وبالسند قال:
338 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتَيْبَة بضم العين وفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية وفتح الموحدة (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ابن عبد الله الهمْداني بسكون الميم وبالدال المهملة، نسبة إلى همدان قبيلة، وأما هَمذان بفتح الميم وبالذال المعجمة فهي بلدة بعراق العجم.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي مقصورًا (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن الصحابي الخزاعي الكوفي.
قال الكرماني: استعمله علي رضي الله عنه على خراسان، وفي (( صحيح مسلم ) ): (( أن نافع ابن الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله بمكة فقال له: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى قال: إنه قارئ لكتاب الله، وقال: إن نبيكم قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب قومًا ويضع به آخرين ) )، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر حديثًا انتهى.
(قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية الطبراني: (( من أهل البادية ) ) (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ) بفتح الهمزة؛ أي: صرت جنبًا.
قال الكرماني: وفي بعضها: (( جُنِبت ) )بضم الجيم وكسر النون.
وفي (( المصابيح ) ): أَجنبت بهمزة مفتوحة وجيم يقال: أُجنب الرجل وجَنب بالضم والفتح.
(فَلَمْ أُصِبِ) بضم الهمزة؛ أي: لم أجد (الْمَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) العنْسي بالنون الساكنة، وكان من السابقين الأولين، وشهد هو وأبوه المشاهد كلها.
وقال فيه عليه الصلاة السلام: (( أن عمارًا ملئ إيمانًا ) ).
أخرجه الترمذي، واستأذن عليه فقال له: (( مرحبًا بالطيب المطيب ) )وقال: (( من عادى عمارًا عاداه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله ) )، رواه أحمد والنسائي عن خالد بن الوليد، له في (( البخاري ) )أربعة أحاديث، منها قوله هنا: (لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه: (( يا أمير المؤمنين ) )
(أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا) بفتح همزة الاستفهام وتخفيف الميم من (( ما ) )النافية، و (( أَنَّا ) )بفتح الهمزة وتشديد النون والأصل: أننا بثلاث نونات فحذفت الأخيرة لتوالي الأمثال وهي وما بعدها وهو قوله: (كُنَّا فِي سَفَرٍ) في تأويل مصدر منصوب على المفعولية
ج 2 ص 75
تقديره: (( أما تذكر كوننا في سفر ) )، وللأصيلي: ، ولمسلم: في سرية: (( فأجنبنا ) )، وكذا للمصنف في الباب الآتي.
(أَنَا وَأَنْتَ) بدل من ضمير الجمع في (( كنا ) )بدل مفصل من مجمل (فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) أي: لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاده أن التيمم مخصوص بالحدث الأصغر كما تقدم نقل ذلك عنه، ثم رجع إلى قول الجمهور، وعمار قاس الحدث الأكبر على الأصغر، ولكنه لم يدر كيفيته في الحدث الأكبر فقاسه على الغسل.
ولذا قال: (وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) أي: تمرغت في التراب بجميع بدني.
قال في (( الفتح ) ): وكان عمارًا استعمل القياس في هذه المسألة؛ لأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء رأى أن التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل، ويستفاد من هذا الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لم يصب الحق، وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة، وفي تركه أمر عمر أيضًا بقضائها متمسك لمن قال: أن فاقد الطهورين لا يصلي ولا قضاء عليه انتهى.
وأقول: كون عمر رضي الله عنه فاقدًا للطهورين غير طاهر إلا أن يقال: أنه فاقد التراب حكمًا لاعتقاده أن لا تيمم للجنب، فكأن وجود التراب كعدمه كما تقدم قريبًا.
(فَصَلَّيْتُ) وقد أورد المصنف هذا الحديث في هذا الباب، والذي بعده مختصرًا لكن الاختصار ليس منه، فقد أورد البيهقي من طريق آدم كذلك، ولكن أورده مسلم من طريق يحيى بن سعيد وكذا النسائي من طريق حجاج بن محمد كلاهما عن شعبة بلفظ: (( أن رجلًا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصل زاد السراج: حتى تجد الماء فقال عمارًا: ما تذكر يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، فقال عمر: اتق الله يا عمار قال: إن شئت لم أحدث به ) ).
وفي لفظ: (( يا أمير المؤمنين إن شئت لما جعل الله علي من حقك لا أحدث به أحدًا ) ).
وفي لفظ لمسلم: (( قال عمر نوليك ما توليت ) )قال عمار: (فَذَكَرْتُ) ذلك (لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) سقط لفظ: لغير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر (فَقَالَ النَّبِيُّ:) صلى الله عليه وسلم، سقط للأصيلي لفظ: .
(إنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) وسقط: الكاف من للحموي، وادعى ابن حزم: أن في هذا القول إبطال القياس؛ لأن عمارًا قاس التيمم للجنابة على الغسل لها، فأبطله رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إنما كان يكفيك هكذا ) ).
ورد بأنه لا يلزم من بطلان هذا القياس الخاص بطلان القياس مطلقًا على سبيل العموم، والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس حتى يرد عليهم ما ذكر، كذا في الكرماني والإشارة ب: (( هكذا ) )إلى ما بينه بقوله: (فَضَرَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي ذر (بِكَفَّيهِ الأَرْضَ) وللأصيلي: (وَنَفَخَ فيهِمَا) أي:
ج 2 ص 76
في كفيه قال في (( الفتح ) ): وفي رواية حجاج الآتية: (( ثم أدناهما من فيه ) )، وهي كناية عن النفخ، وفيها إشارة إلى أنه كان نفخًا خفيفًا.
وفي رواية سليمان بن حرب: (( تفل فيهما ) )والتفل: قال أهل اللغة: هو دون البزق والنفث دونه، وسياق هو لا يدل على أن التعليم وقع بالفعل، ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد، وللإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون وغيره كلهم عن شعبة: أن التعليم وقع بالقول ولفظه: (( إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ) )، زاد يحيى: (( ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ) ).
واستدل بالنفخ: على استحباب تخفيف التراب كما تقدم، وعلى سقوط استحباب التكرار في التيمم؛ لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف انتهى.
(ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) ظاهره إلى الكوعين، وهو مذهب مالك في أصح قوليه وأحمد، ويسن عندهما المسح إلى المرفقين، وأما عند أبي حنيفة والشافعي: فالمسح إلى المرفقين فرض ولا بد من كونه بضربتين لحديث الحاكم والدارقطني وأبي داود عن ابن عمر مرفوعًا: (( التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين ) )وصححه الحاكم قاله في (( التحفة ) ).
لكن صوب غيره وقفه على ابن عمر ومن ثم اختار المؤلف وغيره: أنه يكفي مسحهما إلى الكوعين لحديث الصحيحين الظاهر فيه، ولكن البدلية المقتضية لإعطاء البدل حكم المبدل منه قد ترجح الأول انتهى.
وقال الكرماني: فإن قلت: الحديث يدل على أنه لا يجب مسح اليد إلى المرفق؛ لأنه اكتفى بالكفين، وكذا على أنه تكفي ضربة واحدة للوجه واليدين فما تقول فيه؟ قلت: أجيب بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم لا بيان جميع ما يحصل به التيمم، وقد ثبت في الروايات الأخر الضربتان والمسح إلى المرفق.
وأيضًا قد أوجب الله غسل اليد إلى المرفق في الوضوء فكذا في التيمم الذي هو بدل منه انتهى.
وأخذ أحمد بظاهر هذا الحديث فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين ولا الضربة الثانية للكفين، واستشكل بأن ما يمسح به وجهه يصير مستعملًا، فكيف يمسح به كفيه.
وأجيب: بأنه يمكن أن يمسح الوجه ببعض الكفين، والكفين بباقيهما.
وفي الحديث: أن مسح الوجه واليدين بدل من غسل الجنابة عن كل البدن، وإنما لم يأمر عمارًا بالإعادة؛ لأن فعله تضمن التيمم.
ورواة الحديث الثمانية ما بين خراساني وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والقول ثلاثة من الصحابة.
وأخرجه المؤلف في الطهارة وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.