174 - (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح المعجمة وكسر الموحدة ابن سعيد أبو عبد الله التيمي البصري، المتوفى بعد المائتين، وهو من شيوخ المؤلف (حَدَّثَنَا أَبِي) شبيب (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ) بالحاء المهملة والزاي ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمارة القرشي العدوي المدني، التابعي الثقة الجليل (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر أنه (قَالَ: كَانَتِ الْكِلاَبُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ) النبوي، والظرف إما لغو متعلق بتقبل وتدبر على التنازع، أو حال من الضمير، ولغير الأربعة: (( تبول وتقبل وتدبر في المسجد ) ).
(في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَرُشُّوا) وفي رواية ابن عساكر: ، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر في نسخة: وفي هاتين الروايتين مبالغة ليست في الأولى كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال:33] ، فإنه أبلغ من وما يعذبهم، وكذا في لفظ الرش حيث اختاره على لفظ الغسل؛ لأن الرش ليس فيه جريان الماء، بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان، فنفي الرش أبلغ.
وكذلك قوله: شيئًا من ذلك؛ لأنه نكرة في سياق النفي فهو عام، وكل ذلك للمبالغة في طهارة سؤر الكلب، إذ في مثل هذه الصورة الغالب: أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد.
وأجيب: بأن طهارة المسجد متيقنة، وما ذكر مشكوك فيه، واليقين لا يرفع بالشك، ثم إن دلالته لا تعارض دلالة منطوق الحديث الوارد بالغسل من ولوغه، كذا في (( المنحة ) ).
وقال في (( الفتح ) ): زاد أبو نعيم والبيهقي في روايتهما لهذا الحديث من طريق أحمد بن شبيب موصولًا بصريح التحديث قبل قوله: (( تقبل ) ) (( تبول ) )وبعدها واو العطف، وكذا ذكر الأصيلي أنها في رواية إبراهيم بن مغفل عن البخاري.
وكذا أخرجها أبو داود والإسماعيلي من رواية عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد شيخ شبيب بن سعد المذكور.
وعلى هذا؛ فلا حجة فيه لمن استدل به على طهارة الكلاب؛ للاتفاق على نجاسة بولها، قاله ابن المنير.
وتعقب: بأن من يقول: أن الكلب يؤكل، وأن بول ما يؤكل لحمه طاهر يقدح في نقل الاتفاق، لاسيما وقد قال جمع: بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة إلا الآدمي، وممن قال به ابن وهب، حكاه الإسماعيلي وغيره عنه، وسيأتي في باب غسل البول.
وقال المنذري: المراد أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثم تقبل وتدبر في المسجد، إذ لم يكن عليه في ذلك الوقت غلق.
قال: ويبعد أن تترك الكلاب تنتاب المسجد، حتى تمتهنه بالبول فيه.
وتعقب: بأنه إذا قيل بطهارتها لم يمتنع ذلك كما في الهرة، والأقرب أن يقال: أن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها.
ويشير إلى ذلك ما رواه الإسماعيلي في روايته من طريق ابن وهب في هذا الحديث عن ابن عمر قال: كان عمر يقول بأعلى صوته: (( اجتنبوا اللغو في المسجد ) )، قال ابن عمر: وقد كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الكلاب ... إلخ، فأشار إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد حتى من لغو الكلام، وبهذا يندفع الاستدلال به على طهارة الكلب.
وأما قوله: (( في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فهو وإن كان عامًا في جميع أزمنته؛ لأنه اسم مضاف، لكنه مخصوص بما قبل الزمن الذي أمر فيه بصيانة المسجد، واستدل به أبو داود في (( السنن ) )على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، يعني: أن قوله: لم يكونوا يرشون يدل على نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك، ولا يخفى ما فيه. انتهى ملخصًا.
وأقول: ما ذكره عن أبي داود هو مذهب أبي حنيفة، إلا أن طهارتها عنده للصلاة عليها لا للتيمم بشرط ذهاب أثرها، ورجال هذا الحديث الستة ما بين بصري وأيلي ومدني، وفيه: رواية تابعي عن تابعي، والقول والتحديث والعنعنة.