفت هذه الأحاديث كونه دم حيض فتعين كونه دم فساد إذ لا واسطة بينهما، فتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت