وقوله: (مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ) بيان لمن وأراد بغيرهم من لا تجب عليه كالعبد والمسافر والمحبوس والمريض، ولم يجزم بالحكم للإطلاق والتقييد في أحاديث الباب فالإطلاق في حديث أبي هريرة: (( حق على كل مسلم أن يغتسل ) )فإنه شامل للجميع، والتقييد في حديث ابن عمر بمن جاء منكم يخرج من لم يجيء، والتقييد في حديث أبي سعيد الخدري بالمحتلم يخرج الصبيان، والتقييد في النهي عن منع النساء المساجد بالليل يخرج الجمعة وعرف بهذا وجه إيراد هذه الأحاديث في هذه الترجمة، كذا في (( الفتح ) ).
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ابن الخطاب رضي الله عنهما (إِنَّمَا الْغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ) قال الكرماني: وفي بعضها: بدل الجمعة الغسل، والمراد بمن تجب عليه المكلف انتهى.
يعني من بلغ حد التكليف فيكون كحديث: (( غسل الجمعة واجب على كل محتلم ) )فإن ظاهره الوجوب والصارف له عن الوجوب هو الصارف لهذا أيضًا، وهذا التعليق وصله البيهقي بسند صحيح عن ابن عمر وزاد: (( والجمعة على من يأتي أهله ) ).
ومعنى هذه الزيادة كما في (( الفتح ) ): أن الجمعة تجب عنده على من يمكنه الرجوع إلى موضعه قبل دخول الليل، فمن كان فوق هذه المسافة فلا تجب عليه عنده، وسيأتي ذلك بعد باب، وإيراد المصنف هذا الأثر يدل على اختيار أن الغسل للجمعة عنده فلا يشرع إلا لمن وجبت عليه كما هو عادته في إيراد الآثار في التراجم، وهذا أحد أقوال ثلاثة في المسألة، كما قاله ابن رجب قال: وهو وجه لأصحابنا.
ثانيها: وهو قول الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق [1] إلا أن أحمد استثنى منه المرأة خاصة إلحاقًا لغسلها بتطييبها وهي منهية عنه إذا حضرت المسجد واستحبه آخرون وبعض أصحاب أحمد حيث لم يكن خروجها للجمعة مكروهًا.
ثالثها: قول طائفة من العلماء أن كل من كان من أهل وجوب الجمعة وإن كان له عذر يمنع الوجوب فإنه يغتسل يوم الجمعة مريضًا كان أو مسافرًا أو غير ذلك.
وروي عن طلحة بن عبيد الله، ومجاهد، وطاووس، وسعيد بن جبير، وهو قول إسحاق وأبي ثور ووجه للشافعية ولهم وجه آخر يسن لكل أحد مكلفًا كان أو غيره انتهى.
وبالسند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأصيلي: (( حدثنا ) ) (شُعَيْبٌ) ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد.
(سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ) والده (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يقول يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها.
(فَلْيَغْتَسِلْ) أي: ندبًا ويكره تركه، وقد تقدم الكلام عليه في باب فضل الغسل يوم الجمعة، ولا منافاة بين هذا الحديث المقيد بالمجيء وبين الآتي المطلق إذ لا تعارض بين المطلق والمقيد إذ المطلق يحمل على المقيد إما مطلقًا كما عند الشافعية أو إذا اتحدت الحادثة عند الحنفية فإذا اختلفت يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده كما هو مقرر في أصول الفقه والقول الثالث مبني على أن الغسل لليوم وهو ضعيف والصحيح أنه للصلاة فلا يسن إلا لمن يحضرها.
قال في (( الدر المختار ) ): ويسن لصلاة جمعة ولصلاة عيد هو الصحيح كما في غرر الأفكار وغيره.
وفي (( الخانية ) ): لو اغتسل بعد صلاة الجمعة لا يعتبر إجماعًا، ويكفي غسل واحد لعيد وجمعة اجتمعا مع جنابة كفرض جنابة وحيض انتهى.
و (( من ) )فيمن جاء يشمل الرجال والنساء وصرح بذلك فيما رواه البيهقي بسند صحيح: (( من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل ) ).
ومطابقة الترجمة في أن النساء لا يجب عليهن شهود الجمعة فلا غسل عليهن أيضًا.
[1] في هامش الأصل: (( لعله سقط بعد قوله وإسحاق من قلم الناسخ لفظ سنة أو مستحب وإلا فالكلام مختل فليتأمل ) ).