وقال الكرماني: فإن قلت: للوضوء أسباب أخر مثل النوم وغيره، فكيف حصر عليهما؟.
قلت: الحصر إنما هو بالنظر إلى اعتقاد الخصم، إذ هو رد لما اعتقده، والاستثناء مفرغ؛ فمعناه: من لم ير الوضوء من الخروج من مخرج من مخارج البدن إلا من هذين المخرجين، وهو رد لمن رأى أن الخارج من البدن بالعضد مثلًا ناقض للوضوء؛ فكأنه قال: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين لا من مخرج العضد، كما هو اعتقاد الشافعي. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: فيه مناقشة من وجوه:
الأول: أنه جعل مثل النوم سببًا للوضوء، وليس كذلك؛ لأن النوم ونحوه سبب لانتقاض الوضوء لا للوضوء، والذي يكون سببًا لنفي الشيء كيف يكون سببًا لثباته؟.
الثاني: قوله: بالنظر إلى اعتقاد الخصم ليس كذلك، وإنما حصر بالنظر إلى اعتقاد خصم الخصم؛ لأن الخصم لا يدعي الحصر على المخرجين.
الثالث: أن قوله: فمعناه من لم ير الخروج ... إلخ يرده: أن من طعن في سرته وخرج البول أو الغائط منها تنتقض الطهارة عند الخصم أيضًا، فعلمنا من هذا أن حكم الخارج من القبل والدبر وغيرهما سواء في الحكم، فلا يتفاوت. انتهى.
(لقَوْلِه تَعَالَى) وفي رواية غير أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت: ( {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} ) أي: أحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين القبل والدبر، وأصل الغائط: المكان المطمئن من الأرض سمي الخارج باسمه للمجاورة.
قال في (( الفتح ) ): فهذا دليل الوضوء مما يخرج من المخرجين.
وقوله: ( {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} ) [المائدة:6] دليل الوضوء من ملامسة النساء، وفي معناه: مس الذكر مع صحة الحديث فيه، إلا أنه ليس على شرط الشيخين، وقد صححه مالك وجميع من أخرج الصحيح غير الشيخين. انتهى.
وقال العيني: قلت: نحن نسلم ذلك، ولكن لا نسلم دعواك أيها القائل: أن هذا حصر على الخارج منهما، ولا نسلم أن {لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} [المائدة:6] دليل الوضوء، بل هو دليل الغسل؛ لأن الملامسة كناية عن الجماع.
قال ابن عباس: المس واللمس والغشيان والقربان والإتيان والمباشرة: الجماع، لكنه عز وجل حيي كريم يعفو ويكني، فكنى باللمس عن الجماع، كما كنى بالغائط عن قضاء الحاجة، ومذهب علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعَبيدة السلماني بفتح العين المهملة، وعُبيدة الضبي بضم العين، وعطاء، وطاووس، والحسن البصري، والشعبي، والثوري، والأوزاعي،
ج 1 ص 641
أن اللمس والملامسة كناية عن الجماع، وهو الذي صح عن عمر بن الخطاب على ما نقله أبو بكر بن العربي وابن الجوزي، فحينئذٍ بطل قول هذا القائل: أن {أَوْ لاَمَسْتُمُ} دليل الوضوء، بل هي دليل الغسل، وقال في قوله: (( وفي معناه مس الذكر ) ).
قلت: هذا أبعد من الأول، فإذا كانت الملامسة بمعنى الجماع كيف يكون مس الذكر مثله، فيلزم من ذلك: أن يجب الغسل على ما بين ذكره.
وقوله: مع صحة الحديث فيه؛ أي: في مس الذكر.
قلت: وإن كان الحديث فيه صحيحًا، فلنا أحاديث وأخبار ترفع هذا الحكم، كما قررنا في غير هذا الكتاب. انتهى.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) بن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة وغيره بإسناد صحيح (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ) ونحوه (أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ) وغير ذلك من النادر، وفي معنى الذكر قُبُلِ المرأة (يُعِيدُ الْوُضُوءَ) قال ابن المنذر: اختلفوا في الدود يخرج من الدبر، فكان عطاء بن أبي رباح والحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو مجلز والحكم وسفيان الثوري وسليمان والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يرون منه الوضوء.
وقال قتادة ومالك: لا وضوء فيه، وروي ذلك عن النخعي، وقال مالك: لا وضوء في الدم يخرج من الدبر. انتهى.
وقال: لا ينقض النادر وإن دام إلا المذي.
ونقل ابن بطال عن مالك أنه قال: ما خرج نادرًا من المخرجين على وجه المرض لا ينقض الوضوء، كالاستحاضة وسلس البول والمذي والحجر والدم، وكذا خروج الدودة من الدبر والقملة من الذكر إلا أن يخرج معها شيء من حدثٍ. انتهى.
وقال ابن حزم: المذي والبول والغائط من أيِّ موضع خرجن من الدبر، أو الإحليل، أو المثانة، أو البطن، أو غير ذلك من الجسد، أو الفم؛ ناقض للوضوء؛ لعموم أمره صلى الله عليه وسلم بالوضوء منها، ولم يخص موضعًا دون موضع.
قال العيني: وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والريح الخارجة من ذكر الرجل وقُبُل المرأة لا ينقض الوضوء عندنا، هكذا ذكره الكرخي عن أصحابنا، إلا أن تكون المرأة مفضاة، وهي التي صار مسلك بولها ووطئها واحدًا، أو التي صار مسلك الغائط والوطء منها واحدًا.
وعن الكرخي: أن الريح لا تخرج من الذكر، وإنما هو اختلاج، وقيل: إن كانت الريح منتنة يجب الوضوء، وإلا فلا.
وفي القدوري: إن خرجت الدودة من الفم، أو الأنف، أو الأذن: لا ينقض. انتهى.
(وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الصحابي الجليل أحد المكثرين رضي الله عنه (إِذَا ضَحِكَ) أي: المصلي (فِي الصَّلاَةِ أَعَادَ الصَّلاَةَ لاَ الْوُضُوءَ) وفي اليونينية: .
قال في (( الفتح ) ): هذا التعليق وصله سعيد بن منصور والدارقطني وغيرهما، وهو صحيح من قول جابر، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى مرفوعًا، لكن ضعفها.
والمخالف في ذلك: إبراهيم النخعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، قالوا: ينقض الضحك إذا وقع داخل الصلاة لا خارجها.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها، فخالف من قال به القياس الجلي، وتمسكوا بحديثٍ لا يصِحُّ، وحاشَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خير القرون أن يضحكوا بين يدي الله. انتهى.
على أنهم لم يأخذوا بعموم الخبر المروي في الضحك، بل خصوه بالقهقهة. انتهى.
وتعقبه العيني فقال هذا القائل: أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على الأئمة الكبار، وفساده ظاهر من وجوه:
الأول: كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على المراسيل مع كونها حجة عندهم؟.
الثاني: قوله: تمسكوا بحديث لا يصح وليس كذلك، بل تمسكوا بالأحاديث التي ذكرناها، وإن كان بعضهم قد ضعفها، فتكريرها واختلاف طرقها ومتونها، ورواتها تتعاضد وتتقوى على ما لا يخفى، ومع هذا؛ فإن الرواة الذين فيها من الضعفاء على زعم الخصم لا يسلمه من يعمل بأحاديثهم، ولم يسلم أحد من التكلم فيه.
الثالث: قوله: حاشَى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلخ ليس بحجة في ترك العمل بالأخبار المذكورة، وكان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهَّال، وهذا من باب حسن الظن بهم، وإلا فليس الضحك كبيرة، وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين، ولا من الكبائر على تقدير كونه كبيرة، ومع هذا وقع من الأحداث في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أشد من هذا.
ج 1 ص 642
انتهى.
وأقول: قد استروح العلامة العيني في الجواب عن قوله: وحاشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبعد النجعة، إذ لا يلزم من عروض الضحك ارتكاب صغيرة فضلًا عن الكبيرة؛ لأنه أمر قسري لا يدخل تحت الاختيار، كما يدل عليه شاهد الوجدان كالعطاس والتثاؤب ونحوهما، فهو مثل سبق الحدث في الصلاة، فهل يقال لمن غلبه خروج ريح في الصلاة أنه ارتكب صغيرة أو غيرها، فليتأمل المنصف في ذلك.
ثم قال العيني: وقال القائل المذكور يعني صاحب (( الفتح ) )بعد نقله كلام ابن المنذر الذي ذكرناه: على أنهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، بل خصُّوه بالقهقهة.
قلت: هذا كلام من لا ذوق له في دقائق التراكيب، وكيف لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك؟.
ولو لم يأخذوا به ما قالوا: الضحك يفسد الصلاة، وإنما خصوا القهقهة بنقض الوضوء؛ لذكرها صريحًا في قوله صلى الله عليه وسلم: (( من ضحك في الصلاة قهقهة، فليعد الوضوء والصلاة ) ).
رواه ابن عدي في (( الكامل ) )من حديث بقية: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن قيس، عن عطاء، عن ابن عمر.
والأحاديث يفسر بعضها بعضًا.
وفي حديث عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( من ضحك في الصلاة قرقرة، فليعد الوضوء والصلاة ) ). انتهى.
وقال قبل ذلك: ولنا في هذا الباب أحد عشر حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها: أربعة مرسلة، وسبعة مسندة، منها: الحديثان المذكوران وسردها، فليراجع لمريد الاطلاع.
وقال صاحب (( الفتح ) )في (( الانتقاض ) )بعد نقله كلام العيني: قلت: يكفي في التعقيب عليهم دعواه الشهرة في الخبر، والواقع: أن التقييد فيه بالقهقهة قيد غريب، ومن قواعدهم أيضًا: إبقاء العام على عمومه، والعمل بكل فرد سواء كان خاصًا أم عامًا، ولم يقولوا به هنا. انتهى.
وأقول: المذكور في كتب الحنفية: أن المطلق لا يحمل على المقيد، بل يعمل بإطلاق المطلق، وبالقيد في المقيد، إلا إذا اتحدت الواقعة كما هنا، فيحمل المطلق على المقيد، فاندفع الاعتراض الثاني، وقد يدفع الأول أيضًا: بأن ناقل الشهرة معه زيادة علم على من حكى الغرابة ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فليتأمل.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصري مما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر بإسناد صحيح موصولًا (إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) أي: شعر رأسه أو شاربه (أو) من (أَظْفَارِهِ) ولابن عساكر: فلا وضوء عليه خلافًا لمجاهد، والحكم بن عتبة، وحماد، قالوا: من قصَّ أظفاره، أو جزَّ شاربه، فعليه الوضوء، ونقل ابن المنذر: أن الإجماع استقر على خلاف ذلك.
(أَوْ خَلَعَ) وفي رواية ابن عساكر: (خُفَّيْهِ) أو أحدهما بعد المسح عليهما (فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ) وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ووافقه على ذلك إبراهيم النخعي وطاووس وقتادة وعطاء، وبه كان يفتي سليمان بن حرب وداود.
قال في (( الفتح ) ): وخالفهم الجمهور على قولين مرتبين على إيجاب الموالاة وعدمها، فمن أوجبها قال: يجب استئناف الوضوء إذا طال الفصل، ومن لم يوجبها قال: يكتفي بغسل رجليه، وهو الأظهر من مذهب الشافعي.
وقال في (( البويطي ) ): أحب إلي أن يبتدأ الوضوء من أوله.
وقال بعض العلماء من الشافعية وغيرهم: يجب الاستئناف وإن لم تجب الموالاة، وعن (( الليث ) )عكس ذلك، وما هو الأظهر من مذهب الشافعي هو مذهب أبي حنيفة.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه مما وصله إسماعيل القاضي في (( الأحكام ) )بإسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعًا (لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ حَدَثٍ) وزاد: (( أو ريح ) )كذا في (( الفتح ) ).
وقال الكرماني: فإن قلت: هذا قول كل الأئمة، فما وجه تخصيصه بأبي هريرة؟.
قلت: معناه: لا وضوء إلا من الخارج من السبيلين. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: الحدث أعم من هذا، وكل واحد من الإغماء والنوم والجنون حدث، وجميع الأمة يقولون: لا وضوء إلا من حدث، فإن اعتمد الكرماني في هذا التفسير على حديث أبي داود المرفوع، فلا يساعده ذلك؛ لأن لفظ أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره، أحدث أو لم يحدث، فأشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ) ).
فالحديث هاهنا خاص
ج 1 ص 643
وهو سماع الصوت، أو وجدان الريح، وأثر أبي هريرة رضي الله عنه عام في سائر الأحداث؛ لأن قوله: من أحدث لفظ عام لا يختص بحدث دون حدث. انتهى.
(وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه تعليق بصيغة التمريض، فيقتضي عدم ثبوته عنده، لكن أسنده أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث ابن إسحاق قال: حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن أبيه جابر مطولًا، وشيخ ابن إسحاق صدقة ثقة.
قال في (( الفتح ) ): وعقيل بفتح العين لا أعرف عنه راويًا غير صدقة، ولهذا لم يجزم به المصنف، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق. انتهى.
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ) بكسر الراء جمع رُقعة بضمها، قيل: هي اسم شجرة سميت الغزوة به، وقيل: سميت برقاع كانت في ألويتهم، وقيل: لأن أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخِرَق.
قال الكرماني: وهذا هو الصحيح.
(فَرُمِيَ رَجُلٌ) هو عباد بن بشر (بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ) قال ابن طريف في (( الأفعال ) ): يقال: نَزَفَهُ الدَّمُ وأَنزَفَهُ: إذا سال منه كثيرًا، حتى يضعفه فهو نزيف ومنزوف.
(فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلاَتِهِ) قال في (( الفتح ) ): سبب هذه القصة ومحصلها: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بشعب فقال: (( من يحرسنا الليلة؟ ) )فقام رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار، فباتا بفم الشعب، فاقتسما الليل للحراسة، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من العدو، فرأى الأنصاري فرماه بسهم فأصابه، فنزعه واستمر في صلاته، ثم رماه بثانٍ فصنع كذلك، ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وقضى صلاته، ثم أيقظ رفيقه، فلما رأى ما به من الدماء، قال: لم لا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة، فأحببت أن لا أقطعها.
وأخرجه في (( الدلائل ) )من وجه آخر، وسمى الأنصاري المذكور: عباد بن بشر، والمهاجري: عمار بن ياسر، والسورة الكهف. انتهى.
وقال أيضًا: وأراد المصنف بهذا الحديث الرد على الحنفية في أن الدم السائل ينقض الوضوء، فإن قيل: كيف مضى في صلاته مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه، واجتناب النجاسة فيها واجب؟.
وأجاب الخطابي: بأنه يحتمل أن يكون الدم جرى من الجراح على سبيل الدفق بحيث لم يصب شيئًا من ظاهر بدنه، وفيه بُعد.
ويحتمل أن يكون الدم أصاب الثوب فقط فنزعه عنه، ولم يسل على جسمه إلا قَدْرٌ يسير معفوٌّ عنه، ثم الحجة قائمة به على كون الدم لا ينقض، ولم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه.
والظاهر: أن البخاري كان يرى أن خروج الدم في الصلاة لا يبطلها بدليل أنه عقَّب هذا الحديث بأثر الحسن البصري قال: (( ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم ) )، وقد صح أن عمر صلى وجرحه ينبع دمًا. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا أعجب من الكل وأبعد عن العقل، وكيف يُجوِّز هذا القائل نسبة جواز الصلاة مع خروج الدم فيها من غير دليل قوي إلى البخاري؟ …
وأثر الحسن لا يدل على شيء من ذلك أصلًا؛ لأنه لا يلزم من قوله: يصلون في جراحاتهم أن يكون الدم خارجًا وقتئذٍ، ومن له جراحة لا يترك الصلاة لأجلها، بل يصلي وجراحته إما معصبة بشيء، أو مربوطة بجبيرة، ومع ذلك لو خرج شيء من ذلك لا تفسد صلاته بمجرد الخروج، ولا بد من السيلان، وخروجه إلى موضع يلحقه حكم التطهير. انتهى.
وأقول والله أعلم: أن هذه القضية واقعة حال، وقد رأيت في بعض كتب الشافعية: أن وقائع الحال يطرقها الاحتمال، فيكسوها ثوب الإجمال، فيسقط بها الاستدلال، ولم يكن ما فعله الأنصاري بحضرته صلى الله عليه وسلم؛ ليكون تقريرًا منه على فعله، ولا في الحديث أنه أنهى إليه ما فعله، وحكم بصحة الصلاة، فربما كان ذلك مبنيًا على ظنِّ الأنصاريِّ أن الطهارة والصلاة لا تفسدان بمثل ذلك، أو أنه إذا حدث مثل ذلك في أثناء الصلاة يمضي عليها، ولا يقطعها لحرمتها، ثم يعيدها، ويدل لذلك: أنه لما قال له صاحبه: لم لا أنبهتني أول ما رمى؟ قال له: كنت في سورةٍ، فأحببت أن لا أقطعها، فليتأمل.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي: البصري (مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ) جمع جِراحة بكسر الجيم فيهما.
قال العيني: من غير سيلان الدم، والدليل عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )عن هشيم، عن يونس، عن الحسن: أنه كان لا يرى الوضوء من الدم، إلا ما كان سائلًا هذا الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح هو مذهب الحنفية، وحُجَّةٌ لهم على الخصم،
ج 1 ص 644
فبطل بذلك قول المذكور، ولو لم يظهر الجواب ... إلخ، ولم يكن المراد من أثر الحسن ما ذهب إليه فهمه، بل وهمه، فلذلك مع علمه ووقوفه على الذي رواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )المذكور تركه، ولم يذكره؛ لكونه يرد ما ذهب إليه، ويبطل ما اعتمد عليه، وليس هذا شأن المصنفين، وإنما هو دأب المعاندين المتعصبين الذين يدقون في الحديد البارد. انتهى.
(وَقَالَ طَاووسٌ) هو أبو عبد الرحمن بن كيسان الحميري من أهل فارس، لكنه كان ينزل مخاليف اليمن أحد أعلام التابعين، ومن خيار عباد الله الصالحين.
قال يحيى بن معين: اسمه ذكوان، وسمي طاووسًا؛ لأنه كان طاووس القراء، مات يوم التروية بمكة، سنة ست ومائة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وأثره هذا وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ولفظه: أنه كان لا يرى في الدم وضوءًا يغسل عنه الدم، ثم حَسْبُه.
(وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) هو كما في العيني محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم الهاشمي المدني، أبو جعفر المعروف: بالباقر سمي به؛ لأنه بَقَرَ العلم؛ أي: بينه بحيث عرف حقائقه، وهو أحد التابعين الأعلام الأجلاَّء، وروي هذا موصولًا في (( فوائد الحافظ أبي بشر ) )المعروف: بسمويه، من طريق الأعمش قال: سألت أبا جعفر الباقر عن الرعاف، فقال: لو سال نهر من دم لما أعدت. انتهى.
وقال الكرماني: ويحتمل أن يراد به محمد بن الحنفية، والظاهر الأول.
(وقال عَطَاءٌ) بن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه (وَأَهْلُ الْحِجَازِ) من عطف العام على الخاص؛ لأن من تقدم حجازيون أيضًا، والمراد بأهل الحجاز الفقهاء السبعة، ومالك، والشافعي، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، ونحوهم.
(لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ) سال أم لم يسل.
قال العيني: وخالفهم أبو حنيفة، واستدل بما رواه الدارقطني، إلا أن يكون دمًا سائلًا، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين.
قال أبو عمرو: وبه قال الثوري، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل، فإنه لا ينقض الوضوء عند جميعهم، وما أعلم أحدًا أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهد وحده. انتهى.
(وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً) بفتح الموحدة وسكون المثلثة وقد تفتح خراج صغير، والجمع: بثر كغرف (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ) فحكه بإصبعيه وصلى (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وزاد قبل قوله: (( ولم يتوضأ ) ) (( ثم صلى ) ) (وَبَزَقَ) بالزاي، ويجوز: بالسين والصاد عبد الله (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) الصحابي ابن الصحابي، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، سنة سبع وثمانين، وقد كُفَّ بَصَرُهُ.
قال العيني: وهو أحد من رآه أبو حنيفة من الصحابة وروى عنه، ولا يلتفت إلى قول المنكر المتعصب: وكان عُمْر أبي حنيفة حينئذٍ سبع سنين، وهو سن التمييز على الصحيح: أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين، وعلى قول من قال: سنة سبعين يكون عمره حينئذٍ سبعة عشر سنةً، ويستبعد جدًا أن يكون صحابي مقيمًا ببلدة، وفي أهلها من لا [يكون] رآه وأصحابه أخبر بحاله، وهم ثقات في أنفسهم. انتهى. قيل: وقد رآه.
(دَمًا) وهو يصلي (فَمَضَى فِي صَلاَتِهِ) هذا الأثر وصله سفيان الثوري في (( جامعه ) )عن عطاء بن السائب أنه رآه فعل ذلك، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإسناد صحيح، قاله في (( الفتح ) ).
وقال العيني: وهذا ليس بحجة لهم علينا؛ لأن الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه، فلا ينتقض وضوءه، وإن كان من بين أسنانه فالعبرة بالغالب من البزاق أو الدم، ولم يتعرض الراوي لذلك، فلم يبق حجة في الحكم بالغلبة.
وروى ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل بزق فرأى في بزاقه دمًا: أنه لم ير ذلك شيئًا حتى يكون عبيطًا، وروي عن ابن سيرين أنه ربما بزق فيقول لرجل: انظر هل تغير الريق؟ فإن قال: تغير، بزق الثانية، فإن كان في الثالثة متغيرًا، فإنه يتوضأ، وإن لم يكن في الثالثة متغيرًا لم ير وضوءًا.
قلت: التغير لا يكون إلا بالغلبة. انتهى.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ) البصري (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ) وللأربعة: (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) قال العيني: ولما ذكر ابن بطال في (( شرحه ) ): أثر ابن عمر والحسن البصري.
قال: هكذا رواه المستملي وحده بإثبات ، ورواه الكشميهني وأكثر الرواة: بغير إلا.
ثم قال: وما رواه المستملي هو الصواب، وكذا قال الكرماني، ومقصودهم من تصحيح هذه الرواية: إلزام الحنفية، ولا يصعد ذلك معهم؛ لأن جماعة من
ج 1 ص 645
الصحابة رأوا فيه الغسل منهم: ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعلي بن أبي طالب، وروته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه ابن أبي شيبة بأسانيد جياد، وهو مذهب مجاهد أيضًا.
وأيضًا: فالدم الذي يخرج من موضع الحجامة مُخرَجٌ، وليس بخارجٍ، والنقض يتعلق بالخارج كما ذكرنا، فإذا احتجم وخرج الدم في المِحْجَمِ بمصِّ الحجام، ولم يسل، ولم يلحق إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فعلى الأصل المذكور لا ينتقض وضوءه، ولكن لا بد من غسل موضع الحجامة، والمقصود: إزالة ذلك من موضع الحجامة بأيِّ شيء كان، ولا يتعين الماء.
وفي (( المحلى ) ): في أثر ابن عمر غسله بحصاة فقط، وعن الليث: يجزئه أن يمسحه ويصلي، ولا يغسله، فهذا يدل على أن المراد إزالة ذلك. انتهى.