وبالسند إلى المؤلف قال:
175 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الملقب بسَخْبَرة بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة النمري الأزدي البصري، أبو عمرو الحوضي، ثقة ثَبْتٌ، من كبار العاشرة،
ج 1 ص 639
عيب بأخذ الأجرة على الحديث، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ) بسين وفاء مفتوحتين، واسمه عبد الله، واسم أبيه سعيد بن محمد، ويقال: أحمد الهمداني الكوفي، وتقدم في باب من سلم المسلمون، وما في القسطلاني من قوله الصحابي الشهير بأبو محمد أو أحمد؛ ففيه نظر لا يخفى، إذ ليس هو بتابعي فضلًا عن كونه صحابيًا.
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشين المعجمة واسمه عامر (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) بن عبد الله الطائي المكنى بأبي طَرِيف بفتح الطاء المهملة وبالفاء آخره الجواد ابن الجواد، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وستون حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة، وانفرد مسلم بحديثين، نزل الكوفة، ومات بها زمن المختار سنة ثمان وستين، وهو ابن عشرين ومائة سنة، ويقال: مات بقرقيسا، وكان أعور.
وقال أبو حاتم السجستاني في كتاب (( المعمرين ) ): عاش عدي بن حاتم مائة وثمانين سنة، روي عنه أنه قال: ما دخل علي وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه إذا دخل عليه، وشهد فتوح العراق زمن عمر، وكان يفتُّ الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات لنا، ولهن حق.
وقول القسطلاني: له في البخار [ي] سبعة أحاديث؛ مخالف لما في الكرماني والعيني أنها ثلاثة.
أنه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) أي: عن حكم صيد الكلاب كما صرح به المؤلف في كتاب الصيد، وحذفه هنا اكتفاء بدلالة الجواب عليه (فَقَالَ) وللأربعة: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ) بفتح اللام المشددة.
قال الكرماني: المعلم هو الذي ينزجر بالزجر، ويسترسل بالإرسال، ولا يأكل من الصيد لا مرة، بل مرارًا.
وقال العيني: كون الكلب معلمًا مفوض إلى رأي المعلم عند أبي حنيفة؛ لأنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وعند أبي يوسف ومحمد؛ ترك أكله ثلاث مرات، وعند الشافعي بالعرف، وعند مالك؛ بالانزجار واشتراط التعليم لقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة:4] .
(فَقَتَلَ) الصيد الذي أرسلته عليه ولم يأكل منه (فَكُلْ) الأمر للإباحة كما في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة:2] ، وهذه الجملة جواب الشرط، وفيه: دليل على إباحة صيد جميع الكلاب المعلمة سواء كانت سوداء أم غيرها، خلافًا للإمام أحمد، فإنه قال: لا يحل صيد الكلب الأسود؛ لأنه شيطان، كذا في الكرماني.
(وَإِذَا أَكَلَ) أي: الكلب من الصيد (فَلاَ تَأْكُلْ) منه وعلل النهي بقوله: (فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ) وقد قال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4] .
قال عدي: (قُلْتُ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم (أُرْسِلُ كَلْبِي) أي: المعلم (فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (فَلاَ تَأْكُلْ) منه (فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ) أي: ذكرت اسم الله (عَلَى كَلْبِكَ) عند إرساله (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ) قال الكرماني: وإنما حذف حرف العطف من السؤال والجواب؛ لأنه ورد على طريق المقاولة، كما في آيات مقاولة موسى وفرعون، وعلم منه أنه لا بد من هذه الشروط الأربعة حتى يحل صيده:
الأول: الإرسال، والثاني: كونه معلمًا، والثالث: الإمساك على صاحبه بأن لا يأكل منه، والرابع: أن يذكر اسم الله تعالى عليه عند الإرسال.
وظاهر الحديث: أن التسمية شرط كما هو ظاهر آية: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] ، واختلف العلماء في ذلك:
فذهب الشافعي: إلى أنها سنة فلو تركها عمدًا أو سهوًا يحل الصيد والذبيحة، والحديث حجة عليه، وقال الظاهرية: التسمية واجبة؛ فلو تركها عمدًا أو سهوًا لم يحل الصيد ولا الذبيحة.
وقال أبو حنيفة: لو تركها عمدًا لا تحل، ولو تركها سهوًا تحل، وسيجيء لذلك مزيد بيان في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى.
قال في (( الفتح ) ): وإنما ساق المصنف هذا الحديث هنا؛ ليستدل به لمذهبه في طهارة سؤر الكلب، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في أكل ما صاده الكلب، ولم يقيد ذلك بغسل موضع فمه، ومن ثم قال مالك: كيف يؤكل صيده ويكون لعابه نجسًا؟.
وأجاب الإسماعيلي: بأن الحديث سيق لتعريف أن قتله ذكاته، وليس فيه إثبات نجاسة ولا
ج 1 ص 640
نفيها، ويدل لذلك؛ أنه لم يقل: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، لكنه وكله إلى ما تقرر عنده من وجوب غسل الدم، فلعله وكله أيضًا إلى ما تقرر عنده من غسل ما يماسه فمه.
قال ابن المنير: عند الشافعية أن السكين إذا سقيت بماء نجس وذبح بها نجست الذبيحة، وناب الكلب عندهم نجس العين، وقد وافقونا على أن ذكاته شرعية لا تنجس المذكى.
وتعقب: بأنه لا يلزم من الاتفاق على أن الذبيحة لا تصير نجسة بعضِّ الكلب ثبوت الإجماع على أنها لا تصير متنجسة، فما ألزمهم به من التناقض ليس بلازم. انتهى.
وفي الحديث إباحة الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وغيره، ودفع الشر والضرر، واختلفوا في من صاد للتلهي والتنزه؛ فأباحه بعضهم وحرمه الأكثرون.
وقال مالك: إن فعله لتذكية فمكروه، وإن فعله من غير نية التذكية فحرام؛ لأنه فساد في الأرض، وإتلاف نفس، كذا في العيني.
وفيه أيضًا: مقتضى الحديث عدم الفرق بين كون المعلِّم بكسر اللام ممن تحل ذكاته أو لا؟.
وذكر ابن حزم في (( المحلَّى ) )عن قوم: اشتراط كونه ممن تحل ذكاته، وقال قوم: لا يحل صيد جارح علمه من لا يحل ما ذكاه.
وروي في ذلك آثار:
منها: عن يحيى بن عاصم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (( أنه كره صيد بازي المجوسي وصقره ) ).
ومنها: عن أبي الزبير عن جابر قال: (( لا تأكل صيد المجوسي ولا ما أصاب سهمه ) ).
ومنها: عن خصيف قال ابن عباس رضي الله عنهما: (( لا تأكل ما صيد بكلب المجوسي وإن سميت، فإنه من تعليم المجوسي، قال تعالى: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ} [المائدة:4] ) ).
وجاء هذا القول عن عطاء ومجاهد والنخعي ومحمد بن علي، وهو قول سفيان الثوري. انتهى.
وهذا الحديث من الخماسيات، ورواته كلهم أئمة أجلاء ما بين بصري وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة.
وأخرجه المؤلف أيضًا في البيوع والصيد والذبائح، ومسلم وابن ماجه كلاهما فيه أيضًا.