قال الكرماني: المراد بالمحدث اللغوي لا الاصطلاحي الذي هو المشتغل بالحديث النبوي. انتهى.
أقول: لم يظهر لي عدم صحة إرادة المعنى الاصطلاحي مع أنه المتبادر؛ لأن كل قوم لهم اصطلاح يحمل كلامهم في كتبهم على ما وقع عليه اصطلاحهم، ولا يحمل على غيره إلا لقرينة صارفة؛ لأن ما وقع عليه الاصطلاح حقيقة عرفية عندهم كالفعل عند النحاة فإنه إذا أطلق لا ينصرف إلى الفعل اللغوي وهو الحدث إلا لقرينة.
والمصنف بصدد بيان اصطلاح المحدثين بالألفاظ الآتية من كونها بمعنى واحد كما هو اصطلاح البعض أو كل واحد منها بمعنى كما هو اصطلاح بعض آخر، والعجب: أن العيني قد تبعه في ذلك، فليحرر.
(حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا) هل بينها فرق أو الكل بمعنى واحد؟ ولكريمة:
ج 1 ص 398
بإسقاط ، وللأصيلي: بإسقاط ، وثبت الجميع في رواية أبي ذر.
(وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ) وللأصيلي وكريمة: ففيه التصريح بالاتصال دون الأول.
قال العيني: وهو أحط مرتبة من حدثنا ونحوه سواء كان بزيادة لنا أو لم يكن؛ لأنه يقال: على سبيل المذاكرة بخلاف نحو حدثنا فإنه يقال على سبيل النقل والتحميل.
وقال جعفر بن حمدان النيسابوري: كل ما قال البخاري فيه قال لي فلان فهو عرض ومناولة.
والحميدي بلفظ التصغير وياء النسبة أبو بكر عبد الله بن الزبير المذكور أول الكتاب.
(كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا) يعني: لا فرق بين هذه الألفاظ الأربعة عند المؤلف كما يقتضيه اقتصاره عليه وتخصيصه بذكره عن شيخه الحميدي من غير ذكر ما يخالفه وهو مروي أيضًا عن مالك والحسن البصري ويحيى بن سعيد القطان.
وقال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعته يقول وقال لنا فلان وذكر لنا فلان وإليه مال الطحاوي وصحح هذا المذهب ابن الحاجب ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم الزهري ويحيى القطان.
وقيل: أنه قول معظم الحجازيين والكوفيين فلذلك اختاره البخاري بنقله عن الحميدي عن سفيان بن عيينة.
وقال آخرون: بالمنع في القراءة على الشيخ إلا مقيدًا مثل حدثنا فلان قراءة عليه وأخبرنا قراءة عليه وهو مذهب المتكلمين.
وقال آخرون بالمنع في حدثنا وبالجواز في أخبرنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق ونقل عن أكثر المحدثين منهم ابن جريج والأوزاعي والنسائي وابن وهب.
وقيل: أن عبد الله بن وهب أول من أحدث هذا الفرق بمصر وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث.
والأحسن أن يقال فيه: أنه اصطلاح بينهم أرادوا به التمييز بين النوعين وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة وأحدث المتأخرون تفصيلًا آخر وهو أنه متى سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال حدثني أو أخبرني أو سمعت ومتى سمع مع غيره جمع فقال: حدثنا وأخبرنا ومتى قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال أخبرني وخصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم؛ لأن هذا اصطلاح ولا منازعة فيه، كذا في العيني.
وفي القسطلاني: وقال آخرون بالتفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل فلما سمعه من لفظ الشيخ سمعت أو حدثنا ولما قرأه على الشيخ أخبرنا.
والأحوط: الإفصاح بصورة الواقع فيقول إن كان قرأ قرأت على فلان أو أخبرنا بقراءتي عليه وإن كان سمع قرئ على فلان وأنا أسمع أو أخبرنا فلان قراءة عليه وأنا أسمع وأنبأنا ونبَّأنا بالتشديد للإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق.
قال: ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر فذكر ما تقدم عن العيني، ثم قال: وأما قال لنا أو قال لي وذكر لنا وذكر لي ففيما سمع في حال المذاكرة.
وجزم ابن منده: بأنه للإجازة، وكذا قال أبو يعقوب الحافظ، وقال أبو جعفر بن حمدان: أنه عرض ومناولة.
قال في (( فتح الغيب ) ): وهو على تقدير تسليمه منهم له حكم الاتصال أيضًا على رأي الجمهور، لكنه مردود عليهم؛ فقد أخرج البخاري في الصوم من (( صحيحه ) )من حديث أبي هريرة قال: قال: (( إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب ) )فقال فيه: حدثنا عبدان، وأورده في (( تاريخه ) )بصيغة قال لي عبدان، وكذا أورد حديثًا في التفسير من (( صحيحه ) )عن إبراهيم بن موسى بصيغة التحديث، ثم أورده في الأيمان والنذور عنه أيضًا بصيغة: قال لي إبراهيم بن موسى في أمثلة كثيرة.
قال: وحقق شيخنا باستقرائه لها أنه إنما يأتي بهذه الصيغة يعني بانفرادها إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه كأن يكون ظاهره الوقف أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج، وذلك في المتابعات والشواهد، وإنما خصوا قراءة الشيخ
ج 1 ص 399
بحدثنا؛ لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة، وينبغي ملاحظة هذا الاصطلاح؛ لئلا يختلط المسموع بالمجاز.
قال الاسفرايني: لا يجوز فيما قرئ أو سمع أن يقول: حدثنا، ولا في ما سمع لفظًا أن يقول: أخبرنا، إذ بينهما فرق ظاهر ومن لم يحفظ ذلك على نفسه كان من المدلسين. انتهى.
واصطلح بعض المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة وهو أدنى من أخبرنا وأما سمعت فهو لما سمع من لفظ الشيخ سواء كان الحديث معه أو مع غيره فهو أحط من حدثنا.
وقال الخطيب البغدادي: أرفع العبارات في ذلك سمعت، ثم حدثني ثم أخبرني ثم أنبأني وقال ابن بطال قالت طائفة حدثنا لا يكون إلا مشافهة وأخبرنا قد يكون مشافهة وكتابًا وتبليغًا؛ لأنك تقول: أخبرنا الله تعالى بكذا في كتابه ولا تقل حدثنا إلا أن يشافهك المخبر.
وفي (( الفتح ) )بعد أن ذكر ما تقدم: وكل ذلك مستحسن وليس بواجب عندهم وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح فيحمل ما ورد من ألفاظ المتقدمين على محل واحد بخلاف المتأخرين.
وقال النووي: ذهب جماعة إلى أنه يجوز أن يقال فيما قرئ على الشيخ: حدثنا وأخبرنا؛ أي: ونحو ذلك وهو مذهب ابن عيينة ومالك والبخاري ومعظم الحجازيين والكوفيين وذهب مسلم إلى الفرق بما تقدم وذهب جماعة إلى أنه لا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا في القراءة على الشيخ وهو مذهب الإمام أحمد والمشهور عن النسائي. انتهى.
ثم عطف المؤلف ثلاث تعاليق يؤيد بها مذهبه من التسوية بين الصيغ الأربعة فقال:
(وقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) هو عبد الله، وإذا أطلق عبد الله في الصحابة، فالمراد به ابن مسعود، وليس هو من العبادلة كما قد يتوهم، وهذا التعليق وصله المؤلف في باب القدر (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ) فيما حدث به غيره (الْمَصْدُوقُ) فيما أخبره الله تعالى به بواسطة الملك أو بدونها كالإلقاء في الروع ونحوه من أنواع الوحي المتقدمة.
(وَقَالَ شَقِيقٌ) بصيغة التكبير أبو وائل المتقدم ذكره في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله من كتاب الإيمان (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي: ابن مسعود وقول القسطلاني وإذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة فيه نظر؛ لأنه ليس منهم؛ لأن تغليب العبادلة وقع بعد وفاته على عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد نظمهم بعضهم بقوله:
~إن العبادلة الأحبار أربعة مناهج العلم كالأعلام للناس
~ابن الزبير ونجل العاص وابن أبي حفص الخليفة والحبر ابن عباس
~وقد يضاف ابن مسعود لهم بدلًا عن ابن عمرو لوهم أو لإلباس
(سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذر والأصيلي: (كَلِمَةً) فعلى رواية وجود من كلمة مفعول به لسمعت وعلى رواية سقوطها تكون كلمة مفعول به لفعل محذوف؛ أي: يقول كلمة والقول كثيرًا ما يحذف ويبقى معموله ولا سيما إذا كان حالًا كما هنا، وكقوله تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ* سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد:23 - 24] أي: قائلين سلام عليكم وأما كونها بدل اشتمال من النبي فبعيد لعدم وجود الرابط الذي هو شرط في بدل الاشتمال وإن أمكن تقديره إلا أن تقدير العامل لشهرته وكثرته أيسر من تقديره وأقيس، وهذا التعليق وصله المؤلف في الجنائز.
(وَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل بكسر الحاء وإسكان السين صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين يعرفهم بأعيانهم وحده شهد هو وأبوه أحدًا، وقتل أبوه يومئذ قتله المسلمون خطأ.
وفي (( التقريب ) ): صح في مسلم عنه: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة ) ).
مات في أول خلافة علي بالمدائن سنة ست وثلاثين. انتهى.
ج 1 ص 400
وفي (( شرح ) )الشيخ قطب الدين: أخرجا؛ أي: الشيخان له اثني عشر حديثًا اتفقا عليها، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر. انتهى.
فما في الكرماني من قوله: روي له عن رسول الله عشرون حديثًا تفرد البخاري منها بثمانية فيه نظر.
ومقول قوله: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ) وهذا وصله المؤلف في الرقاق وساق التعاليق الثلاثة تنبيهًا على أن الصحابي تارة يقول حدثنا وتارة يقول سمعت فدل ذلك على عدم الفرق بينهما ثم عطف على هذه الثلاثة ثلاثة أخرى فقال: (وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ) بالعين المهملة والمثناة هو رُفَيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي بالمثناة التحتية والحاء المهملة أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موته صلى الله عليه وسلم بسنتين، وتوفي سنة تسعين.
وقال العيني كالقطب الحلبي: هو البرّاء بتشديد الراء نسبة لبري النبل، واسمه: زياد بن فيروز القرشي البصري، المتوفى سنة تسعين.
قال ابن حجر: وهو وهم، فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه.
وتعقبه العيني: بأن كل واحد منهما يروي عن ابن عباس وترجيح أحدهما على الآخر في رواية هذا الحديث عن ابن عباس يحتاج إلى دليل وبأن قوله فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه يحتاج إلى نقل عن أحد يعتمد عليه.
وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأن المصنف وصله في التوحيد، فلو راجعه العيني هناك لما احتاج إلى طلب الدليل.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ) فهو كاللذين بعده من الأحاديث القدسية (وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالك (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ) وللأصيلي: ، ولأبوي ذر والوقت: بدل قوله: .
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ) بكاف الخطاب وميم الجمع وهذه التعاليق الثلاثة وصلها المؤلف في كتاب التوحيد، وأوردها هاهنا تنبيهًا على حكم المعنعن، والذي ذهب إليه هو وجمهور المحدثين أنه موصول إذا أتى عن رواة مسمين معروفين بشرط السلامة واللقي وهو مذهب ابن المديني وابن عبد البر والخطيب وغيرهم.
وعزاه النووي للمحققين، بل هو مقتضى كلام الشافعي.
نعم: لم يشترطه مسلم بل أنكر اشتراطه في مقدمة (( صحيحه ) )وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه لكنه اشترط تعاصرهما فقط، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها يعني تحسينًا للظن بالثقة وقد ردوا ذلك عليه ورجحوا ما عليه البخاري بما يطول ذكره.