والتأمين مصدر أمّن بالتشديد من باب التفعيل؛ أي: قال آمين وهو بالمدّ والتخفيف مبني على الفتح؛ لأنه اسم فعل بمعنى استحب، وثبت هكذا في جميع الروايات، وعليه القراء جميعًا، وحكى الواحدي الإمالة عن حمزة والكسائي.
وفيه ثلاث لغات أخر شاذة الأولى القصر حكاها ثعلب وذكر لها شاهدًا، وهو قوله آمين فزاد آلله ما بيننا بُعدًا، وأنكرها ابن درستويه، وطعن في الاستدلال بالشاهد بأنه ضرورة، بل ادعى ومن تبعه أن ثعلبًا إنما أجازه في الضرورة الثانية القصر مع التشديد الثالثة المد مع التشديد، وادعى جماعة أنهما خطأ.
وقال ابن السكيت وغيره من أهل اللغة: أن التشديد من لحن العوام، بل تفسد به الصلاة؛ لأنه اسم فاعل بمعنى قاصد؛ أي: قاصدين ما لم يقصد ربنا جئناك قاصدين فاستجب دعاءنا فلا تبطل.
وقال العيني: الفساد به قول أبي حنيفة وعندهما لا تفسد لأنه يوجد في القرآن مثله وعلى قولهما الفتوى. انتهى.
وليس له نظير في أوزان اللغة العربية بل في غيرها كقابيل.
قال العيني: وقيل: هو تعريب همين وقيل أصله يا الله استجب لنا دعاءنا وهو اسم من أسماء الله تعالى إلا أنه أسقط ياء النداء فأقيم المد مقامه فلذلك أنكر جماعة القصر فيه، وقالوا: المعروف فيه المد.
وروى عبد الرزاق عن أبي هريرة بإسناد ضعيف: بأنه اسم من أسماء الله، وعن هلال بن يساف التابعي مثله.
وهو اسم فعل مثل صه بمعنى اسكت، ويوقف عليه بالسكون، فإن وصل بغيره حرك؛ لالتقاء الساكنين ويفتح طلبًا للخفة لأجل الياء كأين وكيف. قاله العيني، وأنكر ذلك الجمهور.
قال النووي في (( تهذيبه ) ): لا يصح هذا؛ لأنه ليس في أسماء الله تعالى اسم مبني ولا غير
ج 2 ص 605
معرب وأسماء الله تعالى لا تثبت إلا بالقرآن أو السنة وقد عدم الطريقان. انتهى.
قال العيني: وأما معناه فقيل ليكن كذلك، وقيل: افعل، وقيل: لا تجيب رجاءنا، وقيل: لا يقدر على هذا غيرك، وقيل: طابع الله على عباده يدفع عنهم به الآفات، وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يسلم تأويله إلا الله، وقيل: من شد ومد، فمعناه: قاصدين إليك، ونقل ذلك عن جعفر الصادق.
وقيل: من قصر وشدد فهي كلمة عبرانية أو سريانية.
وعن أبي زهير النميري قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل ألحَّ في الدعاء فقال: (( وجب إن ختم ) )فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: (( بآمين فإنه إن ختم بآمين، فقد وجب ) ). رواه أبو داود.
قلت: أبو زُهَير بضم الزاي وفتح الهاء صحابي.
وفي (( المجتبى ) ): لا خلاف أن آمين ليست من القرآن حتى قالوا بارتداد من قال أنها منه. انتهى.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) بن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق (آمِينَ دُعَاءٌ) يقتضي كونه دعاء أن يقوله الإمام؛ لأنه في مقام الدعاء وادعى بعضهم أنه مختص بالمأموم؛ لأنه جواب.
قال ابن الملقن: اختلف العلماء في الإمام هل يقول آمين؟.
فعن مالك: أن الإمام يقول كالمأموم وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقالت طائفة: لا يقولها الإمام وإنما يقول ذلك من خلفه وإن كان وحده قالها، وحكي عن مالك في (( المدونة ) )والمصريين من أصحابه حجة هذا القول حديث أبي هريرة الآتي: (( إذا قال الإمام {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7] فقولوا: آمين ) )قالوا: فلو كان الإمام يقول آمين لقال عليه الصلاة والسلام: إذا قال الإمام آمين، فقولوا آمين.
ووجدنا الفاتحة دعاء، فالإمام داع والمأموم مؤمن، وكذا جرت العادة أن يدعو واحد ويؤمن المستمع، قال تعالى: {قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} [يونس:89] فسماهما داعيين، وإنما كان موسى داعيًا وهارون مؤمنًا فدل على أن الإمام داع مما في الفاتحة والمأموم مستجيب؛ لأن آمين معناها لغة استجب، فيقول المأموم: يا ربنا استجب له.
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث الباب: (( إذا أمن الإمام فأمنوا ) )وبقول أبي هريرة للإمام: (( لا تسبقني بآمين ) )وبقول ابن شهاب: كان عليه الصلاة والسلام يقول: (( آمين ) ).
وقال في (( الفتح ) ): قال ابن المنير: مناسبة قول عطاء للترجمة أنه حكم بأن التأمين دعاء، فاقتضى ذلك أن يقوله الإمام لأنه في مقام الداعي بخلاف قول المانع أنها جواب للدعاء، فتختص بالمأموم.
وجوابه: أن التأمين قام مقام التلخيص بعد البسط فالداعي فصل المقاصد بقوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة:6] ... إلخ، والمؤمن أتى بكلمة تشْمل الجميع، فإن قالها الإمام فكأنه دعا مرتين مفصلًا ومجملًا.
(وأَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ، حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً) هذا من قول عطاء أيضًا، وكذا قوله: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإِمَامَ: لاَ تَفُتْنِي بِآمِينَ) .
قال في (( الفتح ) ): وقال عطاء إلى قوله: بآمين وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، قال: قلت له: أكان ابن الزبير يؤمن على أثر أم القرآن؟ قال: نعم ويؤمن من وراءه حتى إن للمسجد للجة، ثم قال: إنما آمين دعاء، قال: وكان أبو هريرة يدخل المسجد، وقد قام الإمام فيناديه فيقول: لا تسبقني بآمين.
وقوله: (( حتى إن ) )بكسر الهمزة وللمسجد؛ أي: لأهل المسجد، وللَجَّةً اللام للتأكيد.
واللّجة: قال أهل اللغة: الصوت المرتفع، وروي: للجبة بموحدة وتخفيف الجيم، حكاه ابن التين وهي الأصوات المختلطة، ورواه البيهقي الرَجَّة بالراء بدل اللام كما سيأتي.
وقوله: (لا تَفُتْني) بضم الفاء وسكون المثناة وحكى بعضهم عن بعض النسخ: بالفاء والشين المعجمة، ولم أر ذلك في شيء من الروايات، وإنما فيها بالمثناة من الفوات، وهو بمعنى ما تقدم عند عبد الرزاق من السبق.
ومراد أبي هريرة أن يؤمن مع الإمام داخل الصلاة، وقد تمسك به بعض المالكية في أن الإمام لا يؤمن، وقال: معناه لا تنازعني بالتأمين الذي هو من وظيفة المأموم، وهذا تأويل بعيد.
وقد جاء عن أبي هريرة من وجه آخر أخرجه البيهقي من طريق حماد عن ثابت عن أبي رافع قال: كان أبو هريرة يؤذن لمروان فاشترط أن لا يسبقه بالضالين حتى يعلم أنه دخل في الصف، وكأنه كان يشتغل بالإقامة وتعديل الصفوف، وكان مروان يبادر إلى الدخول في الصلاة قبل فراغ أبي هريرة، وكان أبو هريرة ينهاه عن ذلك، وقد وقع له ذلك مع غير مروان.
فروى سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين: أن أبا هريرة كان مؤذنًا بالبحرين، وأنه اشترط على الإمام أن لا يسبقه بآمين والإمام بالبحرين كان العلاء بن الحضرمي بينه
ج 2 ص 606
عبد الرزاق من طريق أبي سلمة عنه.
وقد روى نحو قول أبي هريرة عن بلال، أخرجه أبو داود من طريق أبي عثمان عن بلال أنه قال: يا رسول الله! لا تسبقني بآمين، ورجاله ثقات.
لكن قيل: أن أبا عثمان لم يلق بلالًا، وقد روي عنه بلفظ: (( أن بلالًا ) ).
قال: وهو ظاهر الإرسال، ورجحه الدارقطني وغيره على الموصول، وهذا الحديث يضعف التأويل السابق؛ لأن بلالًا لا يقع منه ما حمل هذا القائل كلام أبي هريرة عليه، وتمسك به بعض الحنفية في أن الإمام يدخل في الصلاة قبل فراغ المؤذن من الإقامة، وفيه نظر؛ لأنها واقعة عين وسببها محتمل، فلا يصح التمسك بها. انتهى.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع أن ابن عمر كان إذا ختم أم القرآن قال: آمين لا يدع أن يؤمن إذا ختمها، قال: وسمعت منه في ذلك خبرًا (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما (لاَ يَدَعُهُ) أي: قول آمين (وَيَحُضُّهُمْ) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة والضاد المعجمة؛ أي: عليه كما في بعض النسخ.
وقوله: (وَسَمِعْتُ مِنْهُ) أي: من ابن عمر (فِي ذَلِكَ) أي: في التأمين (خَيْرًا) من كلام نافع.
قال في (( الفتح ) ): وخَيْرًا بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية؛ أي: فضلًا وثوابًا، وهي رواية الكشميهني، ولغيره: (( خبَرًا ) )بفتح الموحدة؛ أي: حديثًا مرفوعًا يشعر به ما أخرجه البيهقي: (( كان ابن عمر إذا أمّن الناس أمّن معهم ) ).
ويرى ذلك من السنة ورواية عبد الرزاق مثل الأول وكذلك رويناه في (( فوائد يحيى بن معين ) ).
ومناسبة أثر ابن عمر من جهة أنه كان يؤمن إذا ختم الفاتحة وذلك لهم من أن يكون إمامًا أو مأمومًا. انتهى.