فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 1465

وبالسند قال:

318 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد البصري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين (ابْنِ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس بن مالك الأنصاري (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ) بتشديد الكاف للأكثر كما في قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة:11] . قال في (( الفتح ) ): ووقع في روايتنا من وكله بكذا: إذا استكفاه أباه وصرف أمره إليه.

(بِالرَّحِمِ مَلَكًا) بفتح اللام، من الملائكة الموكلين بالأرحام. قال ابن أبي جمرة: كما وكل بالمعدة ملكًا وبالطعام ملكًا وبالشراب ملكًا، وبكلِّ حاسة من الحواس ملكًا، كما جاء في بعض الآثار: (( غير الشم فما سمعت فيه شيئًا ) )انتهى.

وهل يدخل الملك الموكل على النطفة الرحم أولًا؟ احتمالان يدل لكل منهما أحاديث، وفي (( شرح الأربعين النووية ) )للشهاب ابن حجر: لكن في رواية الصحيح يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم أربعين يومًا، وفي أخرى: (( أو وخمس وأربعين ليلة ) ). وفي أخرى لمسلم: (( أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك ) )انتهى.

(يَقُولُ) عند وقوع النطفة لالتماس إتمام الخلقة أو الدعاء بإقامة الصورة الكاملة عليها، أو الاستعلام أو نحو ذلك (يَا رَبِّ) بحذف ياء المتكلم والاجتزاء عنها بالكسرة (نُطْفَةٌ) بالرفع، للأكثر خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه نطفة أو فاعل لفعل محذوف؛ أي: وقع في الرحم نطفة، وهذه الجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأن المراد بها استفهام الملك من الرب جل وعلا عن مراده بها لا الإخبار لانتفاء فائدة الخبر هاهنا.

ولازمها كما لا يخفى فهي كقوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى} [آل عمران:36] ، إلا أن هذه لإنشاء التحزن والتحسر، وتلك لإنشاء السؤال، وللقابسي: بالنصب بفعل محذوف؛ أي: خلقت أو قدرت نطفة.

قال الجوهري: النطفة: الماء الصافي قل أو كثر والمراد به هنا المني وتجمع على نطاف ونطف.

(يَا رَبِّ عَلَقَةٌ) بفتحتين، وهي الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل لهذه الدابة التي تكون في الماء علقة؛ لأنها حمراء كالدم (يَا رَبِّ مُضْغَةٌ) أي: قطعة لحم قدر ما يمضغ، وفي هذين التركيبين من المجاز ما مر في نطفة.

وقال الكوراني: هذا نوع من الذكر واعتراف بكمال القدرة على تقليب تلك المادة في أطوارها وإظهار لعدم غفلته عما وكل به انتهى.

ولعل مراده بإظهار عدم الغفلة ... إلخ الملائكة وإلا فالمخاطب وهو من لا تخفى عليه خافية عالم بذلك.

قال في (( الفتح ) ): ونداء الملك بالأمور الثلاثة ليس في دفعة واحدة بل بين كل حالة وحالة مدة تبين من حديث ابن مسعود الآتي في كتاب القدر: أنها أربعون يومًا.

وسيأتي الكلام هناك على بقية فوائد حديث أنس، ولفظ حديث ابن مسعود في كتاب القدر: (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) )، وظاهره إرسال الملك بعد الأربعين الثالثة.

وقال الشهاب ابن حجر: لكن في روايات أخر لمسلم وغيره: أن كتابة تلك الأمور عقب الأربعين الأولى وبهذا أخذ جماعة من الصحابة، وجمع بعضهم بأن ذلك يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يكتب له ذلك عقب الأربعين الأولى، ومنهم من يكتب له عقب الأربعين الثالثة، ولعل الجمع بهذا أولى من قول القاضي عياض.

ولئن أقره النووي أن (( ثم يبعث ) )وما بعده معطوف على (( يجمع ) )ومتعلقاته، لا على (( ثم يكون مضغة مثله ) )بل هو (( وثم يكون علقة مثله ) )معترضان بين المعطوف والمعطوف عليه. ومن قول غيره أنها تكون مرتين، مرة في السماء وأخرى في بطن الأم، انتهى.

وقد جمع بعض العلماء بين تلك الروايات: بأن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، وله تصرف في أوقاتها فيقول وقت النطفة: يا رب نطفة، وكذا في الأخريين فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى، وأول علم الملك أنه ولد إذا صارت علقة، إذ ليس كل نطفة تصير ولدًا وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذٍ يكتب رزقه وأجله وشقيًا أو سعيدًا، ثم للملك فيه تصرف آخر وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وكونه ذكرًا أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل انقضائها، وقبل نفخ الروح فيها؛ لأن نفخها فيه لا يكون إلا بعد تمام صورته.

واختلف في أول ما يصور من الجنين فقيل: قلبه، وقيل: دماغه، ورجحه بعضهم وقيل: عجب الذنب بدليل أنه لا يفنى كالروح، وقيل الكبد، وقيل السرة.

وأما رواية [1] مسلم: (( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها

ج 2 ص 39

ولحمها وعظامها، ثم يقول: يا رب! أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما هنا ويكتب الملك ثم يقول: يا رب! أجله فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب! رزقه فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد ولا ينقص )) .

فليست على ظاهرها كما قال القاضي عياض وغيره، بل المراد بتصويرها وخلق سمعها ... إلخ: أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ} [المؤمنون:12] الآية.

ثم يكون للملك فيه تصرف آخر وهو نفخ الروح فيه حين يكمل له أربعة أشهر، وقد اتفق العلماء على أن نفخ الروح فيه لا يكون إلا بعد تمام أربعة أشهر، وبعد تشكيل المضغة بشكل ابن آدم، وإن كان ظاهر حديث مسلم: (( ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ) )إن الملك ينفخ الروح في المضغة لكنه غير مراد فهو إما على حذف قيد؛ أي: المضغة بعد تصويرها، وإما مجاز مرسل باعتبار ما تؤول إليه المضغة من الصورة والشكل.

وقال العيني: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم وأنه يقول: يا رب! نطفة يا رب! علقة.

وقوله في حديث: (( وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال: يا رب! أذكر أم أنثى ) )، لا يخالف ما قدمناه ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حال أخرى.

فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاوة والسعادة والعمل والذكورة والأنوثة ظهور ذلك للملك فيأمره بإنفاذه وكتابته وإلا فقضاءه وعلمه وإرادته سابق على ذلك انتهى.

وقال الشهاب ابن حجر المكي: والإيجاد على هذا الترتيب العجيب مع قدرته تعالى على إيجاده كاملًا كسائر المخلوقات في أسرع من لحظة {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل:40] كناية عن مزيد السرعة وإلا فلا قول؛ لأن بمجرد تعلق الإرادة به يوجد في أقل من زمن كن، لو تصور ويمكن أن يقال في حكمته ما قالوه في خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما في ستة أيام، وهي تعليمه لعباده التأني في أمورهم.

أو يقال حكمته إعلام الإنسان بأن حصول الكمال المعنوي له إنما يكون بطريق التدريج نظير حصول الكمال الظاهر له بتدرجه في مراتب الخلق وانتقاله من طور إلى طور إلى أن يبلغ أشده فكذلك ينبغي له في مراتب السلوك أن يكون على نظير هذا المنوال وإلا كان راكبًا متن عميًا وخابطًا خبط عشواء انتهى.

(فَإِذَا أَرَادَ اللهُ) بإثبات الجلالة للأصيلي، وهو من وضع المظهر مكان المضمر للتأكيد والتبرك، ولغيره بحذفها والاجتزاء بالضمير (أَنْ يَقْضِيَ) أي: يتم (خَلْقَهُ) أي: خلق ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة ثم مضغة، وهذا هو المراد بقوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج:5] ، وقد علم بالضرورة أنه إذا لم يرد خلقه تكون غير مخلقة.

وهذا وجه مطابقة الحديث للترجمة، وقد صرح بذلك في حديث رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود قال: (( إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة مجها الرحم دمًا ) ).

(قَالَ) أي: الملك (أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى) أي: أذكر هو أم أنثى، فـ (( ذكر ) )خبر مقدم مبتدأه الضمير المقدر، وإنما قدر مؤخرًا ليلي المستفهم عنه الهمزة كما هو مقرر في علم المعاني.

وقول القسطلاني: والتقدير أهو ذكر أم أنثى ذهول عن هذه القاعدة؛ لأن المستفهم عنه المجهول للملك الذكورة والأنوثة لا النطفة المعبر عنها بلفظ: (( هو ) ).

ويجوز أن يكون (( ذكر ) )هو المبتدأ لوجود المسوغ وهو همزة الاستفهام، وأن كالخبر على هذا التقدير معرفة على حد: من زيد، عند سيبويه، وللأصيلي: بالنصب بتقدير: أتخلق أو تريد، ويجري ما تقدم في قوله:

(شَقِيٌّ) أي: هو بحذف همزة الاستفهام بقرينة مقابلتها بأم (أَمْ سَعِيدٌ) كقوله: فوالله ما أدري في قوله: وإن كنت داريًا بسبع رمين الجمر أم بثمان، والشقي إما العاصي بكفر فقط، أو مطلق العاصي ولو بغيره، والسعيد بخلافه وهو إما المؤمن أو المطيع من المؤمنين والأول أرجح لموافقته لقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود:105] {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا} [هود:106] الآيتين؛ لأن حقيقة الخلود في النار لا يكون إلا للكافر.

(فَمَا الرِّزْقُ) بكسر الراء، اسم لما ينتفع به العبد ولو حرامًا؛ خلافًا للمعتزلة فإن الحرام عندهم ليس

ج 2 ص 40

برزق، ويلزمهم أن من أكل طول عمره حرامًا أن لا يكون الله رزقه فبنا في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} [هود:6] .

ومعنى قوله: (( فما الرزق ) )السؤال عن كونه قليلًا أو كثيرًا، حرامًا أو حلالًا ومن أي جهة هو، وأما الرزق بالفتح، فهو مصدر رزق (وَمَا الأَجَلُ) كذا في رواية الأصيلي ولغيره بحذف: ما؛ أي: أطويل أم قصير.

قال الكرماني: هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنه يطلق على غاية المدة وعلى المدة، انتهى.

وأقول: ما ذكره من الترديد في الأجل لا ينطبق إلا على المدة، ولا ينطبق على غايتها كما لا يخفى، فلعله سقط من قلم الناسخ مضاف؛ أي: نهاية مدة حياته، وكذا وقعت هذه العبارة في العيني بعينها.

(فَيَكْتُبُ) بالبناء للفاعل والضمير فيه راجع إلى الله تعالى أو إلى الملك وهو الظاهر، وهذه رواية الأصيلي والمفعول محذوف؛ أي: ما أمره الله تعالى به وقضاه من هذه الأمور الأربعة، ويحتمل العموم، ولغير الأصيلي: على صيغة المجهول، وهذه الكتابة يجوز أن تكون على حقيقتها؛ لأنها أمر ممكن أخبر به الصادق وإن كانت تحيلها العادة والله على كل شيء قدير، ويجوز أن تكون مجازًا عن التقدير.

(فِي بَطْنِ أُمِّهِ) ظرف لقوله: (( يكتب ) )على التقديرين، ويحتمل الحالية من فاعل يكتب إذا أريد به الملك، ومن المكتوب على رواية البناء للمفعول.

قال العيني: وبيان ما يكتب في حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: ثنا داود عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود يرفعه: (( إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه قال: رب أذكر أم أنثى؟ ما الأمر بأي أرض تموت فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد صفة هذه النطفة، فينطلق فيجد صفتها في أم الكتاب ) )انتهى.

وقد جاء أن الكتابة بين عينيه، ففي حديث أبي ذر: (( فيقضي الله ما هو قاض فيكتب ما هو لاق بين عينيه ) )، وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما في خبر مسلم.

وفي (( شرح الأربعين النووية ) )لابن حجر المكي وفي خبر عند البزار: إن كتابة ذلك ككل ما هو لاق يكون بين عينيه. وفي حديث آخر: (( أنه يكتب ذلك في صحيفة وبين عيني الولد ) )انتهى.

لا يقال: ما بين عيني الولد غير قابل لكتابة جميع ما يجري عليه مدة عمره؛ لأنا نقول ذلك أمر خارق للعادة وممكن عقلًا، وقد أخبر الصادق به فيجب الإيمان به والله على كل شيء قدير.

قال العيني: اعلم أن هذا الحديث جامع لجميع أحوال الشخص إذ فيه بيان حال المبدأ وهو ذاته ذكر أو أنثى، وحال المعاد وهو الشقاوة، والسعادة وما بينهما وهو الأجل وما يتصرف فيه وهو الرزق.

وقد جاء أيضًا: فرغ الله من أربع من الخلْق والخُلُق والأجل والرزق، والخَلق _ بفتح الخاء _ إشارة إلى الذكورة والأنوثة، وبضمها إلى السعادة وضدها.

وقال المهلب: إن الله تعالى علم أحوال الخلق قبل أن يخلقهم وهو مذهب أهل السنة.

وأجمع العلماء: على أن الأمة تكون أم ولد بما أسقطته من ولد تام الخلق، واختلفوا في من لم يتم خلقه من المضغة والعلقة، فقال الأوزاعي ومالك: تكون بالمضغة أم ولد مخلقة كانت أو غير مخلقة، وتنقضي بها العدة.

وعن ابن القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع، وعن أشهب: لا تكون به أم ولد وتكون بالمضغة والعلقة.

وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق إصبع أو غير ذلك فهي أم ولد، وعلى مثل هذا انقضاء العدة، انتهى.

وقال الشهاب ابن حجر المكي: واستفيد من عدم اجتماعها قبل صيرورتها علقة: أنه لا يدار على إلقائها حكم ما دامت نطفة فلا يثبت لها أمية ولد ولا تقضي بها عدة.

قال الحنابلة وغيرهم: ولا يحرم التسبب إلى إلقائها؛ لأنها لم تنعقد بعد وقد لا تنعقد ولدًا؛ بخلاف العلقة لا يجوز إسقاطها لانعقادها دمًا؛ أي: وهو يغلب على الظن صيرورتها ولدًا، ومن ثم جاء في بعض الروايات السابقة: (( إن الملك لا يعلم أن النطفة ولد حتى تصير علقة ) ).

وقول جمع من الفقهاء: يجوز الإسقاط ما لم تنفخ فيه الروح كالعزل ضعيف إذ لا جامع بينهما، فإن غاية ما في العزل تسبب إلى منع الانعقاد، فكيف يقاس به ولد انعقد وربما تصور.

ويؤيد ما قررناه من حرمة إسقاط العلقة قول المالكية يثبت بها الاستيلاد

ج 2 ص 41

فأداروا عليها حكم الولدية، وهو مستلزم لحرمة الإسقاط ولا ينافيها عدم انقضاء العدة بها وعدم ثبوت الاستيلاد عندنا؛ لأنا وإن منعنا تسميتها ولدًا وحملًا كما يأتي لا نمنع حرمة إسقاطها لما قررته آنفًا عند انقضاء العدة بقولي: وهو يغلب على الظن إلى آخره.

فإن صارت مضغة وشهد أربع قوابل بتصويرها أو بأنها أصل آدمي ولم يتشككن فيه انقضت بها العدة؛ بخلاف أمية الولد لا تثبت إلا بإلقاء صورة ظاهره التخطيط.

والفرق أن مدار العدة على تحقق براءة الرحم وهو متحقق بإلقاء المضغة المذكورة، ومدار أمية الولد على إلقاء ما يسمى ولدًا وما لم يظهر التخطيط لا يسمى ولدًا.

فائدة ذكر العارف بالله تعالى ابن أبي جمرة في شرح حديث: (( إن الله وكل بالرحم ملكًا ) )وجاء أن الملك إذا جاء للتصوير نصب له سبعون من جدوده على ما رواه أبو داود، ثم يلقي الله سبحانه شبهه على من شاء منهم، فإذا فرغ التصوير نادى الملك الموكل بالرحم، فيأتي ملك آخر بالأربع كلمات فيجاوب المخبر عن كل واحدة واحدة، ويكتب والكاتب هنا لا نعرفه فلعله بعض الملائكة المذكورين أو غيرهم )) انتهى.

وأقول: لعل محمل الحديث على من وجد له هذا العدد أو أكثر منه من الجدود كأهل عصره صلى الله عليه وسلم وما قاربه من العصور المتقدمة عليه والمتأخرة عنه.

وأما عصر نوح مثلًا وإبراهيم عليهما السلام فلا يتصور فيهما ذلك كما لا يخفى فالحديث مخصوص ولو أريد بالسبعين مجرد التكثير، والمخصص له العقل كقوله تعالى: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر:6] ؛ أي: على كل شيء ممكن.

توفيق هنا

[1] (( وأما رواية ) ): كررت في المخطوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت