(5) (بابٌ) بالتنوين (التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) أعرب مشاهير الشراح كصاحب (( الفتح ) )والعيني التيمم مبتدأ و (( للوجه ) )متعلق به (( والكفين ) )معطوف على الوجه وخبر المبتدأ محذوف، لكن وقع الاختلاف في تقديره فقدره صاحب (( الفتح ) )بقوله: هو الواجب المجزئ.
وقدره العيني بلفظ: (( ضربة ) )، فقال: التيمم (( للوجه ) )مبتدأ (( والكفين ) )عطف على الوجه وخبره محذوف؛ أي: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، ثم تقدر بعد ذلك لفظة: (( جوازًا ) )يعني من حيث الجواز ولفظة: (( وجوبًا ) )يعني من حيث الوجوب.
والمقصود منه: إثبات أن التيمم ضربة واحدة سواء كان وجوبًا أو جوازًا، ثم تعقب صاحب (( الفتح ) )بأن تقييده بالوجوب لا يفهم منه؛ لأنه أعم من ذلك.
وتعقب القسطلاني العيني فقال: قد عقد المؤلف للضربة الواحدة بابًا يأتي إن شاء الله تعالى، يعني فلو كان الخبر في هذا الباب ضربة لكان ذلك تكرارًا.
وأقول: ربما أن الذي دعا العيني إلى تقدير الخبر ضربة حديث ذلك الباب، فإن فيه: (( فضرب بكفه ضربة على الأرض ) ).
ج 2 ص 77
وذلك الحديث هو حديث عمار برواية أخرى، فقدر ما هو مصرح به في تلك الرواية، ولا يلزم التكرار؛ لأن الترجمة الآتية الخبر فيها ضربة مطلقة وهنا مقيدة بكونها للوجه والكفين والمطلق غير المقيد، وسنح لي في إعراب هذه الترجمة وجه ظاهر لا يحتاج إلى تقدير وهو: أن يجعل التيمم مبتدأ وقوله: (( للوجه والكفين ) )خبره فيصير حاصل المعنى أن التيمم محله الوجه والكفان ومخصوص بهما سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر وهذا معنى صحيح خال عن التكلف والتقدير، ولا أدري لِم لم يجنح إليه أحد من الشراح مع وضوحه.
ثم قال في (( الفتح ) ): وأتى المصنف بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم: فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمار: فورد بذكر الكفين في (( الصحيحين ) )، وبذكر المرفقين في (( السنن ) ).
وفي رواية: (( إلى نصف الذراع ) )، وفي رواية: (( إلى الإباط ) )، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الإباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به.
ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين: كون عمار كان يفتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد انتهى.
وتعقبه العيني فقال: قوله: لم يصح منهما سوى حديث أبي جهيم وعمار غير مسلم؛ لأنا قد ذكرنا أنه روى فيه عن جابر مرفوعًا: (( أن التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين ) )وأن الحاكم قال: إسناده صحيح، وأن الذهبي قال: إسناده صحيح ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته.
فإن قلت: رواه جماعة موقوفًا قلت: هو أقوى وأثبت؛ لأنه أسند من وجهين وقوله: أما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا غير صحيح ولا يطلق فيه حد الإجمال بل هو مطلق يتناول إلى الكفين وإلى المرفقين وإلى ما وراء ذلك.
ولكن رواية الدارقطني في هذا الحديث خصصته وفسرته بقوله: (( فمسح بوجهه وذراعيه ) )، فإن قلت: هذا القائل لم يرد الإجمال الاصطلاحي بل أراد الإجمال اللغوي قلت: إن كان كذلك فحديث الدارقطني أوضحه وكشفه كما ذكرنا انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) )عن قوله: غير مسلم ... إلخ فقال: وهذا دفع بالصدر؛ لأنه دخل في قولنا وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، وحديث جابر من الشق الثاني ولم يتعرض للجواب عن بقية تعقباته، وقد أخرج المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث ثلاثة مرفوعة، وثلاثة موقوفة، وقد أخذ في بيان ذلك فقال: