فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 1465

61 -وبالسند إلى المؤلف:

قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) زاد في رواية ابن عساكر: وقد مر (قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المذكور في باب علامة المنافق (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) السابق في باب أمور الإيمان (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ) بكسر الهمزة (مِنَ الشَّجَرِ) من هنا للتبعيض؛ أي: بعض الشجر وكونها لبيان الجنس بعيد؛ لأنه يقتضي أن جنس الشجر لا يسقط ورقه وليس كذلك والتأكيد بـ (( إن ) )هنا لتحقيق الحكم وتثبيته لا لنفي شك

ج 1 ص 401

أو رد إنكار محقق أو مقدر؛ لأن فائدة التأكيد بألا تنحصر فيهما كما بسطه في المطول نقلًا عن الشيخ عبد القاهر قال: وقد يؤكد الحكم المسلم لصدق الرغبة فيه والرواج.

قال صاحب (( الكشاف ) ): في قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ} [البقرة:14] ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرًا بأقوى الكلامين وأوكدهما؛ لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون فيه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه لعدم الباعث والمحرك من العقائد، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة وأما مخاطبة إخوانهم في الإخبار عن أنفسهم بالثبات على اليهودية فهم فيه على صدق رغبة ووفور نشاط وهو رائج عنهم متقبل منهم فهو مكان مظنة التحقيق ومنيته التوكيد. انتهى.

إذا علمت ذلك ظهر لك ضعف ما قاله العيني من أنه يخرج على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن المخاطبين به كانوا مستشرفين كاستشراف الطالب المتردد فلذلك حسن توكيده بأن والجملة الاسمية. انتهى.

وذلك لأنه لم يتقدم على قوله: إن من الشجر شيء ينشأ منه استشراف المخاطب لينزل منزلة الطالب المتردد بخلاف قوله تعالى: {إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود:37] فإنه لما قيل: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ} [المؤمنون:27] استشرف المخاطب وحصل له تردد هل صاروا محكومًا عليهم بالإغراق أم لا؟ فأكد أنهم مغرقون استحسانًا وما هنا ليس كذلك، فليتأمل.

والشجر مما يميز بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة وهو ما كان له ساق من نبات الأرض.

وقال الدينوري: من العرب من يقول: شِجَر وشِجَرة فيكسر الشين ويفتح الجيم وهي لغة لبني سليم.

(شَجَرَةً) بالنصب اسم إن مؤخر ومن الشجر خبرها مقدم وتقديم خبرها على اسمها ممتنع إلا إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا وقوله: (لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا) جملة في محل نصب صفة لشجرة (وَإِنَّهَا) بالكسر (مَثَلُ الْمُسْلِمِ) عطفًا على أن من الشجر الذي هو مقول القول، ومِثْل بكسر الميم وسكون المثلثة رواية أبي ذر، ورواية الأصيلي وكريمة: بفتحهما وهما لغتان كشبه وشبه لفظًا ومعنى.

وفي (( الصحاح ) ): مثل كلمة تسوية يقال هذا مثله ومثله كما يقال شبهه وشبهه بمعنى والمَثَل بفتحتين ما يضرب به من الأمثال أيضًا ومثل الشيء أيضًا صفته.

قال العيني: واعلم: أن المثل له مفهوم لغوي وهو النظير ومفهوم عرفي وهو القول السائر، ومعنى مجازي وهو الحال الغريبة، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام للحال العجيبة والصفة الغريبة، كأنه قيل: حال المسلم العجيبة الشأن كحال النخلة أو صفة المسلم الغريبة كصفة النخلة، فالمسلم هو المشبه والنخلة هي المشبه بها.

وأما وجه الشبه فقد اختلفوا فيه فقال بعضهم: هو كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجودها على الدوام فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى تيبس، وبعد أن تيبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها فتستعمل جذوعًا وحطبًا وعصيًا ومخاصر وحبالًا وأواني وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها، ثم آخرها نواها ينتفع به علفًا للإبل وغيرها ثم جمال نباتها وحسن ثمرتها وهي كلها منافع وخير وجمال، وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على صلاته وصيامه، وذكره والصدقة وسائر الطاعات هذا هو الصحيح في وجه الشبه.

وقال بعضهم: وجه الشبه: أن النخلة إذا قطع رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر.

وقال بعضهم: لأنها لا تحمل حتى تلقح.

وقال بعضهم: لأنها تموت إذا غرقت أو فسد ما هو كالقلب لها وقال بعضهم؛ لأن لطلعها رائحة المني وقال بعضهم؛ لأنها تعشق كالإنسان وهذه الأقوال كلها ضعيفة من حيث إن التشبيه إنما وقع بالمسلم وهذه المعاني تشمل المسلم والكافر. انتهى.

ج 1 ص 402

وفي قوله: (( فالمسلم ) )هو المشبه والنخلة هي المشبه بها نظر، والصواب: العكس كما هو صريح الحديث، ولعل ذلك من تحريف الناسخ كما يدل عليه قوله آنفًا من حيث إن التشبيه إنما وقع بالمسلم ثم في حكمه على تلك الأقوال بالضعف بأن ما ذكروه في وجه الشبه يشمل المسلم والكافر نظر أيضًا، إذ يكفي في وجه الشبه وجودها في المسلم وشمولها للكافر غير قادح في وجه الشبه؛ كما إذا قلت: زيد كالبدر فوجه الشبه وهو النور والتلألؤ غير مختص بالبدر، بل هو في الشمس أتم، وكذلك إذا قلت: زيد كالأسد فوجه الشبه الجرأة، وهي غير مختصة بالأسد، بل توجد في النمر ونحوه.

وعلى فَرَض تسليم ذلك يمكن أن يراد بالمسلم مطلق الإنسان مجازًا مرسلًا بعلاقة التقييد والإطلاق، فليتأمل.

قال في (( الفتح ) ): ووقع عند المصنف في التفسير من طريق نافع عن ابن عمر قال: (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا ) )كذا ذكر النفي ثلاث مرات على طريق الاكتفاء فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيئها ولا يبطل نفعها. انتهى.

(فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟) أي: إن عرفتم ماهيتها ولم يقل عرفوني؛ لأنه كان عارفًا بها فالتحديث يكون للعالم بالشيء ولغيره بخلاف التعريف فإنه لا يكون للعارف وجملة ما هي من المبتدأ والخبر في محل نصب سادة مسد مفعولي حدثوني (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي) أي: ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي وأبعدوا النجعة فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع وذهلوا عن كونها النخلة مع قربها وكونها بمرأى منهم ولم يتفطن أحد منهم لكونها المرادة إلا ابن عمر رضي الله عنه فمنعه الحياء؛ لكونه كان أصغر القوم؛ ليكون الفضل في ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام.

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر الراوي (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ) وسبب تفطنه لذلك ما رواه المؤلف في (( صحيحه ) )من طريق مجاهد عنه أنه قال: (( فظننت أنها النخلة من أجل الجمار الذي أتى به ) )ويؤخذ منه أن من ألقي عليه لغزًا ينبغي له أن يتفطن لقرائن الأحوال، وأن الملقن لا ينبغي له أن يبالغ في التعمية.

(فَاسْتَحْيَيْتُ) بياءين وفيه لغة أخرى وهو: (( استحيت ) )بياء واحدة؛ أي: خجلت أن أتكلم وعنده أبو بكر وعمر وغيرهما من أخيار الصحابة هيبة منهم وتوقيرًا لهم (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هِيَ النَّخْلَةُ) زاد المؤلف في رواية مجاهد في باب الفهم في العلم: (( فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم ) )وله في الأطعمة: (( فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم ) )وفي رواية نافع: (( ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه ) )وفي رواية مالك عند المؤلف عن عبد الله بن دينار في باب الحياء في العلم: (( قال عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال: لأَنْ تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا ) ).

زاد ابن حبان في (( صحيحه ) ): أحسبه قال: (( حمر النعم ) )كذا في (( الفتح ) ).

وفيه أيضًا: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى بيانه لهم إن لم يفهموه، وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه نهى عن الأغلوطات ) ).

قال الأوزاعي أحد رواته: هي صعاب المسائل فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت المسؤول أو تعجيزه، وفيه التحريض على الفهم في العلم، وفيه استحباب الحياء ما لم يؤد

ج 1 ص 403

إلى تفويت مصلحة ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت، وقد بوب عليه المؤلف في العلم وفي الأدب وفيه دليل على بركة النخلة وما تثمره وقد بوب عليه المصنف أيضًا.

وفيه دليل على جواز تجمير النخل وقد بوب عليه في الأطعمة؛ لئلا يظن أن ذلك من باب إضاعة المال وأورده في تفسير قوله تعالى: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً} [إبراهيم:24] ، إشارة منه إلى أن المراد بالشجرة: النخلة.

وقد ورد صريحًا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة: عن نافع، عن ابن عمر، قال: (( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر هذه الآية، فقال: أتدرون ما هي؟ قال ابن عمر: لم يخفَ عليَّ أنها النخلة، فمنعني أن أتكلم مكان سني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة ) ).

وفيه: ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام وتصوير المعاني لترسخ في الذهن ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة، وفيه: إشارة إلى أن تشبيه الشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات، ولا يعادله، وفيه: توقير الكبير وتقديم الصغير أباه في القول وأنه لا يبادره بما فهمه وإن ظن أنه الصواب، وفيه: أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه؛ لأن العلم مواهب والله يؤتي فضله من يشاء.

واستدل به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها لله تعالى، وذلك مستفاد من تمني عمر المذكور.

ووجه تمني عمر ما طبع الإنسان عليه من محبة الإنسان الخير لنفسه ولولده لتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره وليزداد من النبي صلى الله عليه وسلم حظوة، ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم.

وفيه: إشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر؛ لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها. انتهى.

وفيه أيضًا: استفدنا من مجموع ما ذكرنا أن منهم أبا بكر وعمر وابن عمر وأبا هريرة وأنس بن مالك إن كانا سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت