قال في (( الفتح ) ): كذا في رواية الأصيلي وكريمة بلا ترجمة، وكذا قال الإسماعيلي باب بلا ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر وأبي الوقت، وكذا لم يذكره أبو نعيم.
وعلى هذا فمناسبة الحديث غير ظاهره للترجمة. انتهى.
وتعقبه العيني: فقال هي ظاهرة وهي في قوله فقام فأطال القيام لأن إطالة النبي صلى الله عليه وسلم القيام بحسب الظاهر كانت مشتملة على قراءة الدعاء وقراءة القرآن وقد علم أن الدعاء عقب الافتتاح قبل الشروع في القراءة فصدق عليه باب ما يقول بعد التكبير وهي مطابقة ظاهرة جدًا. انتهى.
ثم قال صاحب (( الفتح ) ): وعلى تقدير ثبوت لفظ باب فهو كالفصل من الباب الذي قبله كما قررناه غير مرة فله به تعلق أيضًا.
قال الكرماني: وجه المناسبة أن دعاء الافتتاح مستلزم لتطويل القيام، وحديث الكسوف فيه تطويل القيام فتناسبا.
وأحسن منه ما قال ابن رشيد: يحتمل أن تكون المناسبة في قوله: حتى قلت أي رب أو أنا معهم لأنه وإن لم يكن فيه دعاء ففيه مناجاة واستعطاف، فيجمعه مع الذي قبله جواز دعاء الله تعالى ومناجاته بكلما فيه خضوع، ولا يختص بما ورد في القرآن خلافًا لبعض الحنفية. انتهى.
وتعقب العيني الكرماني فقال: هذا غير سديد؛ لأن الترجمة باب ما يقول بعد التكبير وليست في تطويل القيام.
وتعقب صاحب (( الفتح ) )أيضًا فقال: هذا كلام طائح أما أولًا فلأنه لا يدل على المقصود كما لا يخفى على من له ذوق من طعم تراكيب الكلام، وأما ثانيًا فلأن العبد كيف يناجي ربه ويستعطفه وهو ساكت ومقام المناجاة والاستعطاف يكون بكل ذكر يليق بذاته وصفاته.
والحال أن الله تعالى حث عبيده في غير موضع في القرآن وحث نبيه صلى الله عليه وسلم في غير موضع في حديثه بذكره ومدح الذاكرين والذاكرات وكل ذلك باللسان وهو ترجمان القلب ومجرد الخضوع لا يغني عن الذكر وأما ثالثًا فكيف يقول ولا يختص بما ورد في القرآن أفيليق للعبد أن يقول
ج 2 ص 555
في صلاته وهي محل المناجاة والخضوع اللهم أعطني ألف دينار أو زوجني المرأة الفلانية وهذا ينافي الخضوع والخشوع.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ) )الحديث.
وأما على تقدير وقوع لفظة باب بين الحديثين فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله وتكون المناسبة بينهما تعلق ما والذي ذكره الكرماني هو هذا التعلق. انتهى.
وقال ابن رجب: مقصوده بإيراد الحديث في هذا الباب أن المصلي له النظر في صلاته إلى ما بين يديه وما كان قريبًا منه ولا يقدح ذلك في صحة صلاته ولكن المنظور إليه نوعان:
أحدهما: ما كان من الدنيا الملهية فهذا يكره النظر إليه فِي الصلاة لأنه يلهي.
والثاني: ما ينظر إليه مما يكشف له من أمور الغيب فالنظر إليه غير قادح في الصلاة؛ لأنه كالفكر فيه بالقلب. انتهى.
ثم قال: وفي الجملة فإن كان البخاري ذكر هذا الباب للاستدلال بهذا الحديث على أن نظر المصلي إلى ما بين يديه غير قادح في صلاته فلا دلالة فيه على النظر إلى الدنيا ومتعلقاتها وإن كان غرضه الاستدلال على استحباب الفكر للمصلي في الآخرة ومتعلقاتها وجعل نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجنة والنار بقلبه كان حسنًا لأن المصلي مأمور بأن يستغرق فكره في قربه من الله تعالى وفيما وعد وأوعد. انتهى.
وأقول: قد يقال: إن البخاري لا يلتزم إذا أورد في الترجمة أحاديث متعددة أن يكون كل حديث مطابق لها بل يكفي في مطابقتها حديث واحد حيث يكون بين الحديث الذي فيه المطابقة جهة جامعة ومناسبة ما وهنا المناسبة موجودة بين الحديثين فإن في الحديث الدعاء بالمباعدة بين الخطايا وغسلها الذي هو كناية عن محوها وغفرانها وذلك من أسباب دخول الجنة بمقتضى وعده تعالى فأتبع بالحديث الذي فيه رؤية الجنة للترغيب فيما يكون سببًا لدخولها والتحذير عن ارتكاب ما يبعد عنها ويكون سببًا لدخول النار فليتأمل.